هذا ما كانت تخفيه الأيام..


أسـعد ذبيـان

هذا ما كانت تخفيه الأيام..

منذ ستّة أشهر قرّر أن ينهي العلاقة، كانت أنانيته تدفعه..
عاد من السفر ولم تسأل عنه، بينما الأخريات فعلن!
أنانيته وطمعه دفعاه لأن لا يبالي بها بعد ثلاثة أيام عندما عاودت الاتصال به وجزم قطعاً أنّه لا يريد هذه العلاقة بعد الآن..

أراد أن يبتعد عنها.. أن لا يكون بجوار امرأةٍ لا يلمسها ولا يحضنها..
بجوار سيّدةٍ تعذبه، فيشتهيها وهي بعيدة.. بجوار سيدةٍ تدمّره، تمتنع عنه وهي قريبة..

أراد أن أن يختبر نفسه فيها، أن يجرّد نفسه من الحب.. ويركض وراء أهوائه.
أراد أن يكون مع غيرها..

ستّة أشهر مرّت، حبلى بالأحداث، بالمغامرات، بالقصص المشوّقة..
مرّت زاخمة بالتجارب، ملأى بالتناقضات، حافلة بالتغييرات..

* * * * *

في الشهر الأوّل، لا بل في الأيّام الأولى، كان هناك البديل..
كانت إمرأة على ضفافِ عاصمةٍ عربيّة تراسله ويراسلها..
تحدّثه ويحدّثها.. تغويه ويغويها.. يعرّيها في رسالة، ويطفأ احتراقها في همسة..

حاولت أن تجعله يعود إليها، لكنّه لم يكن مستعداً تماماً.. كان يريد اكتشاف المزيد
وغزو القارات ومواعدة أخريات..

كانت تلتهي عنه بأصدقائها وصديقاتها.. لكنّه تلهّى عنها بمغامراته..
لا ينكر أنّه كان لا ينام بعض الليالي من الأرق والتفكير بها، لكنّه كان لا ينام ليالٍ أخرى بمحادثة غيرها..

* * * * *

ثمّ كان عيده.. فاشترت له هديّة أرفقتها برسالة، ختمتها بقبلة.
لكن هديتها كانت متواضعة، لم تكن بشيء.. لم تكن لتقارن بالهدايا التي أتته من وراء البحار..
بالقميص الفاخر الذي أهدته إيّاه صديقة في الجامعة، ولا بالعطر الثمين الذي اشترته له أخته.. ولا بالكتاب الذي وقّعه له كبار شعراء العرب والذي قضت لأجله صديقته ساعاتٍ في طوابير الانتظار في قاعةٍ في عمّان.. ولا بالكتاب الذي أحضرته صديقة أخرى من أكثر المدن حباً لقلبه، من جسور قسنطينة الجزائريّة، لأحب الكتّاب على قلبه.. ولا بقالب الحلوى الذي أحضروه سيراً على الأقدام صديقتين له ليفاجؤه به! ولا بهدايا أخرى قدّمت إليه..

هديتها كانت متواضعة..
لم تكن لتقارن بالهدايا التي أحضرها لها هو بالسابق..

لا بالعقد الذي يتلألأ على جسدها كلّما ارتدته… العقد الذي أحضره لها من قبل أن تكون له.. العقد الذي دار نصف المعمورة قبل أن يستقر فوق ثدييها..

ولا بالشال المغربيّ الملوّن.. الشال الذي ذكّره بها عندما كان يتمشّى الهوينا في شوارع المدينة الحمراء.. عندما كان يتعلّم اللهجة المغربيّة في مراكش.. الشال الذي منعه أن يسهر مع رفيقاته التونسيات في مطعمٍ ليشتريه..

ولا بالورود التي حملها داخلاً فيها عليها في الوقت الذي لم تتوقّعه فيه أن يأتي.. بالورود التي جعلتها ترفع رأسها متباهية بين زميلاتها على مقاعد الدراسة.. الورود التي كانت كما يقول أندريه جيد: من مقترحات جنونه وتنفيذ عقله، فكانت أجمل جنونه!

ولا بالقصائد التي نصّبها فيها أميرة على عرش قلبه.. وسيّدة حاكمة بأمرها..

* * * * *

وعندما دوت أصوات المدافع.. خافت عليه، خفق قلبها، وارتفع وتير شوقها، فهاتفته.
لكنّها كلّمته لدقيقة أو اثنتين.. و تركته ليالٍ طويلة من دون أن تسأل أين هو، وماذا يفعل، وماذا يحصل معه؟ وما تراه يحتاج وهو الذي أخسرته الحرب كلّ شيء من عملٍ وأصحاب ومدخولٍ ماديّ ومواعيد غراميّة مضروبة وانتماءٍ عقائديّ ونظرة سويّة إلى الحياة.. تركته من دون أن تفكّر فيه… ففكّر فيه الاخرين..

ما انقطع هاتفه عن الرنين من رفاق الدراسة، ورفاق الطفولة، ورفاق الحي القديم والبيت الجديد، والأقارب، والصديقات القدامى، ورفاق ورفيقات المهجر.. كان الكل يسأل عنه إلا هيَ.. حتّى أنّ البعض عرض عليه أن يسافر لعنده، أن يقطن في منازلهم.. أن يبيت عندهم.. أن ينام معهم.. الكلّ سأل عنه في لياليه إلا هيَ..

وكانت هي لا تريده أكثر من صديق على عنوانها البريديّ.. أن تشكي له همّها وتخبره عن مشاكلها.. وأن يتصل هو، ويتعّب هو، ويسـأل هو، ويبكي هو، ويدمع هو، ويحزن هو..

كانت شروطه بسيطة:
أن تتخلّى قليلاً عن كبريائها، وتتنازل عن علياء عرشها.
أن تغمره مرّة، وتقبّله مرّة، وتحضنه مرّة، ويراها مرّة، وتهاتفه مرّة، وتراسله مرّة..
كان يريدها أن تحبه بقدر ما يحبها، أن تشتهيه بقدر ما يشتهيها، أن تشتاقه بقدر ما يشتاقها..

* * * * *

حتّى كان يومٌ رآها فيه، ترجّل عن حصان همومه، ليسرق من القدر أملاً.

كانت قبل اسبوعٍ قد حلمت فيه، فأراد أن يجعل من أحلامها حقيقة..
كانت تعترف بشوقها إليه، فأراد أن يضمّها إليه..
هو الذي لم يكن لوقتها مقتنعاً إن كان يكنّ لها المشاعر، ويريد أن يعلّمها درساً لتتوقّف عن الخيلاء..
لكنّها يوم قالت بأنّها لا تكنّ له المشاعر، ونسته تماماً.. ندمَ!

لم يستطع أن يتفوّه بكلمة، غادر مسرح الجريمة، حيثُ قتل فؤاده، بعد أن كان يضمّها بين ذراعيه.

غادر ثمّ عاد..

عاد ليقول أنّه نادم.. أنّه اكتشف وقتها كم خسر وكم سيخسر..
ليقول أنّه اكتشف للتو أنّ أحضان الآخريات لن تنفعه.. أنّ شفاه الجميلات لن تبقى له..

تذكّر أنّه لم يأتِ ليسأل عنها لأنّه كان منهمكاً بالتواقيع، يعتقد بأنّه تحوّل إلى نجمٍ ذائع الصيت، ولن يرضى بحبيبة قليلة الشأن… تذكّر أنّه أخطأ مراراً ومراراً… وأنّه فوت الفرص أكثر من مرّة.. وأنّها لا يستهانُ بها.. وأنّه سيخسرها لا محالة.. لذلك الشاب الذي راقصها مرّة في حفلة، أو لذلك الذي يطاردها على عنوانها البريديّ يومياً، ولا تسلم صورة لها من تعليقاته.. أو لذلك الذي يشبهها في الأفكار السياسيّة.. أو لذلك الذي يجلس إلى جانبها في مقاعد الدراسة.. أو لقريبه أو لقريبها.. أو لصديقه أو صديقها..

هو عاد لأنّه نادم ويريد أن يصحّح الأخطاء..
لكنّها كانت هي التي ترتكب وقتها الأخطاء الكبرى.. فدعته جالساً على طاولة الانتظار

كانت المرّة الأخيرة التي تراه فيها، وتركته يرحل..
راسلته ولم يجب مرّة و اثنتين..
كان يريد أن يمحي المرأة التي محته.. أن ينسى التي نسته، أن لا يجيب التي لا تجيبه!

* * * * *

شهرٌ رابع مرّ مرور الكرام.. ما سأل هو ولا سألت هي..
كان الرفاق المشتركين ينقلون أخبار فرحه وفرحها، سعادته وسعادتها.
وكان الأرق الليليّ، والوقت الفاصل بين الرقود إلى الفراش، والاستسلام للمنام، يشي بحزنه وحزنها.

لكنّ أحداً لم يعرف بأنّها تواعد غيره وهو يواعد غيرها..
أنّ أحدهم نجح في استدراجها لأن تشتاق إليه، وأن تراسله حتّى الرابعة صباحاً..
أن أحداهنّ نجحت في استدراجه إليها، حتى يبقى عندها للرابعة فجراً..

أنّ أحدهم احتلّ مكانه.. وأن أحداهنّ احتلّت مكانها..
أنّها تراسل معجبين آخرين غيره، وأنه يراسل معجباتٍ غيرها..

أنّها قد أصبحت في أيد آخر، وأنّه أصبح في أحضان أخرى..

كان متأكداً من شوقه إلى قضاء هذه التجارب معها، ولا يدرِ إن كانت تفعل مثله..
كانت متأكدة من حبّها لممارسة هذه العادات معه، ولا تدري إن كان يفعل مثلها..

* * * * *

في خامس الأشهر، راسلته.. وجرّبت أن تختبأ بزيّ أخرى، لكنّه عرفها..
كانت قد قرأت له شيئاً عن غير مصادفة، كان قد زرعه لغماً بدربها بحيث لا تستطيع سوى أن تنفجر به..

نظر إلى شاشة الهاتف، وكان يتوقّع!
تطلع عل شاشة الحاسوب، وكان متحضّراً..

اعترفت أنّها تكتب عنه، وأسعده الأمر.. لكنّه كان يريد المزيد..
تلاعب على الكلام حتّى اعترفت أنّها تشتاقه، لكنّه كان يطلب أكثر!

أخطأ بعدم ملاقاتها في وسط الطريق، وأخطأت لأنّها أحجمت عن تكملة المسير..

* * * * *

في ختام الأشهر الستّة، كانت تقرأ عنه، ولا يعرفُ عنها شيئاً..
كانت تعرف كل ما يجري معه، وهو عبثاً يحاول أن يسرق أخبارها من هفوات صديقاتها!

كانت هو قد بدأ يشتاقها.. وهي بدأت تشتاقه!

كان لا يريد أن يعود إلى حياتها بعد أن اشتمّ رائحة خيلٍ بريّ تتنفّس في أسوار حديقتها..
وهي التي تريد أن تعود إلى حياته بعد أن اشتمّت رائحة سفينةٍ ترسو في مياهه الأقليميّة..

ذريعتها أنّ هناك رجالٍ في حياتها لا تريد أن تخسرهم، وذريعته أنّه هناك نساءٍ في حياته أشهى في الغياب..
ذريعتها أنّ الصور الفرحة لا تعني فرحها.. وذريعته أنّ الصور الحزينة لا تعني بالضرورة حزنه..

كان لا يريد أن يعود إلا فاتحٍ لأسوار مدينتها..
إلا مهدٍ منتظر أو مسيحٍ موعود أو إمامُ زمانٍ يحكم بأمرها ودينها..

كانت تريده هو لأنّ لا أحد استعصى عليها غيره.. لكنّها لا تريده شريكاً لها!
وكان يريدها هي شريكةً له، لأنّها الوحيدة التي استعصى عليه وكابرت.

بالنسبة لها معركة إثبات وجود، وحفاظ على الملكيّة!
وبالنسبة له معركة إثبات وجود، والحفاظ على الذات والهويّة!

لأنّ جزءً من ملكيتها كان احتفاظها بذاتها، وجزءً من الحفاظ على ذاته أن تصبح هي من ملكيته..
كان للإثنين مطامعٌ في الآخر، وتناقض مصالح..

* * * * *

بعد عناد ستة أشهر، أذعن هو وأذعنت هي..
أضافته على لائحة المعجبين، فظنّت أنّها انتصرت..
إستطاع أن يتخلّص من عقدتها، فظنّ أنّه انتصر..

عناد ومكابرة.. جعلتهما يخسران أيامٍ وليالٍ قضوها بعيدين..

عناد ومكابرة.. منعوه أن يرافقها إلى الشاطئ ليتلمّس خصرها، ويحضنها بين ذراعيه.. أن يلعب بضفائر شعرها.. لأن يراقبها وردةً تتفتّح بين يديه.. أن يداعب وجنتيها.. أن يخرج معها الى العشاء.. أن يقف الى جانبها وقت الشدّة ويحميها.. أن يكون ملاذها، وكهفها، ومرجعها..

عنادٍ ومكابرة.. منعوها أن ترافقه في سفراته لتلامس شفتيه.. أن يسند رأسه على فخذيها، فتلعب بشعره.. أن تستمع الى همومه، ومشاكله.. أن تساعده في أعماله.. أن تكون ملجأه، وكوخه، وقصره..

* * * * *

حاول للمرّة الأخيرة، ولا يدري بسبب الغيرة أم الحب.. أن يعيدها إليه..
تفقّد ما جرى لها في نصف العام الذي انصرم، وعندما وجد أنّه ضيّع الكثير.. حاول ان يأخذ المبادرة.. ويعوّض ما خسره..
كانت لا تريده أكثر من رفيق! فرضي.. لكنّها بقيت تعامله كحبيبٍ سابق..

كان يعيش تناقضاً لا مثيل له.. أن يبدو قوياً على الرغم من ضعفه.. وأن يبدو ضعيفاً على الرغم من قوّته..

قوّته تكمن بأنّه هو الذي انفصل عنها بملء إرادته.. وبأنّه في الوقت الذي مضى لم يكن لا نادماً ولا متحسراً وأنّه قضى الأيام مع غيرها وأنّه واثقٌ بقدراته، مؤمناً بمستقبله..

ضعفه يكمن بأنّه هو الذي يريد أن يعود إليها بكل جوارحه.. وبأنّه فقد الجميع ولم يبقَ له غيرها.. أنّه جرّب الجميع ولم يقابل مثلها.. أنّه يخاف أن تكون لغيره، لأنّه يريد أن يكون الأول والأوحد والأخير.. وهو طبعاً لم يكن الأوّل، وفعلاً لم يكن الأوحد، وحتماً لن يكون الأخير..

* * * * *

أخذ قراره ولم يطلعها عليه..
أنّه لا يريدها بعد الآن.. أنّه لا يريد امرأةً لا تشعر تجاهه بهزّاتٍِ عاطفيّة.. بامرأةٍ لا تفجّر كلماته فيها ينابيع وبحار.. بسيّدة لا يفعل فيها حزنه براكين واضطرابات في قشرة جلدها..

كانت هي تلتهي عنه في المكان نفسه الذي بدآ علاقتهما فيه.. بعد مرور عامٍ كامل.. بعد أن أدّت الأرض رقصتها كاملةً والتفّت حول الشمس.. في عامٍ، تحوّل ممّن يحضنها إلى من يودّعها.. ممّن يوقظها لمن يشيّعها..

كانت تلاطم الأمواج من دونه، وربّما مع غيره.. وكان يقضي الوقت من دونها، وربّما مع غيرها..

كان متأكداً أنّها ليست ككل نساء الدنيا، وأنّ ما حدث لم يكن حادثاً عرضياً.. وأنّه بسبب عناده وعنادها قد فوّت الكثير بحيث أنّه أصبح من المستحيل أن يعوّض عن الذي حدث.. أنّه لم يكن موجوداً في الوقت الذي احتاجته أكثر.. وأنّها لطبيعتها الأنثويّة حساسة لن تنسى الصفعة التي أتتها منه تماماً كما لن تنسى الورود التي زرعها فيها والذكريات التي تحنّ إليها.. كان يعيدُ تقييم العلاقة.. فيكتشف العديد من الهفوات التي حصلت.. فتارةً كان متساهلاً أكثر من اللزوم، وطوراً متشدداً وضاغطاً أكثر من اللزوم..

أصبح شبه مقتنع أنّهما لن يكملا الدرب سويّة.. أنّها لم ترده صديقاً سوى لتقيّده رقماً في دفترها.. ذلك أنّه منذ الوقت الذي رضي أن يصالح، لم تعد تهتم! أنّ لكلٍ منهم درباً مختلف، لا يمرّ بالضرورة بأراضي الآخر، ولو حدث أن التقيا مرّة، فيستحيل لخطين مستقيمين أن يلتقيا مرّة أخرى..

لكنّه كان يشتاق إلى أن يقضي الأيام معها، أن يمارس هواياته المفضّلة وإياها.. أن يزورها في منزلها، وأن تزوره في منزله.. أن يطمئنّ عنها وتطمئنّ عنه.. أن يخرجا سويّة.. ولو كانوا أصدقاء فحسب!
حاول أنت يسأل عنها مرّة واثنين وثلاثة.. وعندما صدّت محاولاته، أعلن استسلامه..
صديقاً تريده، فصديقاً ستحصل عليه..
إن سألت أجاب، إن حنّت إشتاق، أن أحبّت اقترب.. وإن أعرضت هرب!

كان متأكداً أنّها ربحت لكنّه لم ينهزم.. أنّها فازت لكنّه لم يخسر..
أنّها ما انتصرت سوى على نفسها. وانّها قضت على أيامها مثلما قضت على أيامه..
تذكّر أنّه قال لها مرّة:

“سأبقى جرحاً في ماضيكِ
فكوني مع من تشائين”

وكانت هي بالحقيقة الجرح الذي في ماضيه، فليكن مع من يشاء!

* * * * *

18/8/2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s