عيد حقيقي.. والثاني مزوّر رسمياً!


 

 ID

أسعد ذبيـان

 “انتظروا عاماً أو اثنين لنتأكد من أنّ المولود سيبقى على قيد الحياة”، لعلّ الكثيرين قالوا هذه العبارة في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي قبل اتخاذ القرار بتسجيل مولود جديد في دوائر النفوس. كان هذا التصرف يعد طبيعياً ويبرّره تفشي الأوبئة في تلك الفترة. العم “بو كمال” أب لـ12 ولد، تعمّد أن يسجلهم كلهم متأخرين عاماً أو أكثر ليتأكد أن باستطاعتهم حمل اسمه ولا يعانون من أمراض خطيرة. إلا أنّه لا يوجد تفسيرات لاستمرار ظاهرة الميلادين (الرسمي والطبيعي) في دولة تطمح لأن تكون في مصافي الدول المتقدمة.

ولدت رنا في 11 كانون الثاني من العام 1993، لكنّ هويتها تشير إلى أنّها من مواليد 11 كانون الأول 1992. هي أكبر بشهرٍ كالكل في سجلات النفوس، ولكن فارق سنة الولادة قد غيّر الكثير. تعمّد والداها تسجيلها أكبر بشهر وذلك لكسب سنة عند دخولها المدرسة. فعوضاً عن دخولها صفوف الحضانة في عامها الرابع، استطاعت أن تكون أصغر من أترابها من دون أن يعرف أحد. لا تلاحظ رنا أي فارق بينها وبين زملائها ولو كانت أصغر سناً، فهم أصدقاؤها على مقاعد الدراسة منذ عشر سنوات.

“أنا من مواليد 5 آذار 1988، مسجّل في الخامس من أيلول من العام نفسه، أحتفل كل سنة مرتين، كل ستة أشهر”، يروي أحمد الذي لا يعرف القصة الكاملة وراء تأخير تسجيل ولادته في الدوائر الرسمية، لكنه سمع من أهله أطراف الحديث. فقد تأخر والده في معاملات الطلاق من زوجته الأولى ولم يستطع تسجيل الثانية بسبب الحرب الأهلية (بين العام 1986 والعام 1988)، وعندما استطاع ذلك، كان عمر أحمد ستة أشهر، فاضطر لتسجيله متأخراً.

وإذا كانت الحالات السابقة نتيجة ظروف الآباء، فالحالات التالية تدل على قدرة المخاتير وموظفي دوائر النفوس في التلاعب بالأعمار (ولو أنّها بيد الله).

ولد رأفت في 30 أيار 1984، لكنه تفاجأ يوم استلم هويته الجديدة في الـ2005 بأنه كبر عشرة أيّام، فأحد موظفي وزارة الداخلية قرر وبشطحة قلم أن يجعله من مواليد الـ20 من أيار من العام نفسه! إلاّ ان أوراقه الرسمية السابقة (إخراجات القيد) تتضمن ميلاده الحقيقي. يحتار رأفت عند تقدمه بطلب جواز سفر أي وثيقة إثبات هوية يبرز. ويقول إنّه تابع الأمر مع الجهات الرسمية لكنّه لم يلقَ جواباً بعد، فاقترح أحدهم عليه حلاً بأن يقدم بلاغاً بفقدانه الهوية ويتقدّم بطلب الحصول على هوية جديدة علّه يحصل على ميلاده الحقيقي. إقتنع رأفت بهذا الإقتراح، فهو لا يريد أن يضطر أن يكون له عيدين “الأول حقيقي، والتاني مزوّر”.

أمّا أدهم فقد تفاجأ في الإنتخابات النيابية الماضية بورود اسمه على لوائح الشطب. فهو من مواليد ما بعد الخامس من حزيران من العام 1988 وبالتالي لا يحق له الإنتخاب لعدم بلوغه الـ21 من العمر لكنّ لوائح الشطب أبقت على يوم وشهر ميلاده وغيرت العام الى 1987. لن يمارس أدهم حقه “المزعوم” بالانتخاب لأنه لا يريد أن يخالف القانون، فهو يعتبر الأمر خطأ مطبعياً في أجهزة الكومبيوتر، أو سهوة موظف إدارة. لكنه يخشى أيضاً أن يكون هذا الخطأ قد شمل الكثير من الشباب اللبناني الذي توظف أصواته في تجديد المبايعة لمختلف الزعماء.

يعيش الكثير من اللبنانيين بتاريخيّ ميلاد. ربما يحتاجون إلى أعياد إضافية يحتفلون بها، لكن هدية الدولة لا تتبدل أبداً: من أسعار المحروقات إلى كلفة الطبابة وغياب فرص العمل. إنها الطريقة اللبنانية لأعياد الميلاد.

********************************************************************************************************

يتم إضافة أسماء المواليد إلى سجلات الأحوال الشخصية وفق الآلية التالية. تتم عملية تسجيل المواليد الجدد بناءً على شهادة صحية من المستشفى أو الطبيب الذي أجرى عملية الولادة، بالإضافة إلى ورقة شهادة ولادةمن مختار المحلة وتمهر بإمضاء شاهدين. يقدم صاحب العلاقة هذه الأوراق لمأمور النفوس في مسقط رأسه. لا يمكن لدائرة الأحوال الشخصية القيام بأي تعديل على الأسماء، فأقل تعديل يعني تغيير شخصية قانونية تامة. أمّا الأهل الذين سجلوا أبناءهم في تاريخٍ مغلوط، فعليهم التقدم بقرار رجائي (دعوة بحق أنفسهم)، أو تقديم مستندات أصلية لتصحيح الخطأ، إذ لا تعدّل السجلات إلا بأمر قضائي وبعد تحقيقات الأمن العام أحياناً. فالعديدين يسعون لاستبدال العمر الحقيقي بمزيف ليتمكنوا من الحصول على وظائف من شروطها بلوغهم سن معيّن.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s