كارتفيلوس(1): اليهودي التائه


walking_alone_by_karyokinez

أسـعد ذبيـان

كارتفيلوس(1): اليهودي التائه

تعال كارتفيلوس..
ألم تتعب بعد من المسير؟
تعال شاركني شاياً سيلانياً..
أو قدحاً من النبيذ..
– لا تخف، لن أدسّ لك فيه سمُ –
ممّ الخشية، فانت أصلاً لا تموت..

تعال كارتفيلوس..
تعال يا حاجب محكمة الرومان..
أخبرني عن حقيقة ما رأيت
هل سخرت حقاً من تلكؤ يسوع؟
أحقاً أنّك شاهدته من فوق الصليب؟

تعال كارتفيلوس..
تعال أرني قدميك، ألم تتورّما من أوجاع الطريق!
تعال، أرِني سحنتك..
ألم تتغيّر بعد ألفيّ عام..

تعال كارتفيلوس..
وتناول معي طعام العشاء..
تعال إسمع أحاديثي، وشاهد معي نشرة الأخبار
زرني كارتفيلوس..
أنا عدوّ أحفادك الذي أخرجوه من منزله..

كارتفيلوس..
يا أيّها اليهوديّ التّائه..
حطّ رحالك ليومٍ أو اثنين.. قصّ عليّ الحكاية
أكنت حقاً تتجوّل منذ البداية؟!

كارتفيلوس..
الذي أسموك إسحق القديم..
أما زالت القصص هي هي؟
والحكايات هي هي؟
والشمس شمسٌ، والقمرُ كما نعرفه اليوم
والزمنُ وقت يجري، يحكمُ فيه الأوغاد
ويذبح الحقّ فيه إلى الوريد؟!

كارتفيلوس..
أحقيقة أنت أم خيال؟
حدّثني عن حروب بني سامٍ وحام
إن كانت أسطورة قايين وهايين تبدّلت
عن حملة بونابرت التي توقّفت
حدّثني عن الملابس التي ترتديها..
أذاتها هي من عشرين قرنٍ؟ أم تراك ابتعت (جينزاً) وحملت جوّالاً؟

كارتفيلوس..
تعال وعلّمني اللغات التي تعرف..
النوادر التي حفظت، الأماكن التي قطنت..
والخطايا التي ارتكبت..

كارتفيلوس..
أخبرني، كم ملكا وأميرا وسلطانا مرّ عليك
كلّ منهم يظنّ نفسه إلهاً … أجلهُ بعيد لا يأتي..
أخبرني، كم من ملكٍ وأميرٍ وسلطانٍ خلع أمام عينيك
أخبرني عن دمٍ أريق ليكسبوا قطعة أرضٍ، ونقشٍ على العملة،
وحكمٍ سيفنى..

كم من حربٍ خيضت ليسيطر حزبٍ سياسيّ،
أم عرقٍ، أم شعبٍ، أم قبيلة على أرضٍ لا يملكونها..
كم من بريءٍ هدر دمّه..
لينصر هذا الدين أم ذاك وهو بريءٌ من أعمالهم
كم من ويلٍ جرّته البشريّة على نفسها..
بسبب عقدة أشخاصٍ استهوتهم العظمة..

تعال كارتفيلوس..
يا أسطورةً أسموها (أهاسورس)
قل لي: من كان أظلم؟
نمرود الذي عصى الله، أم نيرون الذي حرق مدينته؟
محاكم تفتيش القرون الوسطى أم أصحاب الفتاوى؟
ستالين الذي حارب هتلر، أم هتلر الذي حارب ستالين؟
الحجّاج بن يوسف الثقفي، أم شارون بن صهيون؟
بالله عليك كارتفيلوس.. كن موضوعياً.. لا تنحاز للأخير!

كارتفيلوس..
أخبرني عن عاداتك.. أما زلت تصوم السّبت؟
أم تراك تقدّس الآحاد بعد أن تعمّدت؟
أو لعلّك تصلّي الجمعة وتدينُ بالولاء للإسلام..
لا تخشى شيئاً يا عزيزي، قلةٌ يلتزمون بالأديان!

كارتفيلوس..
كم من نبيًّ خرج للبشر؟
وكم من عقيدةٍ تركوا..
لتأكلها الغربان من بعدهم، فتعود بيوتاً فارغة من أهلها؟

كارتفيلوس..
هل لأنّ الله أمرنا بالخير صار خيراً وحقاً؟
أم لأنّه من الأساسِ خيرٌ، أوصانا الله باتّباعه؟
هذا ما سأله أفلاطون قبلي وقبلك..
هل سمعت خلال تجوالك أحداً يملك الجواب؟

كارتفيلوس..
أوتظنّ أنّك التائه الوحيد الذي لا يعرفُ أن يستريح؟
كلّنا تائهين.. هنا وهناك
أنت رأيت المسيح مرّةً يصلب
ونحنُ كل يومٍ نغمض أعيننا عمّن يصلب!

كارتفيلوس..
إستخدموك لكي يقيموا على ذكراك وطناً ليس لهم.
مثلما فعل كثيرون من قبلهم..
لماذا لا تنطق بالحقّ وتخبرهم..
أنّهم لن يستمرّوا من بعدنا.. ولن نستمرّ من بعدهم؟!

27/3/2009

(1): كارتفيلوس: أسطورة اليهودي التّائه هي عن حاجب يهودي لمحكمة الرومان يوم قرروا إعدام المسيح. فبعد أن صدر الحكم كان يسوع يمشي حاملاً صليبه، فطلب إليه كارتفيلوس أن يمشي وأن يتوقّف عن التلكؤ، فردّ عليه المسيح:”أنا ماشٍ وسأصل، لكنّك ستبقى تمشي ولن تعرف الوصول”. ووهو منذ ذلك الحين يمشي على الأرض من دون أي وجهة محددة ولا يموت حتّى يعود المسيح في يوم القيامة. وقد تكلّم عنه العديد من شعراء وكتّاب القرون الوسطى لا سيّما الشاعر الكبير غوته، وأطلق عليه عدّة تسميات منها أهاسورس وإسحق.. كما استخدمته الدعاية الصهيونيّة في قصص مرويّة ومكتوبة باللغتين العبريّة واليديش ليشجّع على العودة إلى أرض الميعاد كونّه يمثّل الشتات اليهودي.

One thought on “كارتفيلوس(1): اليهودي التائه

  1. كارتفيلوس.. يبقى تائهاً ولا يموت أبداً.. كلما مضى من عمره ثلاثين سنة إضيفت إلى عمره ثلاثين أخرى.. منهك هذا الشقي..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s