بيض النمل


ant
أسـعد ذبيـان

هذه المرة لا إمرأة لأتحرش بها بصمتي، ولا شهوة في الأوتوبيس، ولا وجهة وصول محددة تماماً. وصلت متأخراً وكنت أعرف عن سابق تصور أنّ عليّ مواجهة ملل مسافة الطريق، ومواجهة آلام ظهري. يجول في خاطري لقائي بزميل على مقاعد الدراسة بدأ عملاً في المجال الذي يحب. تسألني نفسي عمّا أحب، كدتُ أجيبها: ” بازيلا من يدي أختي”.

يصعد بيض النملة إلى جانبي. مضى وقتُ لم أره فيه. وبيض النمل في اللغة، مازن. هو أوّل من عرفني على محمود درويش وغسان كنفاني. لا أعرف عن عالم النمل كثيرا.ً لكن لمازن في عالمي تأثير كبير. في بيته، كانت علاقتي الجنسية الكاملة الأولى (كهدية عيد ميلادي) ثمّ العلاقة مع الفتاة العاشرة (دون أن يدري كوني أملك مفتاحاً). على نغمات عوده الذي داعبته الرياح وستارة الشرفة، كتبت إحدى قصائدي.

يخبرني عن نيتشه وإريك فروم FROMM، يخبرني أن الإنسان يعتمد طريقين في الحياة (أو لعلها في إثبات الوجود)، الأولى اعتماده على الإمتلاك (سفر، ظهور على الشاشة، مناصب، مال، نساء، سيارات، مقتنيات،…) وكلها ليثبت لنفسه ثم للآخرين بأنه موجود. النوع الثاني هو من يعرف نفسه. يخبرني عن ال Become وال Be. بين أن ننسجم مع أنفسنا أو أن نقلد الآخرين.

يخبرني عن فتية أكراد ينتزعون الألغام عن الحدود السورية التركية ليقتاتوا. لم يعد اللغم وسيلة للموت بل الحياة. تنفجر بعض الألغام بالصبية، تقطع بعض الأيادي والأرجل لكنهم يستمرون في “حصادها”. يفككون الألغام ليستخرجوا منها الكبريت، يبيعونه كسمٍ للفئران. يبيعون ما تبقى من حديد كخردة، طريقتهم في الحياة تحوي بعض الموت. تحتج الحكومة التركية، فترسل برقية لنظيرتها السورية مستنكرةً تعرّض هؤلاء المخربين لهيبة الدولة.

يخبرني عن سودانيين معتقلين في سجن جزين لدخولهم الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية. كان يقتضي ترحيلهم بعد ثلاثة شهور من السجن إلى بلدهم (بحسب القانون). الخزينة مفلسة، فيبقون أعواماً. هم مستعدون لدفع ثمن التذكرة ولمن لا أحد لديهم ليخلّص معاملاتهم لدى الأمن العام.
أفكر بهم، أفكر بنفسي، أفكر بصديقي صاحب الوظيفة الجديدة. أفكر بالنرجيلة في فم الفتاة التي تجلس أمامي، أفكر بصديريتها الزهريّة اللون، أفكر بإمكانية وجود الله. أراقب يد الرجل تلاعب شعرها، أفكر في امرأتي الأولى فالثانية. تصلني رسالة. أكمل المقالة.

يغمرني فرح لأن بيض النمل موجود، أرثي مغمضي العينين (وأنا منهم في غالب الأيام). أفكر في جهنم الجهل ونعيم المعرفة. أفكر في المليون شهيد في الجزائر وغاندي في الهند (كان يناقشني مازن أنّ اللاعنف وسيلة أنجع وأعدد له الفوارق بين العقليتين الإنكليزية والفرنسية، بين خوف بريطانيا من المليار هندي، ونظرية ديغول أنّ الجزائر جزءٌ من الأراضي الفرنسية).

يعلمني أن أكتشف ماذا أحب لأنعم بالسلام. أنتظر الحافلة لتقلني إلى بيتي. أفكر بالذين يرقصون في الطابق العلوي من المقهى، ويركبون ال H2 وال Z3 وال X5 بعد نهاية الحفل. أفكر في صديقتي السابقة التي لم تعد تثثير ضربات قلبي وتراقص الآن غيري. كنتُ أظن أنني لن أشفى من حبها. هي أكدت أنها لن تنساني أبداً. ابتسم. يخطف عيناي مشهد السيدة التي تلعب بشعرها. تسلم عليّ صبيّة تريدني أن أكتب قصيدة عن الوشم على ظهرها، وأريدها أن تقبل خدي، نختلف على من يذعن أولاً.

يتدخّل النادل ليعرف ماذا أكتب، أحجب أوراقي. كلنا نخفي أوراقنا، نخاف من خسارة اللعبة. كلنا نقامر. نخفي ما في قلوبنا، نظه عرينا من بين طيات الملابس. يشتعل الفحم على رأس النرجيلة ويذوي بطيئاً، يدخل الدخان رئتيها ورئتي. يخرجون من الحفل واحد تلو الآخر، كان من الجميل لو رقصت معهم، لكنني أمارس طقوس رقصي الخاصة. لا أمانع إن ضحك علي أحدهم وقال مجنون.

لا يعرف كثيرون عن النمل. لولاه لما استطاعت القدرة أن تتكاثر. يسرق النمل السكر من منازلنا، والقمح من حقولنا. دوس الأرجل مملكة النمل دون أن تنتبه إليها. ربما أحجام النمل صغيرة. لكن النمل يعرف ماذا يريد، يعرف قيمة الحياة.

تقوم السيدة الجالسة أمامي عن الطاولة، يتهادى فستانها منسدلاً إلى أعلى (مثل نهر العاصي). ربما لا تدري هي ماذا تريد. لا يعرف مرافقها ماذا يريد. أنا أعرف. أدري قيمة النمل، وقيمة الكنوز التي يحويها، وتحويها السيدة، وأحويها، وتلك التي تحوينا جميعاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s