حبلى


preg

أسـعد ذبيـان

حبلى

——————————————————————————–

لقد تجاوزت مواعيد حملي، ورأيت القمر بدراً تسعة مرات، ولم ألد.. وقد جائني المخاض ورأيت ملاك الموت مئة مرة، ولم ألد.. وانتفخت بطني لحد كبير وتكبدت مشقة في المسير، ومع هذا لم أستطع أن أحضر لهذا العالم نسخة جديدة منقحة مني.. فذهبت لأراجع طبيباً وأسأله عن حالتي. كشف علي ثم ضحك في وجهي قائلاً: “بالطبع لن تلدي فأنت تعرفين أي ذنبٍ اقترفت، وبأي طريقةٍ زرع فيها جنينك”.

وعندما توقف الجنين عن ركلي منذ شهرين، ظننت أنه مات، فتوجهت إلى طبيبٍ آخر لأستأصل ما كان جزء مني لأكثر من عام. ذهبت إليه ليضع مبضعاً على بطني ويشقه ويخرج من بين أحشائي ذاك الملاك الذي لم يستطع أن يخرج إلى عالم النور.. تمددت على السرير بردائي الأسود والقصير، وأخذ الطبيب يستعمل أدواته الحديثة ليصور طفلي الذي افترضت موته بين أضلعي.. ثم قال لي أنصتي، وضع سماعته في أذناي لأسمع صوت خفقانٍ خافت ومتقطع. أضاف الطبيب مشخصاً حالتي:”حملك يا سيدتي لم يكن عادياً، وبالتالي مولودك إستثنائي، وفترة حمله إستثنائية، ونبضاته وركلاته وحركاته إستثنائية، فما لك إلا أن ترضي بالذي كتب لك، فأنت التي اخترت أن تتزوجي من إله”..

ضحكت من نفسي بصمتٍ وخرجت.. تزوجت من إله؟! وهل يتزوج الآلهة؟! هم يغوونك ويمارسوا الحب معك من بعيد ويضعون أجنتهم ويرحلون.. من سمات الآلهة أنهم يظهرون متى شاؤوا، ويرحلون ساعةً أرادوا.. ومن عاداتهم أن يختاروا الضحايا عشوائياً، ويتركون لديهم أعظم الآثار.. نصيبي كان أن يترك في داخلي جنينٌ مزاجي ليذكرني بمن وضعه ورحل.

قضيت الشهرين بسلامٍ ومن دون أوجاع، نسيت موضوع الجنين، خاصة وأن بطني عادت إلى حجمها الطبيعي، فأكملت أيامي بشوق المتلهف إلى الغد، وغير الآبه بالأمس، قضيتها مترنحة بين الأعمال، الأحباب والمواعيد. لكن الإبتسامة لم تعلو وجهي إلا في نادر الأحيان.. كانت ذكرى الإله تعود إلي بين الفينة والفينة، فأتذكر طيفه، وإيتساماته التي تملأ الدنيا، ونوره الذي يبهر العيون.. أتذكره كيف كانت تطارده حوريات الجنة من كل صوبٍ، كيف أنه أختارني أنا بدلاً منهن جميعاً. أتذكر مواعيدنا المضروبة عشوائياً في أصقاع العالم، دفئه الذي يعمني على الرغم من المسافة والوقت الذي يفصلنا، ولكن لم أستطع يوماً أن أتذكر لمسته أو أن أشعر بيده تلاعب شعري، ولا شفاهه تدغدغ شفاهي، ولا أصابعه تجتازني من النهدين إلى الرقبة، ولا صدره يطوقني به من الخلف، وتعجبت من نفسي كيف أغرمت بطيفٍ، وتعلقت بوهمٍ,، وربطت نفسي بحلمٍ جميل لا بد له أن ينتهي..

كنت (منذ شهرين) قد بدأت أمرس نفسي وأعوضها على فكرة نسيانه، وابتعدت بقدر استطاعتي عن عالمه الملائكي وأنغمست بقشور الغانية علني أنساه.. إهتممت أكتر وأكثر بنفسي، فاشتريت أجمل العطور لأنثرها على أنوف المعجبين، وأكثر الثياب تأنقاً لأثير حفيظة زميلاتي في العمل، وساعة غالية الثمن لأضبط الوقت وأنفاس الشباب وإيقاعات أفئدتهم.. وخرجت من رأسي كل الأفكار الشيطانية لأسلي نفسي وأستمتع بأيامي ولياليها! كما إني لم أوفر جهداً في المثابرة على النجاح في ميادين العمل، فاضطررت لأن أقضي أوقاتاً طويلة لأعوض ما فاتني من دراسة وخبرة لكي أبذ بها الأنداد ـ فحصل لي ما أردت.. وسارت الأمور مثلما توقعت لها، يقطع صفاءهما بين الحين والآخر، رائحة عطرٍ كانت تفوح منه، أم أغنية ملائكية تذكرني فيه، أم مكانٍ يدل عليه..

لم يكن هناك من مفرٍ أن أخنق الغصة وأنا مع رجالٍ آخرين لا يرتقون إليه، أن أقتل المشاعر التي تنتابني بالحنين لعينيه.. أصبحت مزاجية إلى حدٍ لا يطاق وقررت أن اقتله من ذاكرتي، أن أشوه صورته، فحولته في عقلي صنماً وثنياً لا قيمة له إلا في جمال صورته الخارجية مع أنه فارغ المضمون، فلم تفلح المحاولة.. ثم زرعت في أثلام عقلي بزوراً تفيد بأنه زير نساء ولا شك بأنه يقضي أوقاته بين إمرأة وأخرى ولم أكن بالنسبة إليه سوى رقماً (صعب ولا شك)، فتحولت هذه البذور زرع كراهية وحقد لإلهٍ سقط عن عرشه الملكوتي، ثم كان أن رفعت نفسي لرتبة الألوهية، فصرت أنا لا هو، “إفروديت” و”فينيس” و”عشقوت” و”مريم العذراء” و”فاطمة الزهراء”، وكل النساء اللواتي يحلم الكل أن يكنّ مثلهن ولا يقدرن، صرتهن جميعاً بطرفة عين وبلمح البصر، فلا واحدة من النساء لديها جنين إلهٍ يغط في النوم مثلي…

إستيقظت هذا الصباح ونسمة بردٍ تلفح رأسي، فلم أجد مفراً من أن أحتمي بالدثار وأرفعه إلى أعلى وجهي. فما كان من عيناي إلا أن وقعتا على مشهدٍ لم يرق لي.. عادت بطني منتفخة.

خرجت من فراشي مذعورة لا أدري ما الذي ألم بي، والسبب الذي أعاد الجنين لينمو ويكبر ويضغط علي… حاولت ان أجد تفسيراً منطقياً للأمر، وأخذت ألعن الساعة التي رقصت فيها أنا وذلك الإله وكيف وجدت الجرأة لأسرقه من بين أحضان الباقين، وكيف استمعت إلى كلماته العذبة، وحركات يديه المجنونة، وابتسامة عينيه، واحمرار وجنتيه وهو يقبلني، وكل الذكريات التي تجمعنا، والمواعيد التي ضربناها فسرقتها الريح من بيننا…

ثم تذكرت كلماته التي تقول:”سأبقى فيك ولن أرحل، ويوم تختارين أن تنسيني سأعود… وساعة تقررين أن تتخطيني سأبقى قريباً من أضلعك ولن أموت”. تراه كان يتكلم عن هذا الجنين الذي زرعه؟! عن جزءٍ منه في لا يرضى أن يموت؟! عن ولدٍ يأبى أن أنجبه لكي يبقى مني؟! تراه أراد أن يعذبني بهذا القدر؟!..

خرجت من السرير وتوجهت للمرآة. بطن منتفخة لفتاة في ريعان الشباب، بطن تحمل ملاكاً (لأنه الخليط من أنسٍ وآلهة)، بطن لا يراها أحد إلا من أكشف لهم سرها.. بطن لا يشعر بها أحد سواي ولا ثقلها إلا انا.. فلم أنا؟! لماذا أنا من بين كل البشر؟! ومن قال بأنني الوحيدة؟!

أخذت أسرح بالماضي الذي كان يجمعني وإياه، فتراءى إلى ناظري اليوم الذي انفصلتا فيه، أو لعلها الأيام التي كنا نمعن فيها بالإنفصال.. كيف أنه قادني واستمر في قيادتي ليخرج من باب حياتي شرعاً ويبقى فيني سراً.. تذكرت كل ما حدث بيننا. كيف تفارقنا ورقصنا، كيف تحادثنا من خلال القمر المكتمل والبحر الذي يداعب بأمواجه الحصى الصغيرة والصخور الكبيرة التي تملأ شواطىء العالم، من خلال الكلمات التي لا يعرفها أحد سوانا، من خلال أساطير الجب التي ضربنا، والدموع التي أهرقنا..

تذكرت كيف كانت كل الثواني التي تمربي، وأنا معه، كيف كان ينتزعني من الأرض ويذهب بي بعيداً إلى ما فوق السماء.. كيف كان يحملني ويطير بي بلا أجنحة، كيف كان يجعلني أملك العالم بيميني وأداعب شعره بيساري تذكرت ما كنت قبله، وما صرت معه، وما أضحيت من دونه..

تذكرت العام الأخير الذي قضيته من دون رؤياه، ومن دون طيفه، من دون شفاهه، من دون روحه، من دون هواه، من دون حبه، من دون دينه، من دون دنياه…

تذكرت كيف كان يعترض مساري على الرغم من ابتعاده عني.. كيف كان يطوقني وسط ألغامه، ويقيدني ويحاصرني ويقطع عني الهواء والاكل والماء…

تذكرت كيف كان يقف لي بالمرصاد كلما قررت أن أرحل عنه، كيف كان يفر من الحكم عندما أقرر إعدامه، كيف كان يلعب معي أو بالأحرى يلعب بي.. كيف كان يشعرني أنني كل شيء ثم يعيدني لا شيء.. كيف يجعلني حبيبته التي يشتهيها ومن بعدها قشرة ليمونةٍ يطرحها جانباً بعد أن يأكل لبها..

لم أستطع أن أقاوم قطرة مالحة تجمعت في حدق العين ثم اتخذت مجرى انحدارياً على طول الحدود اليمنى للأنف لتستقر على شفائي. ولم أستطع أن أمنع الثانية أن تلحقها ولا الثالثة ولا الرابعة ولا …

كنت أمارس فعل البكاء، فعل الحزن، فعل العذاب المكبوت منذ عام، فعل الحرمان والشوق والندم، فعل الحسرة والعذب والرثاء. كنت بحاجة أن أصرخ إليه، أن أتحدث عله يسمعني، أردت أن أخبره أنني أشتاقه، أشتاقه إلى درجة أنني أتمنى الموت من دونه، أنني أريده أن يعود، أن يبقى وأن لا يرحل أبداً.. كنت أريد أن أخبره عن حزني لأنني لا أعرف أخباره، عن الدموع التي تملأ مخدتي لأني لا أعرف كيف يقضي أوقاته.. أردت أن أقول له بأن الأعياد لا قيمة لها من دونه، أن واجهات المجال التي تعرض التنزيلات لا معزى ولا جدوى منها إن لم أكن سأشتريها له.. أن القصص التي أقرأها والأخبار التي أسمعها والندوات التي أحفظها لا طعم ولا لون لها.. أضحت بلا رائحة من دون عينيه لتبصرها.. أن المعابد والكنائس والمساجد ودور العبادة خلت من الدين والإيمان لأنه لا يباركها.. أن بسمة الأطفال ووداعتهم وبراءتهم وعفويتهم أضحت تختلف لأنه لا يشاركني إياها.. أن أنوثتي لم يعد لها مغزى لأنه لا يوقظها.. أردت أن أقول له بأنني أخشى أن أبدأ أي تجربة لأنها يقيني أنني سأكون بعيدة عنه. أردت أن أقول له أنني أخشى أن أراه وتخونني عيناي.. أني أخشى أن لا أراه حتى تموت عيناي…

أردت ان أعترف أنني أغار كثيراً لمجرد أني أعرف أنه ليس معي… أنني أغار من الذين ينظرونه.. من الذين يسمعونه.. من الذين يحدثونه.. أنني أغار من الأمكنة التي يتواجد بها، من الزمان الذي يحويه، من الفراش الذي يأويه.. أنني أغار من مشاعرباقي البشر، وبقية الجن! أنني أغار من كلماته لأنها تخرج من بين شفاهه، اغار من الهواء الداخل رئتيه، أغار من النور الذي يلامس عينيه…

أردت ان اخبره بأنني مشردة وضائعة، إنني محتاجة إليه.. أردت أن أخبره عن اختناق الكلمات في حنجرتي، وموت الدموع في أحداقي، كلما إعترضتني ذكراه..

رن هاتفي فجأة، فرفعت السماعة ليفاجأني صوتاً من بعيد..”كيفك؟! إشتقتك”, لم يكن هو أبدا”.. كان رجل آخر على الطرف الآخر، رجل حاول أن يتقرب مني كثيراً.. رجل صنع مني إلهة قبل أن أؤمن بنفسي… رجل تعلم الصوم من جوع، والإكتفاء بالشذرات مني… رجل تعلم أن ينظر عند سكة القطار وتفوته مواعيد الرحلات كلها، ويبقى منتظراً…

سرق مني في خضم الحديث موعداً. كان يتوق إلى لقاءٍ يجمعنا، وكنت قد نفذت مني الأعذار لأتخلف عنه.. نظرت إلى أسفلي، فعادت بطني إلى مستواها الطبيعي، كان يريد أن يعاقبني لأنني أردت أن ألغي وجوده من قاموسي، لموعدٍ من ساعتين… وضعت مساحيق التجميل ورششت العطر وارتديت ملابسي وخرجت من المنزل، كان الوقت قد قارب الظهيرة، فكرت أن أتجول لساعتين أو ثلاث، هائمة أبحث عن أجوبة قبل أن ألتقي بذلك المعجب الذي أصبح مسكناً لآلام المخاض…

لا أحد يعرف متى يقرر أن يطرق الباب، أو أن يدخله من دون استئذان.. لا أحد يدري متى يقرر أن يعيد سفينتي إلى بحار هائجة تتقاذفني يميناً وشمالاً… الأسوأ انني لا أعرف إن كنت سأفسح له المجال ليعود، إن كنت سأرضى أن اكون خشبة خلاصه، ودميته التي يلجأ إليها بعد أن يخسر كل الألعاب الاخرى…

هل أرضى؟!! يعتمد ذلك على قدرتي على إحتمال آلام بطني المنتفخة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s