فتياتنا.. ضحايا الـ2000 ليرة


Sagrado Corazón/ Flickr.com

أسعد ذبيـان


بين “الرزقة” و”التوفيقة”..

يقف سائق الـ “تاكسي” في أول الطريق أو يبطئ سيره على خطّ اليمين على أمل أن “يرزقه” الله راكباً أو أكثر ليوصله حيثما يريد ويقبض منه كفاف يومه ليطعم عائلته من رزق الحلال. ولكن درج في الآونة الأخيرة وجود سائقي “التوفيقة” بفتاةٍ وحيدة ليتحرّشوا بها علّ محاولاتهم تنفع.

تصعد إحدى الفتيات إلى سيارة الأجرة وتجلس في المقعد الخلفي. يقوم السائق بتعديل المرآة الأمامية ويبدأ برصد زبونته الجالسة في الخلف. يحاول أن يقرأ في عينيها ضعفاً، أو عوداً طرياً ليضرم به النار. السرعة التي يسير بها وقفل باب السيارة الحديثة الأوتوماتيكي تجعلناه سيد الموقف وتجعلان من الفتاة الجالسة في الخلف ضحية الألفي ليرة.

نرسل فتياتنا إلى الجامعات ونؤمّن عليهم ليتنقّلن لوحدهن من أجل تحصيلهنّ العلمي. نرسلهنّ لكي يصبحن غداً وجهيات في المجتمع، محاميات، مهندسات، إعلاميات، طبيبات وغيرها من المهن التي تؤمن لهنّ إكتفاءً ذاتياً أومركزاً إجتماعياً. ما نغفل عنه هو أنّه وخلال تنقلاتهنّ من الجامعة وإليها أو في حالاتٍ أخرى يتعرّضن لمحاولات التحرّش بهن من قبل سائقي السيارات العموميّة.

تتحدّث ميرا إبنة التسعة عشر عاماً عن تجربتها في بيروت. ففي إحدى المرات وهي في طريقها إلى المنزل في سيارة الأجرة اختارت الجلوس وحيدة في المقعد الخلفي، فحاول السائق استمالتها بالكلام المعسول والتحرّش البسيط في البداية عن مكان سكنها ودراستها وغيرها من الأسئلة. وعندما أرادت النزول من السيارة ودفعت الأجرة، مدّ يده ليقبض التعرفة بالإضافة للملامسة في مواقعها الحميمة.

أمّا سماح (20 سنة) فكانت تتوّجه من منطقة الحمراء إلى بدارو وصعدت مع سائق سيارة مرسيدس عموميّة خضراء اللون، وجلست في الخلف. صعد رجل وإمرأة في السيارة وأخذ الإثنان يتحدّثان مع السائق بما يؤكد معرفتهما السابقة به. تكمل سماح “فجأة وجدت نفسي في منطقة الأوزاعي وحاولت أن أسأل السائق عن السبب لكن لا هو ولا الراكبين أعاروني أيّ انتباه واستمرّوا بتجاهلي. شعرت باتفاقهم على خطفي”. لم تجد سماح بداً من فتح باب السيارة والهرب، ولم يسألها السائق عن التعرفة بما يؤكد أنّه لم يكن ينوي إيصالها منذ البداية.

سجّلت سماح مصادفةً رقم لوحة السيارة وعندما استشار أهلها أحدهم لتقديم شكوى، نصحوهم ألا يفعلوا لأنّ ذلك لن يؤدي سوى لإيذاء سمعة ابنتهم.

يريدون بنت (كويسة)

يبدو أنّ مرام – 20 سنة قد أصبح لديها تاريخ طويل من المعاناة مع سائقي التاكسي الذين لا يردعهم شيء عن إبداء إعجابهم “بقوامها الجميل” كما قال أحدهم.
وتقول “كنت أتوجّه من الجامعة في منطقة الأونيسكو إلى المتحف، فصعدت في سيارة عموميّة وجلست في الأمام لأنّه لم يكن من مقعد شاغر في الخلف، وعلى الطريق ترجّل باقي الركاب وبقيت وحدي مع سائق في عقده الثالث. بدأ بعدها بالتحدّث إليّ وقال أنّه يريد بنت “كويسة” ثمّ ما لبث أن وضع يده على فخذي وبدأ يحركها. كنت أبكي طوال الوقت لكنّه لم ينتبه لأنني أرتدي نظارة، لم أحاول أن أفعل شيئاً لأنني خفت أن يؤذيني”. لم تنبس بشفّة لبعض من الوقت ثم طلبت أن ينزلها، ولحسن الحظ أنّه امتثل عندما اكتشف أنّ استدراجه لم ينفع.

في كل المناطق، ومن كل الأعمار

جرت معها الحادثة الثانية بعد خروجها من مطعم في صيدا، وتوجهها إلى عبرا. كان السائق مسناً ولم يتكلّم طوال الطريق، و”عندما هممت أن أدفع له، أخذ بيدي وقال أنّه يريد رقم هاتفي ورفض تناول النقود” تكمل مرام.

أثناء تحدّثها إلينا، تدخل زميلة لها على الخط وتخبرنا قصّة مثيلة لسائق رفض الأجرة وطلب رقم هاتفها، وعندما ترجّلت من السيارة ودققت في لوحتها اكتشفت أنّها خصوصيّة.

ريم (18 سنة) كانت متوجهة من منزلها على أوتوستراد السيد هادي في الضاحية الجنوبية نحو جامعتها وكان السائق بين الـ35 والـ40 من عمره وسيارته قديمة. تقول “سألني أين ذاهبة؟ وسألني عن طولي وإن كنت أحب الرياضة وعرض الأزياء. جاوبته أنّ هذا الأمر ليس من شأنه، وعندما وصلنا إلى المشرّفيّة طلب مني الخروج من سيارته”. هذا واقع سائقي الأجرة اليوم، إمّا أن تقبل الفتيات تحرشاتم بهن، أو تترجلن من السيارة.

بين التحرش “المهذب” والتحرش غير الأخلاقي

كان لـ رانيا (21 سنة) نصيبها مع سائق عمره بين الـ40 والـ45، طلب منها أن ترافقه ليشرب فنجان قهوة على (الكورنيش). وبما أنّها كانت تجلس خلفه مباشرةً لم يخجل من إدارة المرآة نحوها، وسؤالها: ” لماذا تجلسين خلفي، إقتربي من الوسط، أريد أن أراكِ”.

أمّا نادين (18 سنة) والتي استقلّت “السرفيس” إلى الضاحية، قامت كعادتها بالدفع مسبقاً ثمّ لاحظت قيام السائق بحركات مثيرة للشبه قبل أن يعتذر عنها، فلم تجبه. ثمّ سألها عن دراستها وجاوبت “صحافيّة”، فكان منه ما يلي “إذاً تحتاجين في مهنتكِ للكثير من الصراحة والجرأة، فهل تقبلين بجرأتي؟”، فردت بالإيجاب لكنّها لم تتوقّع أبداً أن تسمع هذا الرد. “أنا شاب وأنتِ فتاة جميلة، وقد أيقظت غرائزي، وإن كنتِ لا تمانعين، أود أن نذهب سويّة إلى مكانٍ ما..”. صرخت نادين في وجهه وطلبت أن تخرج فوراً من السيّارة وإلا فستصرخ، فأخذ يعتذر. خرجت نادين إلى الشارع واضطرّت لأخذ سيارة أخرى للمنزل.

نرسل فتياتنا ليتعلّمنّ في الجامعات والمعاهد، بيد أنّ ما يعلق في أذهانهن هو ما يحاول بعض السائقين فعله من محاولات تفضح عقدهم ونقصهم. وعلى فتياتنا الاختيار بين الصمت لأنّ المجتمع لا يرحم، أو المواجهة التي تجعلهنّ شريكاتٍ في جريمة الاعتداء عليهنّ.

http://hibr.me/ar/issue2/taxiabuse

11 thoughts on “فتياتنا.. ضحايا الـ2000 ليرة

  1. تحيّة لك يا اسعد
    مقال جميل، يضيء على بعض الأشياء المهمة التي نسيناها في ظل ال “عجقة” السياسية

    • شكرا جزيلا طوني
      يهمني أنّه نال إعجابك، على أمل أن يخرج هذا الشعب من عقده الجنسية
      هي التي أوصلتنا لما نحن عليه

  2. You focus on issues that a normal lebanese citizen will never be able to realize. The only few able to realize this when they see it happen are the ones that experienced life out of our unorganized country.

    • نهى أولاً مبروك الكتاب
      ثانياً لا أظن أنّ الأمر سيصل إلى هذا الحد
      شكراً على التعليق
      مع محبتي

    • سائد خيي مشتقلك كتير أنا
      أكيد كواق
      بدها سؤال
      عم بستمتع يموسيقاك جداً جداً

  3. لاحول ولاقوة الا بالله

    نحن في مجتماعتنا فئة كبيرة من فتياتنا يخافون الابلاغ عن مثل هذه الحوادث لان الجرم سيوجه للفتاة

    ومثل ماورد في المقال سمعة الفتاة هي الضحية

    نحن نعااني من نظرة ظالمة للمجتمع لهذه الامور

    على كل حال

    اعتقد لو كل فتاة ابلغت عنهم لتم التقليل من الظاهرة

    فان استطاعت ان تفلت بجلدها اليوم من هذا الذئب الله العالم من ستكون الضحية التالية

    الابلاغ عنه صون لها وللاخريات

    اود ان اذكر في بعض الاحيان لبس الفتاة يكون سبب لتجرأ الاخرين عليها وهي لاتعلم ذلك

    مقال جميل اخي الفاضل

    وان شاءالله ينصلح الحال

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s