أبحث عنكِ


Sifting the gravel, searching for diamonds - AdamCohn/flickr.com

أسعد ذبيـان

أستيقظ في الصباح، فلا أجدك. أبحث عنكِ تحت الوسادة (كسنٍ أتركها لتكافئني الجنيّة عليها). أبحث عنكِ تحت معطفي المتروك على الكنبة جانباً. بين قطرات المطر المنهمر خلف نافذتي، وبين بيوت الضيعة التي تقابل غرفتي. أبحث عنكِ تحت وريقاتي، فلعلّني نسيت حروف إسمكِ هناك، أو نسيت تفاصيل قصتنا تغطّ بعد التعب.

أبحث عنكِ في القهوة السوداء، وفي كتاب البارحة، وفي فيلم “تشه” المستنفر على مكتبي. أبحث عنكِ في أرشيف رسائل الهاتف، والصور التي التقطناها لحظات الجنون والمجون. يحرّكني ذاك الجنون عينه لأفتح الخزانة وأبحث عن رائحةٍ رششتها على ثيابي. أجنّ. أدوخ. أتناول فاكهةً شاءت أن تحطّ دون أن يكون موسمها في ثلاجتي علّني أفهم إحساس شفتيكِ وتفضيلها طعم الكرز. يؤنبني الضمير، أحب طعم شفتيكِ.

أبحث عنكِ في ابتسامات العابرين، في أبواق السيارات المارّة بالقرب من شرفتي. أبحث عنكِ في زيارة قريبي المعمّر الذي يذكّرني بجدّك. أبحث عنك في الأسطوانة الموسيقية التي أهديتني. أبحث عنك في غرفتك، في اكتئابكِ حول السرير، في تجوال عينيكِ على الشراشف الذي نمتُ عليها. أبحث عنكِ شاردةً وقت الغذاء، تنظرين إلى البحر. أبحثُ عنكِ في صوت صديقي في الهاتف يسألني عنكِ. أبحثُ عنكِ في عملي، تقرأين رسالاتي خلسةً، وتجولين في ناظريك. أبحث عنكِ في المقاهي، في النادل الذي طردنا، والنادل الذي يحبنا. أبحث عنكِ في الشوارع.

أبحث عنكِ في فراغ خطوط كفي. أبحثُ عنكِ تلمسين عنقي، في تدليك ظهري. أبحث عنكِ في قصيدةٍ استوحيتها منكِ. أبحث عنكِ في دموعٍ تأبي إلا أن تبقى في أحداق العين، ولا ترضى بحكم القدر. أبحثُ عنكِ في التهائي بكل شيئٍ إلاكِ، قبل أن تفاجئيني عندما ينتهي دوري في الإختباء في لعبة الغميضة.

أبحث عنكِ في أدراج منزلك. أبحث عنكِ في إصراركِ على مضايقتي وقت العمل. أبحث عنكِ في الشهوة، وفي الرغبة، وفي القناعة، وفي الطلب، وفي الرفض، وفي المكابرة. أبحث عنكِ في غرفة صديقي. أبحث عنكِ في عيون من يعرفوننا سوية، وفي زوايا  اعتادت لجوئنا. أبحث عنكِ في ثلاث ساعات تسرقينها من عمري كل يوم. أبحث عنك في مدن أوروبا تتسوّقين منها رغباتي، ومدن أوروبا امتحنُ وفائكِ وصبركِ فيها.

أبحث عنكِ في “تاكسي” ما بعد منتصف الليل يقلّني. أبحث عنكِ في صوت المفاتيح ومزلاج بيت قريبي أفتحه والناس نيامُ. أبحث عنكِ في عهودٍ ألّهتني. أبحثُ عنكِ لأجد نفسي. أبحثُ عنكِ في ولدِ كنّا على وشك إنجابه. أبحث عنكِ في خدعة تنطلي علي، وفي ابتسامة تمحي الأحزان، وفي تنهيدةٍ تختصر معاني حضور الآخرين.

أبحث عنكِ في جغرافيا اخترعناها، وفي نقاشٍ حول معاني كف الهرّة. أبحث عنكِ في خلاف الطوائف. أبحث عنكِ في استحمالك لغباء صديقاتك، وأوجاع ظهري. أبحثُ عنكِ في بحثنا عن بيتٍ. أبحث عنك في كل مكان، ولا أجدك. أستسلم، أغمض عيناي، أحلم لأكمل مسيرتي في البحث عنكِ.

Nope, not a diamond - AdamCohn/flickr.com

11 thoughts on “أبحث عنكِ

  1. نزار قبّاني هو رجل اللّغة الثالثة،لغة السهل المُمتنع، وبامتياز….وبتصوّر يا أسعد إنّك أوجدت اللّغة الرابعة وبامتياز،وبترك لإبداعك يوجدلا الإسم المُناسب….بتصوّر انّو هيدا ما مُجرّد نص عادي،هيدا مشهد رائع،مُتكامل بإخراج لغوي مُتقن، معبر ومُميّز….:)

    • هالة.. شكراً شكراً شكراً
      هذا إطراء لا أستحقه ويحملني مسؤولية كبرى
      أشكر على جعل أمسيتي ملونة

  2. الأمسيات الملوّنة تكون عادة بتذوّّق بعض القراءات الحالمة… وبالتالي يتوجّه الشكر من تلقاء نفسه إليك…..

  3. what an awsome peice of art as usual..took my breath till its last word…can not feel but it written from my special one to me ..becausse yes,he is supposed to be searching for me..in every place..every space ,time and detail.like i have thrown away my laugage in a search for him within my clothes,letters,forgotten books,novels and paintings..awsome as3ad…bless u man

  4. رائعة …

    *عذبتني بحبك كثيرا فاسمح لي أن أتوحد بهواك ولو للحظات … أن أحصل على عينيك ولو للحظات… اسمح لي أن أكتب لك كل لحظة من حياتي قصيدة حب جديدة … قصيدة تكن وحدك أنت محورها .. تكن روحك وحدها ساكنة في حروفها …* سجى

    2awlak asaad masiret lba7esss 7atawil ktirrr ??? 2ade betdal ?? 3am 7awil 7alill .. lhay2aa ktir mtawleee

  5. تنبيه: أبحث عنكِ IV « خربشات بيروتية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s