مختارات

لاعب النرد

مَنْ أَنا لأقول لكمْ
ما أَقول لكمْ ؟
وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ
فأصبح وجهاً
ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ
فأصبح ناياً …أَنا لاعب النَرْدِ ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلاً …
وُلدتُ إلى جانب البئرِ
والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ
وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً
وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً ،
ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ
وأَمراضها :

أَولاً – خَلَلاً في شرايينها
وضغطَ دمٍ مرتفعْ
ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ
والجدَّة – الشجرةْ
ثالثاً – أَملاً في الشفاء من الانفلونزا
بفنجان بابونج ٍ ساخن ٍ
رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة
خامساً – مللاً في ليالي الشتاءْ
سادساً – فشلاً فادحاً في الغناءْ …

http://twitdoc.com/c/pk6zpx

—————————————————————————————————————————————————

——————————————————————————————-

«الكمنجات» تنبعث من أوديسّة الشّتات

خليل صويلح –جريدة الأخبار


كنت كمن يدخل غرفة في غياب صاحبها، ويفتش محتوياتها، ويتلصّص على أسرار الغريب، كي يألف جدران الغرفة، وأدراج خزائنها، وألبوم الصّور، ورائحة السرير، ومرآة الحمّام. المرآة التي اعتادت وجه صاحبها، وخبّأت تضاريس وجهه برغوة معجون الحلاقة، والمواعيد الطارئة، وكمائن المجاز. كنت أنصت إلى الموسيقى تنبعث من مكان خفيّ في الحجرة. من أين يأتي صوت الكمنجات؟ هل غادر المايسترو قبل قليل تاركاً سلَّمه الموسيقي في أحد الأدراج، ولم يتمكن من إكمال النوتة إلى آخرها؟ ها هي آثار أصابعه عالقة على مقام النهوند، وعلى الكمنجات الثكلى. «الكمنجات تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس» و«الكمنجات تبكي على زمنٍ ضائع لن يعود» في حركتين متضادتين في الذهاب والإياب. سأجد الآلات الموسيقية، وأقواس الأوتار مبثوثة في نصوصه القديمة كما في بروفة لا تكتمل أبداً. ها هي «فانتازيا الناي» تتسرب من «هي أغنية، هي أغنية» كوجعٍ قديم في الضلوع. سيتكرر الناي مثل لازمة إلى نهاية القصيدة، وسيباغته حنين الشاعر إلى عشبه الأول «هل حلمنا يا ناي، كنز ضائع، أم حبل مشنقة؟».

وزّع محمود درويش آلاته ومقاماته الموسيقية في متن قصائده كخطٍ موازٍ للإيقاع الشعري، وإن فارقت المعنى أحياناً، كما في قوله «هذا السراب يؤدي إلى النهوند». مقام النهوند «المينور» يسمى مقام الغبطة، فكيف اجتمع السراب مع الغبطة في معنىً واحد؟ لا يهمّ ما دام الشاعر مأخوذاً بالإيقاع. الإيقاع الذي يأخذه إلى غير مقاصده، حتى إنّه لفرط افتتانه بالإيقاع، يصل إلى التجريد الخالص الذي يتجاوز البلاغة إلى مستوى السماع والتطريب. مايسترو ينسى النوتة التي أمامه، ويذهب إلى أقاصي التوحّد والارتجال في حركاتٍ مباغتة. سنلتقط أسباب هذا الافتتان اللغوي في عبارةٍ لاحقة، تبدو كما لو أنها بيت القصيد «وددتُ لو أجد الإيقاع، لو أجدُ. والعزفُ منفردُ».
تراوح مقامات صاحب «لماذا تركت الحصان وحيداً» بين العزف المنفرد على آلة وترية، والحواريات السيمفونية. ناي، أو غيتار، أو كمنجة، في قصائد الألم الشخصي المبكر، ومكابدات الذات في وحشتها وعريها وشهواتها، وحوار آلات مختلفة في تراجيديا التيه الفلسطيني. يقول في المقام الأول: «لا أحد يرى أثر الكمنجة فيك»، و«انتظريني لئلا تفرُّ العنادل منّي فأخطئ في اللحن»… فيما تتجاور في المقام الثاني أصوات وإيقاعات ونبرات في نظام موسيقي يفصح عن حجم المأساة، وتشظّي أحوال بلاد منهوبة.
هل سعى محمود درويش إلى كتابة «إلياذة» فلسطين، و«أوديسّة» الشّتات؟ في الواقع سنلمح في نصوصه الملحمية، طروادة محاصرة، وأثينا مفجوعة، إضافةً إلى أندلس مفقودة. تمتزج الأسطورة بالخراب، والنفي، والحنين، وتأمل الكارثة في جوقة منشدين ولحنٍ جنائزي. هوميروس آخر يسجّل تفاصيل تراجيديا الشتات، أو إنّه «خليط من أثيني حالم، وإسبارطي تائه في شعاب التراجيديا» وفقاً لما يقوله نزيه أبو عفش عنه، ليصير نصّه أقرب إلى سوناتات باخ في اكتمالها.
في قصيدة «طباق» التي أهداها إلى إدوار سعيد، سيضاف «البيانو» إلى معجمه الموسيقي، حيث «إدوار يصحو على جرس الفجر، يعزف لحناً لموتسارت»، وستعبر القصيدة شوارع نيويورك، لتتوقف أخيراً عند «قدّاس جاز». لكن الكمنجات وحدها، ستبقى مفردة أثيرة تتكرر على الدوام بمقامات إيقاعية مختلفة «أشيّعُ نفسي بحاشية من كمنجات إسبانيا، ثم أمشي إلى المقبرة» كأن ظلال لوركا القتيل ما زالت تطارده، في أندلسٍ ضائع ومضيّع.
في «جدارية»، سيبني كونشيرتو أصوات، محاوراً أوركسترا الموت في أربع حركات أساسية، تنتهي بهزيمة الموت في الحركة الأخيرة على وقع نايٍ وكمنجة «وامشوا صامتين معي على خطوات أجدادي، ووقع الناي في أزلي»، و«وأبصرُ في الكمنجة هجرة الأشواقِ من بلدٍ ترابي إلى بلدٍ سماوي». كما سيحاور طرفة بن العبد والمعرّي ورينيه شار، في إيقاعات متفاوتة، في العلوّ والهبوط. وفي الصّخب والصمت، وفي البصر والبصيرة.
كان مرسيل خليفة أول من اكتشف البعد الإيقاعي المنجز نغمياً، في قصائد محمود درويش، فكانت أسطوانته «وعود من العاصفة» بمثابة تمرينات أوّلية على المزاوجة بين نصّ غاضب، وموسيقى تتلمّس قوة الهتاف والنبرة العالية، وصولاً إلى «يطير الحمام». التجربة التي توغلت في مسارب بعيدة، ونبشت ما هو مضمر في متن العبارة. فيما اشتغلت فرقة ثلاثي جبران على نصوص صاحب «سرير الغريبة» بارتجالات على العود تواكب الجملة الشعرية في فسحتين متناوبتين: الإلقاء الصوتي للشاعر مرةً، وجنون العود مرةً تالية، في حوارية عميقة بين ثلاث آلات، تفصح عن نبرة إيقاعية مشبعة لطبقات النص. لكن من يدوزن الإيقاع اليوم، في غياب صاحبه؟ هناك من عبث في المسوّدات.

—————————————————————————————————————————————————

—————————————————————————————————————————————————

حيفا وبيروت، باريس وتونس، رام الله وعمّان…

نجوان درويش – جريدة الأخبار

في 9 آب (أغسطس) 2008، توقّف قلبه المثخن عن الخفقان في أحد مستشفيات هيوستن، في ولاية تكساس الأميركية. لكنّ الشاعر ما زال طاغياً في «غيابه». ماذا يبقى لنا من صاحب الــ «جداريّة»؟

هل تغيّر شيء في نظرتنا إلى شعره بعد سنة على رحيله؟ هل تتضاعف رمزيته التي أحرزها عبر عقود من الكدح الشعري الدؤوب من جهة، وتماهيه مع صورة فلسطين وسؤالها الأخلاقي المفتوح على العالم؟ هل غياب الشاعر صاحب الكاريزما سيتيح لشعره قراءة أكثر تحرراً من سطوة الظاهرة التي تقاطعت فيها جملة عناصر ومكوّنات؟ ظاهرة تظل شعرية في الأساس، رغم ما دَخَل عليها من أثقال السياسة والأدوار والتوازنات الصعبة. ثم من هو الشاعر في النهاية؟ وهل بالإمكان فصل شيء عن آخر حين نتحدث عن عملية القراءة وبقية أشكال التلقي؟
ثم أين نعثر على الأجوبة؟ في مجلدات أعماله الشعرية؟ في فتوّته عند ضفاف المتوسط في حيفا وبيروت؟ في كهولته بين رام الله وعمان؟ في الناس الذين خرج منهم؟ في الشقق والعمارات والشوارع؟ في مدوّنة الشعر العربي وتحولاته؟ في الغياب؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بمفعول هذا الإكسير العجيب (الغياب) على الأعمال الفنية، والزمن، هذا الماكر، لا نعرف ماذا يخبئ «الغياب» للذين عرفوا بريق الشهرة في حياتهم، أو مكثوا في ظلمة الهامش. نتذكر الآن أحمد شوقي ونزار قباني. والأعلى ذائقةً سيتذكرون لوركا ونيرودا. هذه السلالات الشعرية التي يمكن إرجاع محمود درويش إليها.


أما السؤال عن التركة الشعرية لشاعر ما، فيُحوّل تلقائياً إلى ثلاثة: النقد الأدبي وذائقة الأجيال الجديدة والزمن. وكل واحد يجيب بطريقته. وإن ظن بعضنا أنها ليست سوى جهة واحدة تتخفى بثلاثة أسماء.
هل نقف عند أطراف سيرته؟ الولادة في آذار (مارس) 1941 في قرية عربية فلسطينية لها اسم دقيق كأنما من الحنطة: «البروة». سرعان ما سيهجّر أهلها وتدمّر عام 1948. في العام نفسه، ترجع العائلة من نزوح قصير إلى لبنان، لتستقر في قرية «الجديدة» قرب عكا. سيتذكر حبال غسيلها دوماً. هناك في مدرسة قرية «دير الأسد»، سيعرف معنى كلمة لاجئ. تتضاعف قسوة الكلمة حين ينشأ المرء لاجئاً في بلده. هذا لجوء مركب يشبه الفقر واليتم كأن الأرض تهرب من تحتك. كلمة لاجئ مثّلت له تحدياً حتى النهاية، وقد مثّل في حياته ــــ واعياً لهذا التمثيل على الأغلب ــــ نموذج الفلسطيني الذي يثير الحبّ والحسد لا الشفقة.
عكا وحيفا في الستينيات، فتوة لا ينقصها الصخب، وغسان كنفاني (1936 ــــ 1972) يصدر كتابه «أدب المقاومة» (1966). هذا التيار الذي حمل معه كثيراً من الأخشاب الميتة. في حيفا، يلتحق بـ«راكاح» (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، عن طريق المؤرخ الشيوعي إميل توما (1919 ــــ 1985). تبدو علاقته مع توما نموذجاً مصغراً، أو تمريناً لعلاقته اللاحقة بياسر عرفات الذي بقي مقرّباً منه حتى الاغتيال الغامض للأخير في باريس.
ذات يوم في رام الله، تناقشنا معه حول أمسيته الحيفاويّة التي أثارت نقاشاً عارماً عام 2007، خصوصاً أنّ جانباً من الحساسيات المثارة حولها حينذاك مردّه إلى أنّ «الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة» (وريثة الحزب الشيوعي الإسرائيلي) هي من نظّم الأمسية، ما أعطاها «أبعاداً» كانت في غنى عنها. فوجئنا يومذاك بردّه على التساؤلات النقديّة: «… ولكنه حزبي!». استغربنا أن يكون الشاعر ما زال يعتبر نفسه من هذا الحزب، فيما الصورة الملازمة له كان قد طغى عليها ارتباطه بـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، وانقطاعه الطويل عن العمل السياسي داخل فلسطين المحتلة منذ التحاقه بمنظمة التحرير بداية السبعينيات. بل إنّ بعض أقطاب هذا الحزب نددوا بخروجه من البلاد في ذلك الوقت (1972)، بنبرة تذكّر بما سيتعرض له بعدها بسنوات طويلة المفكر والقائد السياسي عزمي بشارة.
أولى محاولاته تعود إلى المجموعة الشعريّة التي أسقطها لاحقاً، وحملت عنوان «عصافير بلا أجنحة» (1960). اعتبر محمود «أوراق الزيتون» (1964) مجموعته الأولى. وطوال ربع قرن من عمله الشعري، لم يكن بإمكانه إلا أن يعترف: «خرجت من عباءة نزار قباني». تأثير لوركا لم يكن قليلاً في تكوينه الشعري. ولاحقاً كان كثير الإفادة من لغة معاصريه بدرجات وأشكال متفاوتة: أدونيس وسعدي يوسف وسليم بركات وغيرهم. وفي شعره المتأخر، سنجد تأثيرات مختلفة تبدأ بـ ت. س. إليوت ولا تنتهي بكنوت أو ديغارد. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إنّه لم يكن بعيداً عن التأثر بحساسيات شعرية مختلفة في قصيدة النثر كنوري الجراح وعبّاس بيضون وغيرهما. آخر قصيدة نشرها محمود في حياته بعنوان «لاعب النرد»، لا يمكن إلا أن تذكّرنا في مطلعها بقصيدة «صور» لعباس بيضون.
موسكو والقاهرة وبيروت بين 1972 و1982: إنّها فترة «صعود نجم» الشاعر. تونس وباريس حتى 1995: «لماذا تركت الحصان وحيداً». هذا الديوان انعطافة كبيرة في شعر محمود درويش. رام الله وعمّان حتى 2008: غزارة لافتة في الإنتاج، وفي متابعة النجاح الأدبي وتلقي التقدير من الجماهير، والتكريم والأوسمة من السلطات العربية… لقد اتسع الاهتمام العالمي بشعره، وكان يبدو شديد الحرص على نجاحه. وفي السنوات الأخيرة بدا كأنه لم يعد يؤمن بجدوى مشروع مقاومة أو نهضة في المنطقة العربية! العبارة في مجموعاته الشعرية الأخيرة كانت تتسع وتشفّ وتتموج… وتتكرر أيضاً. في شهر آب/ أغسطس الماضي، وصف أحد أصدقائه رحيله المباغت بـ«وثبة غزال»… كأنه يقفز الآن!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s