بشر “الماربلز”


غلل بيلعبوا فيها

"من ميلة لميلة منكرج"

أسعد ذبيـان

(عن مهى الميس – بتصرف وترجمة)

كنت أتساءل عن الصدفة. نستخدم هذه الكلمة كثيراً، “بالصدفة”. في العديد من الأحيان، الصدفة هي الطعم “الحلو” الذي نتذكره من القصة التي جرت معنا. “لولا لم يحصل معنا هذا وذاك، لما كنت تأخرت على الحافلة وجرى لي الحادث”، هو أحد هذه الأمثلة. نحن لا نتذكر إلا ذلك الخبر الذي جاء أولاً وأطلق سلسلة من التفاعلات التي أدت إلى تلك الواقعة المأساوية أو المنشية.

أرى الناس مأخوذين بفكرة الصدفة، ويتحدثون عنها كأنها تعيش بينهم، تمر عليهم، تسألهم عن أحوالهم، وتضع مساحيق التجميل، وترتدي ثوبها الأسود القصير من أمام الفتية، فتسرق عقولهم. يتحدثون عن الصدفة كأنّما هي تدرك ما هيتها، كأنما هي تعرف نفسها وتتقصّد المرور علينا بين الحين والفينة (لغة جديدة). يعني بالمختصر المفيد : “الناس مأخوذين بالصدفة وبيحكوا عنها، كأنها هي الصدفة عارفة حالها شو هيي”.

ثمّ قلت لنفسي (لا). ليس بالضرورة أن يكون هناك شيئ إسمه الصدفة بتاتاً (عدا أصداف البحر). هناك دائماً أشخاص قادمين وراحلين، صاعدين وهابطين ويقومون بمختلف الأعمال. فإنّ احتمال أن يتصرف المرء (بني آدم) حسب مسار معيّن ثابت لا يعني بالضرورة أن يبرر فكرة “الصدف”، قإنّ احتمال تصرفه بشكل مغاير تماماً (متل إنو ما يكون بحب الموسيقى أو بحبها، أو إنو مش أخو شرموطة أو إنو) هو أمر قابل للحياة أيضاً. إنّ عدم اختياره لهذا المسار لا ينفي وجوده.

ثمّ قررت أن أفكّر بالأمر على الصعيد الفردي، وإذما كان هناك بالفعل شيئ ما يسمّى الفرديّة المميزة، أو أن يكون الشخص “فريد من نوعه”. وكيف أنّ تلك “الفرديّة” لن تكون أو ستبدو طبيعية بدرجة أقل بالنسبة لنا، لولا وجود الحضارة والتراكم الذي زرعته في أذهاننا. فاستخدام الشوكة والسكين عوضاً عن قطع الخشب الصينية هو نتاج حضارة وثقافة أكثر منه اختيار فردي، وقس على ذلك.

أتساءل أحياناً إذا كنّا (كبشر) مجرّد “غلل” (والغلة هي طابة من عقيق) من مختلف الألوان، وموضوعة في إناء، يتم رميها عشوائياً في مختلف الإتجاهات، متوقعين منها أن تكون حساسة ومستجيبة ومتناغمة في ردات فعلها مع الإصطدامات التي تحصل على الأطراف وفق احتمالات لها معادلات منهجية وعادلة. أتساءل إن كنّا “ماربلز”. أتساءل أحياناً لو كنّا فئران تجارب، ونحن نظن بأننا نتحّكم بمواقفنا، وقدراتنا، ومواهبنا في الاصطياد والتحايل.

أتساءل لو كنّا دائماً نخلق “الوهم” لأنفسنا حتى نستمر دون الخشية من الغد، لأنه فاتنا أن نسأل عن اليوم نهار أمس. أتساءل إن كان الحب، والخوف، والكره مجرّد أوهام زرعناها في عقولنا لأننا ربطنا بضع أمور ببعضها البعض ونحن نعطيها أسماء لا نفقهها على غرار “الصدفة”. فكم من مرّة قررنا الدخول بعلاقة لمجرّد أننا وجدنا ذلك الشخص يصطدم في وجهنا كلّما فعلنا شيئاً، قلأعطيناه الأولية على غيره الذي أتى دوره لاحقاً أو لم يأتِ.

أتساءل لو كانت “الصدفة” مجرد وهم، فلماذا تكون “صدفة” عندما نلاقي هذا الشخص أم ذاك بالذات (وهو بطبيعة الأمر شخص نعرفه بالمحدودات الجسديّة أو اللغوية)؟ ولا يكون صدفة أن نلتقي بشخص آخر مليون مرّة (وهو لا نعرفه). المثال هو لقائنا بالممثلة الشهيرة في أحد المطاعم، بالمقارنة مع ارتطامنا اليومي مع أحد المنبوذين في الشوارع التي نسير بها (ونحن لو حددنا هذا الشخص أي أدخلناه مدار إدراكنا سيصير في اللقاءات التالية دليل “صدف”).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s