خطان مستقيمان يلتقيا


أسعد ذبيـان

عون وجنبلاط يلتقيان. وكنت أظن أنّ خطان مستقيمان لا يمكن أن يلتقيا (إلا بعون الله و بهذه الحالة إلا بإذن نصر الله). يبدو أنّ كل تعاليم صفوف الرياضيات كانت خاطئة. فاسمح لي يا معلم الصف الأوّل أن أقول لك أنّك مضلل وأنّك لا شكّ لا تنتمي إلى دولة تحوّل الإعاجيب حقيقة والمعجزات أمراً واقعاً.

في الثالث من تموز العام 1973، كان يقف وليد جنبلاط في صف خريجي الجامعة الأميركية في بيروت قبل أن يعتلي المنصة ويستلم شهادته، بينما كان ميشال عون يحضّر نفسه ليستلم بعد شهرين (وتحديداً في 17 أيلول 1973) قيادة كتيبة المدفعية الثانية. لم يكن التاريخ يحسب أنّ الرجلان سيلتقيان، لكنّ الجغرافيا في بلدٍ صغير الحجم قد كانت كفيلة بضمان لقاء البيك والجنرال. ترقّى عون في المناصب العسكريّة حتّى استلم قيادة الجبش، قبل أن يستلم مقاليد الحكم بحكومةٍ عسكريّة ويجمع تحت عباءته وزارات (الدفاع، والإعلام، والخارجية والمغتربين، والتربية، والداخلية). لم ينافسه في هذه السلطات التي امتدّت على مساحة حكم فيالقه، إلا وليد جنبلاط إبّان السلطة المدنيّة وبعدها حيث كان الآمر الناهي في الجبل وعلى الأرض التي تحكمها تحالفاته مع الفلسطينيين واليساريين.

خلال مشواريهما السياسيين، تبادلا المقاعد عدة مرّات كأنهما يلعبان لعبة الكراسي الموسيقية المتحركة، لطالما بقي اللاعبين بينما خرج آخرين، لكنّهما لم يجلسا يوماً إلى جانب بعضهما البعض. فعندما كان جنبلاط طرفاً رئيساً في “جنيف” و”لوزان” و”الطائف”، كان عون يحصّن الخنادق والمتاريس في مواجهة السوريين ومؤمراتهم. وبينما كان جنبلاط يتمتّع بالخط العسكري المباشر إلى دمشق وملاقاة قاتل أبيه، كان الجنرال يعارض في فرنسا ويلتقي عملاء الموساد الذين دعموا خصومه الكتائبيين والقواتيين في الماضي. ثمّ كان أن إتفق اللإثنان لفترة وجيزة، فالتقيا عدة مرّات في باريس، قبل أن تضرب التسونامي سواحل آسيا الشرقية، ويستخدم جنبلاط المصطلح ليصفع به الآتي من خلف البحار (عون) عند دخوله أرض المطار.

في العام 2004، كان جنبلاط يقف (أو تراخ يجلس) إلى جانب السيد نصرالله في بنت جبيل، ثمّ صار حاخاماً يهودياً بعد أن أعلن أنّ حزب الله خارج عن الشرعيّة. في العام 2003، كان عون يحاضر في الكونغرس طالباً من الولايات المتحدة إخراج سوريا من لبنان، ويهندس ليصبح عرّاب الـ 1559، قبل أن يقرر بعدها بعام ان يوقع إتفاق تفاهم مع حزب الله ينص على عدم ذكر السلاح، وقبل أن يسأل البطريرك الماروني عن أي ضرر قد قام به هذا الحزب بحق الوطن. في العام 1982، كان وليد جنبلاط يقابل شمعون بيريز في قصره في المختارة بالإضافة إلى عديد المرات التي قابله بها في مؤتمرات الإشتراكية الدولية قبل أن يقرر شن هجوم على أمير قطر (2007) وعلى مصر ( ذكرى قورة يوليو 2009) لتطبيعها مع العدو الصهيوني. وفي العام 1982 أيضاً كان ميشال عون يصافح المسؤول العسكري الإسرائيلي بابتسامة لتسليمه بيروت ويشتم السوريين حتى التسعين، قبل أن يدعم مشروع الممانعة و “الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة”.

وليد جنبلاط وميشال عون خطين. ونحن الخاطين إن تكلمنا عنهم. وليد جنبلاط وميشال عون مستقيمين، ونحن بطوننا قد أصبحت “مستقيمة”، بمعنى أنها حبلى ولا بدّ لها أن تلد. الولادة هذه لن تكون سوى قيصريّة لكي لا يجهضوا أحلامنا، فدعونا نسألهم عمّا قدّموه لهذا البلد منذ ثلاثين عام. دعونا نسألهم عن الوجود الدرزي والوجود المسيحي، ألم يعد هذا الخوف موجوداً؟

كل هذا كم، وتصريح أحد النواب بأنّ إجتماع عون – جنبلاط هو الجرعة السحرية والدواء الشافي لداء السل السياسي هو كمّ آخر. فلو كنت أعرف أنّ لقاء الرجلين سينعكس إيجاباً على الشارع اللبناني ويحل كل الأزمات، لكنت سارعت إلى خداعهم منذ فترة، وقمت بدعوة كلّ منهم على حدة ثمّ فاجأتهم ببعضهم بعضاً. لم أعرف يوماً أنّ الخلاف السياسي في لبنان شخصيّ. أمّا إن لم يكن الأمر كذلك وكان اجتماع البيك والجنرال نتيجة أمر أو ردة فعل على ليونة المواقف العالميّة، قإنّه قد آن أوان الوعي بأنّ زعماء لبنان مجرّد بيادق في لعبة الشطرنج.

أعتذر من وليد جنبلاط وميشال عون لأنه لا يوجد شيئ شخصي ضدهما، بل هو نقمة من تركيبة “صيغة العيش المشترك” وشاءت الأقدار أن يأتي مخاض الولادة عندي في فترة لقاء الخطوط “المستقيمة”.

One thought on “خطان مستقيمان يلتقيا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s