أكرهُ الشتاء..


rain

أسـعد ذبيـان

أكرهُ الشتاء..

بمنتصف الطريق صمت… كان يستمع لكن لم يشأ أن يتحدّث بوقتها…
انتبَهّت، فبادرّت لتسأله.. أيّ فصلٍ تحب؟
جاوب: “فصل الصمت”..
قالت: “لا تبدأ فلسفةً، سألتُكَ أيّ فصلٍ من فصول السنة تحب؟”
عاد لصمته..

كان جزءً من الحديث الذي دار بينهما، هم ويمشيان..
كان السؤال الذي أتى بعد أن أخبرته بأنّها تحب فصل الشتاء..
قالت: “لا شيئ يصمُد بوجه هذا الفصل، الرياح العاتية تدمّر كلّ شيء.. هائل هو، مارد، عظيم، جبّار.. والأجمل أنّ كل الناس متساوين.. كلهم يختبأون من الأمطار”

قبلها كانا يتحدثان عن أشياء سخيفة، أشياء سطحيّة، ليضيّعوا الوقت وليحتموا من قطرات المطر تحت الشمسيّة التي ما فتأت الرياحُ تدفعها من بين يديه..
أغلق الشمسيّة.. وأغلقا الأحاديث التافهة..

أخبرها أنّه سيكتُب هذه الحادثة يوماً ما، فضحكت.. عرِفَت أنه سيفعل.
حذّرها أن تنتبه لكلامِها، فسيسجّل حرفياً.. فابتسمت..

قالت وهي تعرفُ القصّة، كان ينقصُكَ أن تكونَ سائراً مع حبيبتك..
كانت قد قطعت عليه الكلام.. كان يودّ أن يقول، ينقصُ القصّة أن يعرف القارئ بدايتها..

كانا قد خرجا من الجامعة ليذهبا لنشتريا هديّة..
هديّة في ذكرى القديس فالنتاين، في ذكرى عيد الحب.
كانت متحمّسة.. وقد حجزت الهديّة منذ أيام في محلٍ راقٍ.
قميصٍ وربطة عنق. ومبلغٍ ضخم أخفت حقيقته عن والدها أحضرته لهذا الغرض.

جهّزت لكل شيء. أسبوعين وتأتي الذكرى وتصل الهديّة في مغلفٍ بريديّ.
كانت تريد إرسال الطرد لحبيبها الذي يعمل في الخارج..
لخطيبها الذي أهداها قبل أن يُسَافِر عطراً غالِ الثمن، طلبت منه في الصباح أن يتنشّقه عن قميصها ويبدي رأيي فيه..
“جميلٌ جداً، مبروك” قال لها.
ولكن هذا حديثٌ آخر..

كان ينقصُ القارئ أن يعرف أنهما كانا احباء.. لفترة قصيرة..وقصيرة جداً.
قصيرة لدرجة أنّها لم تشهد مرور ذكرى القديس فالنتاين ولو لمرّة واحدة.. قصيرة لدرجة أنّها لم تحيا لعام، ولا حتى لشهر، ولا أذكر إن امتدّن لأسبوع!.. علاقة بدأت بالعاطفة والتلهف والتفكير والأمل.. فانتهت بالخيار الصائب.

علاقةُ شابين في أول بلوغهما.. في مقتبل العمر.. يظنان أنّ الدنيا مجرّد دعابة سخيفة وأنّ بامكانهما التحكّم بالقدر.. ولكن كان لا بدّ من تغليب العقل والمنطق على العاطفة.. فاختار التراجُع بعد أن صارحها بالحقيقة وبغياب مقوّمات ما يسمّى بناء المستقبل!

افترقا وبرضى.. وبتعهدٍ على أنّ ما مرّ بينهما يبقى ذكرى لا تُمحى..
ذكرى جميلة تخلّد في الأفئدة.. (وفي المراسلات التي كانت تتم بينهما من حينٍ لآخر في المقالات التي ينشراها من دون أن يخصو بها أحد).
ذكرى لأنه كان الأوّل والوحيد (على حد علمه) الذي دخلَ مذكّراتها الثمينة.

فيومَ أخبرته بأنّها ارتدت خاتم الارتباط، ورمز الاخلاص لشريكٍ يكبرّها بكذا عام، وتقدّم من أهلها طالباً يدها للزواج.. اغتطب لها وفرح لأنّها أمّنت مستقبلها.. فرح لها لأنّها اختارت شريكاً، بخصالٍ حميدة، يحبّها ويحبّ أهلها.. وتعلّمت أن تحبّة!
كتب قصيدة.. شرح فيها موقفه..
وأنه لا يُمانع. فقد كان يحسب لهذا النهار حساب!
ولكن هذا من الماضي أيضاً.

قالت له: “لكن لم يكُن بيتتا شيءٌ جديّ.. لا شيء يُذكر”
وهنا كانت الطعنة التي أوقفته عن المسير.. (لا شيء يُذكر؟!!)
قال لها: “بعضُ الناس ولو وضعت أمامهم أنبلُ المشاعر، لكانوا انصرفوا عنها وبحثوا عن غيرها مدّعين أنّهم لا يعرفوا شعوراً من قبل”
جاوبته: “تقصدني انا”..
فردّ: “ليس بالضرورة”… لكنّه بالفعل عناها هي.

الحبّ بالنسبة له تضحية، الحبّ صمتٌ وسكوت.. الحبّ تقديمٌ بلا منّة.. وأنّه في بعض الأحيان الرضى بالفراق والبُعاد، وتفضيله على الكذب في علاقةٍ تبداُ بالأمل وتنتهي بالفشل..

كانا صباحاً يقفان في إحدى ممرّات الجامعة فبادرها ليقول:” يا ليتني ولدتُ وملعقةُ الذهب في فمي، لكنتُ استطعتُ مثل غيري أن أقنع النساء بأنني أحبّهم وأعدهم بالأيّام الورديّة فيقتنعوا بسبب أموالي.. وأحصل على ما أريدهُ منهم، ثمّ أكتشفُ بأنّ العلاقة غير ناجحة.. وأذهبُ إلى صيدٍ جديد… يا ليتني ولدتُ بلا ضمير”

أكملا في المسير صامتين.. حتّى وصلا للمكان المنشود، والمحل المقصود..
كانا قد تبللا بالماء..
قدّمت هي للسيدة الموظفة وراء المكتب بطاقة الحجز.. فذهبت الأخيرة الى الطابق العلويّ لتعود بالهديّة، فيدفعا ثمنها ويذهبان من حيث أتيا..

أخذ يجولُ ناظريه فيما حوله.. محلٌ من الطراز الأوّل.. النوع الذي لا يقصدهُ عادةً ليتبضّع، فلا قدرة لديه ولو بمدخول راتبٍ شهريّ كامل أن يشتري قطعة ثياب واحدة من هذا المكان.. فتأكّد أنّه في الماضي أصابَ اتخاذ القرار..

جاءتهُ الجرأة فجأةً فارتدّ اليها ليقول: ” أنا أكرهُ الشتاء.. أمقته.. لأنّه يجعلني أشعر بأنني حقير.. فأختبأ من الأمطار.. وأبلل ثيابي وشعري. أكرههُ لأنّه كئيبٌ وحزين.. لأنّه يضطرّني أن أرتدي ثياباً إضافيّة (وجوهاً أختبأُ بها من عيون الناس)..
أكرهُ الشتاء لأنّه يساويني بالآخرين.. بل يجعلهم أفضل منّي إن امتلكوا وسائل التنقّل المغلقة.. وأنا أعلم أنني أعظم من الباقين وأرفض المساواة.. (مغرور)”.

عادت الموظفة بالهديّة الموضوعة في علبةٍ مرتّبة.. دفعت هي لها المبلغ المرقوم وخرجا.. تناولَ العُلبة في يديه. خلعَ عن رقبته كوفيّته الفقيرة الرثّة ووضعها فوقَ العلبة لكي يحمي هدية خطيبها الثمينة من قطرات المطر..

29/1/2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s