بين جدار برلين وجدار فلسطين حجارة “دومينو”


mainstoryberlin

أسعد ذبيـان

مشهد خيالي

يستمع “رالف” إلى الإذاعة الشيوعية الرسمية. يسمع الخبر. يفرك عينيه بدل أن يزيل الصمغ من أذنيه. منعه ذهوله بالخبر من التركيز. أوقف السيارة جانباً وهو لا يصدّق. كان لا يدري كيف يتصرّف، ثمّ رآهم يمشون أمامه، ويهرولون، ويركضون. الأطفال منهم والنساء والرجال، كلهم في اتجاهٍ واحد، صوب الجدار. ترجّل من سيارته ولحق بهم. كان بعضهم يحمل المصابيح وبعضهم أشعل النيران في خرقة بالية مبللة ببنزينٍ من سيارته. مشى بعرجة خفيفة، تماماً كما اعتاد في العامين المنصرمين. كان عقله يطارد خطواتٍ ثابتة سبق له أن قام بها برفقة زوجته وابنه. استطاعا عبور السد، ذاك الذي ما كان أيام أمه ولا أبيه. عبرا ذاك السور الذي ارتفع في السماء ستة أمتار، ليمنع “رالف” من رؤية محل البقالة في نهاية الشارع وبيت خالته الذي حفظه عن ظهر قلب. عبرت عائلته وكان نصيبه رصاصة في القدم لأنه “يحاول التعامل مع العدو”. كان يحاول أن يعبر المدينة، من شرقها إلى غربها، لكن في المكان والزمان غير المناسبين. كان وقتها في ثمانينات القرن العشرين في مدينة إسمها برلين.

تاريخ حقيقي

هزمت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وقسمت الأراضي التابعة لها إلى أربعة أقسام، تناهشتها كلٌ من الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا والمملكة المتحدة والإتحاد السوفياتي. كانت برلين مقسّمة كذلك مع أنّها كمدينة تقع في نطاق القسم السوفياتي، فشكلت برلين الغربية جزيرة ديموقراطية مصغرة وسط البحر الشيوعي الأحمر. تشكلت بعد الحرب جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) وجمهورية ألمانيا الإتحادية (ألمانيا الغربية). إتبعت الأولى المنحى السوفياتي بحكومة تابعة لأوامر موسكو، وبنظامٍ إقتصاديّ إشتراكي، بينما فضّلت الثانية النظام البرلماني سياسياً والرأسمالي إقتصادياً. أدى إختلال التوازن بين الحريات المتاحة إلى نزوح الناس من الشرق نحو الغرب، فكان الجدار في برلين لهم بالمرصاد. ولكنّ تحت تأثير الضغط الشعبي، أعلنت سلطات ألمانيا الشرقية السماح لمواطنيها بالعبور لأجزاء البلاد الأخرى في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 1989. اكتسح الناس جدار برلين الشهير  ليعبدوا الطريق من أجل الوحدة الألمانية.

مشهد متوقع

يخرج “أبو غسان” من منزله في قلقيلية فتلحق به زوجته لتعطيه “الزوادة”. تطلب منه أن “يدير باله على حاله”. يتوجه الرجل المزارع أباً عن جد نحو الحقل ليقطف الزيتون. يمشي محاولاً طرد الهموم اليومية والتاريخية ببضع الموشحات القديمة، وبعض “العتابا” و”الميجانا”. يهرب من قصص الفتح والحماس والجهاد، والإسلام والمسيحية وأرض الميعاد وأرض الله وبيت المقدس وثالث الحرمين، وقصص النكبة والنكسة ووادي عربة وكامب دايفيد، وأخبار عباس وأولمرت وليفني. يهرب بعقله إلى أيام جده صديق “دافيد” اليهودي الذي كان يتحداه في الزجل على مأدبة الطعام، بعد أن يمارسا لعبة “طاولة الزهر”. لا يدري أين كانت الغيرة على الله وأرض الله آنذاك؟! لا يدري كيف ضحك بن غوريون على صاحب جده؟ ولا يدري كيف تمت أكبر عملية سرقة في القرن العشرين من دون أن يراها أحد؟ كان يمشي الهوينا قبل أن تصطدم عيناه بجدارٍ يمنعه من الوصول إلى بستانه. فرك يده اليمنى على سرواله، بدل أن يفرك عينيه لهول الصدمة. كان يدري أن الجدار منتصب خلف حقله كخمسة كيلومترات، لكنه لم يدرك أنّ للجدار قدرة على المشي، أو شهية لقضم أشجار الزيتون. جلّ ما في الأمر، أنّ المرابطين بمناظيرهم في الضفة الأخرى رأوا أنّ زيارات “أبو غسان” لحقله تمس بالأمن القومي، فقرروا التخلص من أحدهم. عليه أن يغتبط، فعلى الأقل أبقوا عليه، وأخذوا مقابله بضع كيلومترات من الأرض التي وعدهم بها إبراهيم.

حقيقة ينكرها التاريخ

يبلغ طول جدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية 703 كلم، ويرتفع بين الـ4.5 والـ9 أمتار. يمنع الجدار الشعب الفلسطيني من التواصل فيما بينه، ويعرقل سبل حياة الناس في القرى التي يبنى الجدار حولها. والجدار مشيّد فوق الأرض الفلسطينية بحجة منع وصول “الإرهابيين” ويقضم في بعض المناطق 22 كلم من الأراضي الزراعية بحيث يمنع وصول المزارعين إلى أراضيهم. علماً ان محكمة العدل الدولية أصدرت رأياً إستشارياً يقضي بعدم شرعية الجدار الفاصل بينما تستمر إسرائيل بسياسة اللامبالة.

مقارنة

يجتمع خمسون شخصاً في قلنديا، فلسطين في العام 2009 (وأشدد على التاريخ) خلف جدارٍ على مشارف قريتهم، يفصلهم عن بساتين “الضيعة”. يرتدي بعض الشبان لثاماً، ويأتون بشاحنة لتوقع إحدى قطع الجدار أرضاً. هي طريقتهم بالإحتفال في ذكرى سقوط جدار “برلين” وهو جوابهم لدعوة الرئيس الفرنسي ساركوزي قبل أقل من 24 ساعة “بإسقاط الجدران التي ما زالت عبر العالم تقسم شعوباً”. إجتاز زعماء العالم موقع الجدار في الدولة الأوروبية ليتضامنوا مع “الذين أدهشوا العالم”.  وحدها القنابل المسيلة للدموع والرصاصات المطاطية أو الحية تقرر التضامن مع الشبان الفلسطينيين، وتخلق لهم أجواءً مناسبة للرقص (من الخوف). تحض هيلاري كلينتون على العمل للنهوض بالحرية فيما وراء “الحدود الراهنة”، يفهمها باراك بالترجمة الحرفية العبريّة على أنها دعوة لتوسيع الحدود الراهنة وتحريك الجدار بخطط تعديلية جديدة. تسقط أحجار “الدومينو” في برلين على مسافة كيلومتر ونصف على وقع موسيقى أوركسترا يقودها إسرائيلي أرجنتيني يمنع صوت فتية من فلسطين يحملون حجارة وأجسادٍ تتساقط أمام الدبابات، يمنعهم من التعبير بأنّ الجدار يزعجهم!

www.hibr.me

2 thoughts on “بين جدار برلين وجدار فلسطين حجارة “دومينو”

  1. رح اسرألك جملة من هالشي بعد إذنك (:
    وحدها القنابل المسيلة للدموع والرصاصات المطاطية أو الحية تقرر التضامن مع الشبان الفلسطينيين، وتخلق لهم أجواءً مناسبة للرقص (من الخوف)
    رائعة أسعد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s