“الأخ الأكبر” يراقبك.. حتى في المقهى!


He-s-Watching-You-Posters

أسعد ذبيـان

 يدخل “شادي” و”ربيع” إلى إحدى مطاعم البيتزا في الجبل ويشاهدان نفسيهما على شاشة تلفاز من حجم 21 إنش فيبدآن بالرقص والتلويح لكاميرا المراقبة التي تلتقط صورهما. فقد قرر العم نديم (صاحب المطعم) أن يعود من الولايات المتحدة العام الماضي، وأحضر معه عدداً من كاميرات المراقبة كان وضعها حول بيته ليستخدمها في مشروعه الجديد: مطعم بيتزا. يقول العم نديم إنّه في الولايات المتحدة قانون ينص على وضع لافتة تحذر الزبائن من أنّه يتمّ تصويرهم إلكترونياً لكنه لم يطّلع على ما ينص عليه القانون اللبناني بهذا الخصوص ولم يسأله أحد عن الموضوع فأبقى على كاميراته التي تراقب تصرفات موظفيه وزبائنه.

 تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة كاميرات المراقبة في الأماكن العامة، خاصة بعد حوادث التفجيرات (منذ العام 2004)، وظاهرة الحراسة الخاصة، وشركات الأمن. وقامت معظم المرافق العامة والإدارات الرسمية باستخدام هذه الكاميرات لتتفادى حصول أية إشكالات أمنية. وما لبثت هذه الظاهرة أن انتشرت لتشمل المؤسسات الخاصة والمطاعم والملاهي الليلية. هذه الزيادة دفعت الشباب لتشبيه المراقبة في لبنان بتلك التي تحدث عنها جورج أورويل في كتابه الأخ الأكبر، عندما كانت توضع صور الزعماء في كل الأماكن لتبدو كأنها تراقب الشعب. الفارق هنا أنّ الرواية تفترض المراقبة، أمّا كاميرات لبنان تحول القصة إلى واقع.

“يمكن أن أفهم فكرة كاميرا المراقبة حول بيوت السياسيين، وحول مؤسسات الدولة، كما اعتدت مع الوقت على الكاميرا التي قررت إدارة الشركة تركيبها في المكتب حيث أعمل. ولكن أن تتم مراقبتي في المطعم حيث آكل، يكون الأمر زاد عن حده!!” يقول هادي وهو طالب في كلية الإقتصاد، الجامعة اللبنانية. أما جولنار فتعتبر كاميرات المراقبة انتهاكاً لخصوصياتها، وهي ترفض الجلوس في أي مكان عام يراقبها، وتضيف: “لا يمكنني أن أشعر بأنني أخضع للمراقبة والتصرف كأنّ الأمر طبيعي”. بينما تخالفها ميليا الرأي قائلةً :”لا مانع لدي، فإنني أعرف كيف أتصرف وأضع حداً لحركاتي، وبالتالي لا أخجل من شيء”. تقاطعها جولنار بأنّ الأمر لا يتعلق بتصرفات الفرد بل بالمبدأ، فالكاميرا تهدف لمراقبة المخلّين بالنظام أو السارقين، وليس من يريد تناول كوب من القهوة.

يخبرنا تامر وهو موظف في أحد محال بيع البوظة أنّ الكاميرات في المحل لمراقبة السرقات المحتملة، وهي موجهة صوب الموظفين أكثر من الزبائن. ويضيف أنّ هذه الإجراءات عادية في المحال التي لديها عدد كبير من الموظفين لا سيما تلك التي تعتمد نظام النوبات المنفصلة. “تسجل الكاميرات عندنا على الأشرطة ذاتها، أي أنها تسجل الأيام فوق بعضها كل 24 ساعة، وبالتالي لا أرشيف لدينا”. هذه الطريقة تسمح بمراقبة الأشرطة فقط في حال تمّ اكتشاف خلل بالصندوق أو حصول مشاكل في المتجر، ما يسمح بمراجعة ما حصل في ذلك اليوم فحسب.

تستخدم كاميرات المراقبة بمختلف الأحجام وبمختلف الأسعار. ويقول الحاج أبو عمر، صاحب مقهى في بيروت، إنّ فكرة كاميرات المراقبة لم تكن لتخطر على باله لولا بائع متجول أقنعه بشراء 5 منها بمائة دولار. فوضع أبو عمر واحدة في المطبخ وواحدة خلف صندوق المحاسبة ووزّع الثلاثة الباقية بين طابقي محله. “لا يمكنك أن تتخيّل الأمور التي تجري تحت الطاولة في المطعم”، يعلّق أحد العاملين عند الحاج ساخراً. وفي الواقع لم يتأثر المطعم كثيراً بعد تركيب الكاميرات، ولم يلحظ صاحبه انخفاضاً في عدد الزبائن، ويعزو الأمر إلى أنّ بعضهم “ما بيقبضها جد” أو لا ينتبه للكاميرات الصغيرة الحجم.

شهد العام 2006 سابقة قضائية حين أصدرت محكمة الأمور المستعجلة في بيروت قراراً بإزالة كاميرات مراقبة وضعتها إحدى الشركات التجارية على مدخل مبنى سكني اتخذت أول طابقين منه مقراً لها، وذلك إثر دعوى أقامها أحد السكان بإنتهاك خصوصيته. كما أطلقت حادثة كاميرا المراقبة على مدرج مطار بيروت شرارة أحداث أيار 2007. وأدى نزع كاميرا مراقبة من أمام منزل المفتي محمد قباني من قبل مرافقي الوزير السابق عبد الرحيم مراد إلى خضة سياسية وموجة استنكارات شعبية. ولا ننسى ان ملابسات اختفاء أشرطة كاميرات المراقبة في البنوك الواقعة حول موقع الإنفجار الذي استهدف الرئيس السابق رفيق الحريري أدت إلى غياب الأدلة التي قد تؤدي إلى الكشف عن الجناة. يذكر معظم اللبنانيين هذه الحوادث التاريخية، ويستمرون في تناول “السباغيتي” في أحد المطاعم القريبة لوسط البلد وكاميرا المراقبة خلفهم تقول لهم: “بالهنا والشفا”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s