صورٌ عابرة للزمن في طرفة عين


عيون الأجيال - بعدسة باتريك خورس

أسعد ذبيـان

يجلس شاب في مقهى يونس في الحمراء ويقول لصديقته “أنظري إلى جمال تلك الصورة”، فتجيبه “كنت أظنها لوحة مرسومة على يد فنانٍ بارع!” هكذا هي الصور التي التقطتها مشاعر عبير غطاس وأخرجتها عدسة كاميرتها، قبل أن تختار عرضها في المقهى الشهر الماضي فوق رؤوس الرواد لشهرٍ كامل. تعلو الطاولة الصغيرة في زاوية المقهى عينان خضراوان لطفلة ينتشر شعرها “المنكوش” حتى تخاله يخرج من الإطار، وبشفتين مغمّستين بالتراب، وآثار عشبٍ على وجنتيها. تدقق في العيون، فترى مصوّرة فوتوغرافيّة تحمل كاميرتها وتسرق جمال اللحظة وتختصر أعوام الطفلة وشقاء أيامها. إستطاعت عبير أن تنقل كل هذه التفاصيل وتعبّد لك الطريق لتجتاز شارع الحمراء وبيروت قبل أن تضعك في سهل البقاع مع طفلةٍ لوّنت الحقول عينيها، وأنضج تعاقب الفصول نظراتها. تدير عينيك إلى اليمين، فتثب بالزمن من الطفولة إلى الكهولة. هناك تلاقيك إمرأة في خريف العمر تقابلك بعينيها، وهي تراقب الجالسين وأنت تراقبها. تضع وشاحاً يضبط إيقاع شعر الرأس باستثناء خصلاتٍ أبت إلاّ أن تخالف العرف لتظهر أبيضها الناصع. منديلها مطرّز، وكنزتها مزدانة بورودٍ مسكيّة اللون. تخفي ابتسامتها تعب السنون، وفمها شبه المفتوح نافذة إلى المجهول.

تقف صبية أمام الصندوق لتطلب مشروباً، تناديها النادلة بعد أن غرقت في تأمل إحدى اللوحات. تحتار عند مراقبة صور عبير الأخرى في كيفية وصفها. تتخصص عبير في تسجيل مرور الزمن، فتنقلك بعدستها نحو الماضي حيناً وترميك في الآتي حيناً آخر. تثير فيك صورة القبر في ظل الشجرة الحنين لمن فقدت، ولليوم الذي تعانق فيه التراب. تسرقك صورة محطة القطار المهجورة في طرابلس إلى زمن الأيام الجميلة، وإلى المقصورة التي تجمع الشيب والشبان، وإلى محطة توقفت فيها الحياة عن الجريان ونبتت فيها أعشاب بألوان الطيف. مغرمةٌ عبير بالشبابيك والأبواب، والشجر والعيون، والسلالم وكل ما فيه آفاق مفتوحة. مغرمةٌ عبير بفكرة الدخول إلى عالم مجهول، أو الخروج من الإطار. تجرّك عبير إلى أن تُغرم بعدستها التي يتجاوز تأثيرها حجم السنتيمترات المربّعة التي ترتاح عيناك عليها.

يجلس في الطابق العلوي رجلٌ وإمرأة يتحدثان وبينهما يقف، بدون أن ينتبها، طفلٌ عارٍ في صورة يحاول تجاوز عتبة الباب للدخول إلى بيته. تدقق بالتفاصيل لتكتشف أنّ المنزل عبارة عن خيمة ضخمة نصبت في الخلاء. يجلسون ليتناولوا مشروبهم المفضّل، بينما يقف هو عارٍ لا قدرة لديه على تناول جرعة ماء. تجمع عبير بين البعيد الذي تغفل عنه، والقريب الذي مللت تفاصيله. تجمع عبير بين حياتين، وبين روحين، وبين جسدين. تجمع عبير بين شخصية جمّدت في إطار، وبين شخصية تجمّدت أمام الإطار لتفكّر في عمر الزمن.

15-11-2009

http://hibr.me/ar/200912/AbirShowroom

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s