ما تخفيه الأيام..


19111

أسـعد ذبيـان

ما تخفيه الأيام..

نصفُ عامٍ مرّ..

فمنذ نصف عام، رفع السمّاعة ليهاتفها وتنتهي العلاقة..
قطعها هو بأنانيته وهي لم تكن تعرف بعد!
اتّصلت فيه بعد ثلاثة أيام ففاجأها بالخبر، سألته إن كان متأكداً، فأجاب بحزم.

لم يكن يريد علاقة مع امرأةٍ لا تسألُ عنه، ولا تخاف عليه..
مع سيّدةٍ تعتقد أنّ الاستغناء عنه سهل، مع امرأةٍ لا عنوان لها ولا وسيلة اتصال بها إلا ساعة تشاءُ هي.. مع صبيّة لا تقدّر ظروفه، ولا تمنحه من السعادة الا النذر القليل..

أراد أن يختبر الحبّ فيها.. أن يجرّدها من كلّ شيء، ويختبر مدى حبها له!
كلّ ما في الأمر أنّه أراد أن يتأكّد من أنّها ستشتاقه.. وستتصل به!

ستة أشهر مرّت.. كأنّما انتشلت من يدة سيّدةٍ محفظتها النسائيّة من قبل لصٍ يقود درّاجة مسرعة، بنفس الدهشة مرّت الأشهر الستّة!

* * * * *

في الشهر الأوّل، عاودت التصال به، حاولت أن تستدرجه مجدداّ إلى شباكِ هواها، وهو كان يسير غير ممانعاً.. كان ينزلق رويداً رويداً..
جعلته يعيش الأمل، ثمّ عادت وأعلنت أنّها تريده صديقاً لا أكثر..
وهو المتأثر بأحلام مستغانمي يجيبها: “لا أستطيع مصادقة جسدٍ أشتهيه”

كانت تلتهي عنهُ بأصدقائها وصديقاتها، بالحفلات والرقص والصور والقهقهة والضحك، وكان هو يلتهي عنها بمعاناته وبأعماله وجامعته ومسؤولياته.. بضراعاته النفسيّة وقصائده التي لم ينشرها ومغامراته..

* * * * *

ثمّ كان عيده.. فاشترت له هديّة أرفقتها برسالة، ختمتها بقبلة.
وعندما سألها عن الموضوع، قالت لا تنجرف، قبلة أخويّة.
كانت تعترف بالحب بين السطور، وتنكر الاعتراف عند المواجهة!

* * * * *
في الشهر الثالث، دبّ الحنين بها بعد أن دوت أصوات المدافع.. خافت عليه، خفق قلبها، ارتفع وتير شوقها، فهاتفته.
طلبت منه أن يلزم البيت لكي لا تنتهي حياته برصاصةٍ طائشة تمنعهما من اكمال الرواية.

عاد الأمل اليه، ظنّ أنّها تنوي أن تعود إلى حضنه..

شروطه بسيطة:
أن تتخلّى قليلاً عن كبريائها، وتتنازل عن علياء عرشها.
أن تغمره مرّة، وتقبّله مرّة، وتحضنه مرّة، ويراها مرّة، وتهاتفه مرّة، وتراسله مرّة..
كان يريدها أن تحبه بقدر ما يحبها، أن تشتهيه بقدر ما يشتهيها، أن تشتاقه بقدر ما يشتاقها..

لكن سرعان ما خاب أمله، بقيت على حالها! تخرج في مواعيد مع كل المعجبين، وتمضي أوقاتها مع الآخرين..

حتّى كان يومٌ رآها فيه، ترجّل عن حصان همومه، ليسرق من القدر أملاً.

استقبلته ببرادة اعصاب.. قبل أسبوعٍ قالت أنّها تحلم به، وعند اللقاء ضرّحت أنّها نسته ونست كل المشاعر التي تربطها فيه. قبل أسبوعٍ كانت تعترف بشوقها إليه، وعند اللقاء قالت أنّها ملتزمة أغنية اللبناني زياد الرحباني (عايشة وحدها بلاك)!

لم يستطع أن يتفوّه بكلمة، غادر مسرح الجريمة، حيثُ قتل فؤاده، بعد أن كان يضمّها بين ذراعيه.

غادر ثمّ عاد..

عاد ليقول أنّه يستاقها، أنّه يحبّها، أنّه يريدها، أنّه عاد لصوابه ورشده وأنّ لا طاقة له على الحياة من دونها. عاد ليراها “في أحضان الآخرين”. كان على وشك أن يندم على قراراته السابقة لكنّه لم يفعل!

لم تأتِ لتكلّمه، بل كانت منهمكة بالتوقيعات، إذ إنّها تحوّلت نجمة استعراضيّة يحاول الجميع الحصول على صورة فوتوغرافيّة لها..
لم تذهب لتسأل عنه، عن سبب جلوسه وحيداً على طاولة الانتظار.
كانت المرّة الأخيرة التي تراه فيها، وتركته يرحل..
وعندما قرّر أن يلغيها من قاموسه، رفضت!
راسلته لتسأل أين هو؟ فلم يجب..
وراسلته ثانيةً.. ولم يجب..

استسلمت معتقدةً أنّه مخطأ، واستسلك معتقداً أنّها مخطئة.
كان كلّ منهم يكتب الرواية من منظوره.

* * * * *

شهرٌ رابع مرّ مرور الكرام.. ما سأل هو ولا سألت هي..
كان الرفاق المشتركين ينقلون أخبار فرحه وفرحها، سعادته وسعادتها.
وكان الأرق الليليّ، والوقت الفاصل بين الرقود إلى الفراش، والاستسلام للمنام، يشي بحزنه وحزنها.

كانت الصور تنقل أخبار أشغاله وأشغالها، سفراته ومشاريعه، وأعمالها وتسلياتها، صديقاته الجدد، وأصدقائها الجدد.
وحدها الرسائل والقصائد كانت تشي بالبكاء على الأطلال.

كان متأكداً من حبّه لها، ويشك إن كانت تحبه..
كانت متأكدة من شوقها إليه، وتشك إن كان يشتاقها..

* * * * *

في خامس الأشهر، راسلته.. وجرّبت أن تختبأ بزيّ أخرى، لكنّه عرفها..
راسلته بعد أن قرأت شيئاً وجدته صدفة، وربّما وجدته بعد بحثٍ وتدقيق.

نظر إلى شاشة الهاتف الذي رنّ ولم يصدّق.
تطلع عل شاشة الحاسوب التي تتوهج ولم يصدّق.

أخذته على حين غرّة وأخبرته بأنّها تكتب قصائداً لتتذكّر شخصاً مرّ على حياتها وام تنساه.
جاوبها: “أحسد هذا الشخص، قضينا سويّة ما يناهز العام، وما كتبتِ لي سوى في مناسبتين، وهجاءً”
ضحكت وقالت: “لا تحسد نفسك، أشتقتكَ أنت”
ثمّ انقطعت أخبارها..
توقّع أن تحكيه في اليوم التالي، أو الذي يليه.. في الأسبوع القادم أو الذي يخلفه، لكنّه انتظر من دون جدوى..

* * * * *

في ختام الأشهر الستّة، كانت تقرأ عنه، ولا يعرفُ عنها شيئاً..
كانت تعرف كل ما يجري معه، وهو عبثاً يحاول أن يسرق أخبارها من هفوات صديقاتها!

ظنّت أنّها داهمته متلبساً عندما اشتمّت رائحة أنثى في الجوار، أنّه ربّما يقيم علاقة مع غيرها، أنّه تخلّص من عقدة الاشتياق لها..

أرادت أن تحكيه، ولا تدري بدافع الغيرة أم الشوق، بدافع الاطمئنان أم الامتحان!

إختارت كلماتها بعناية باللهجة اللبنانيّة: “شو أخبارك، كنت بدّي إطمّن عنّك”

جاوبها على نفس المنوال:
“تمام، عم إتعشّى.. بتمنّى تكوني عم تفرحي بوقتك، بوسيلي إختك”

كان يريد أن يقول :
” حالتي حسنة.. أتناول الطعام (من دونك)..كيف أيامك (من دوني)؟ كيف البحر هذا العام من دون ضمتي فيه؟ كيف الطعام من دون أثر أصابعي؟ كيف طعم الحياة من دون بهاري وملحي؟ دعي أختكِ تقبلكِ عنّي.. أو خذي هذه القبلة مني..”

جاوبته: “بالصحة والعافية.. قرأت مقالتك الأخيرة، أعجبتني كثيراً”

كانت تلمّح إلى القصّة التي تجمه بغيرها، أو هكذا افترضت:

قال: “ترقّبي المزيد.. راسليني كلّما اشتقتِ إليّ .. هل يحقَ لي برؤيتك أم ماذا..؟”

أرادت عند ذلك الحد أن تدخل بيت القصيد، “كيف تراني وأنت لا ترضى بي حتّى رفيقة في عنوانك البريديّ؟”

أرادان يقول: “أرفض أن تكوني حتى في حياتي إلا حبيبتي.. وأرفض أسلوب الرسائل القصيرة والمبادلات الاكترونية والهاتف، أريدكِ أنثى مقابل رجل، بالجسد والروح، حبيبة مقابل حبيبها، لنتصارح ونتصالح.. أخاف أن أكون قد نسيت ملامحك”

لكنّ الكلام لم يسعفه فقال: “معك حق، أسحب طلبي، لا بدّ أن يأتي يومٌ نلتقي فيه مصادفةً، أو أن تغيّري من عنادكِ ومزاجيتكِ وتقررين ماذا يجمعنا”

إعتبرت كلامه تحدٍ، “قلت لك أريدك صديقاً، لكنك لا تصادق جسداً تشتهيه، إشتقت أن أحكيك، لكنك قررت أن تمحيني من حياتك، فلماذا العناد؟”

ما استطاع سوى أن يواجه التحدي، “نعم، لا أقبلكِ سوى بصفتكِ حبيبتي، لم يكن هجري بلا سببٍ، لكنني رأيتكِ فرحة في الحياة من دوني، فاخترت الرحيل”

سألته : “لماذا؟”
أجابها: “تحمّلي أنانيّتي.. أريدكِ لي”
عاتبته: “لم تترك لي فسحة، لقد أخفيت كل ما يربطنا”

ضحك بسرّه، “حاولت أن أحافظ على ما بيننا لكي لا يتشوّه في النهاية، فرحلت.. أنتِ التي تقضين أيامكِ فرحة، أنا كنت فقط أكتب القصائد”

ضحكت هي في سرّها “صورة ضاحكة لا تعني إنني فرحة، أنا إنسانة.. لا أحب أن أخسر شخصاً أثّر بي يوماً ما.. القرار يعود لك”

كانت المشكلة إذاً في جملة واحدة، هي لا تحب أن تخسر.. وهو لا يريد أن يخسر من يحب..
بالنسبة لها معركة إثبات وجود، وحفاظ على الملكيّة!
وبالنسبة له معركة إثبات وجود، والحفاظ على الذات والهويّة!

أجابها للمرّة الأخيرة:”أنا لست مجرّد شخصٍ أثّر فيكِ، أنا حبيبكِ (السابق)، فتعايشي مع الواقع. إما نعود وإما لا حاجة لأحاديثنا.. ولستُ بالحزين ولا بالنادم”

كان يودّ أن يقول: ” أشتاقكِ لدرجة أنني سأرضى بأي صفة تشائين، لكن فسّري لي شوقكِ إليّ! أحبكِ لدرجة أنني أرضى أن تكوني لمن تشائين لكن فسري لي كيف ترضين أن أكون لغيرك؟ أريد أن أكون معكِ، أن أسمع صوتكِ مجدداً، أن نخرج سويّة، أن أرع عينيكِ، لكن أخشى أن يكون رأسي رهاناً تحاولين فقط أن تنتزعيه بسيفكِ”
وكانت هي تودّ أن تقول: “جرّب يا حبيبي أن تساير عقلي.. كن صديقي.. فلا أحد يدري ما تخفيه الأيام”

11/8/2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s