أبحث عنكِ – II


Searching for a Needle in a Hay Stack / Wikimedia.com

أسعد ذبيـان

إنّه أسبوعٌ آخر يبدأ من دونك.. وأنا كنت لا أحسب الأسابيع التي لا تبدأ بكِ، فأقول أنّ عمري لم يتجاوز العام. إنّه يومٌ جديد من بحثي المضني من دون جدوى. يعتقد البعض أنني لا أعرف أين أنتِ؟ أو أنني لا أملك عنوانك، أو رقم هاتفك. بلى! ولكنّي أتعمّد البحث حيث لا ولن أجدكِ.

أبحث عنكِ في الماضي الذي يجمعنا، وفي قطعة “كعكة” تركناها على طاولة المطعم. أنا أبحث عنكِ في الطيّات التي تؤلمني عندما أدقق فيها، وفي سهري الذي يتعب عيناي. أبحث عنكِ في كل ما تبغضين، من نرجيلة مرةٍ أو مرّتين في اليوم، إلى نعاسٍ أتحامل عليه لكي لا أستسلم للفراش الخالي من مسام جسدكِ.

أبحث عنكِ في ندمي على حماقاتٍ ارتكبت. أبحث عنكِ في ليلة التقيتك، ليلة التقطت لنفسي صوراً بالبدلة الرسميّة. أبحث عنكِ حيث أعرف أنّكِ لن تكوني، لأنني أخاف أن ألقاكِ. أبحث عنكِ حيث لا أستطيع أن أخدش خدكِ بدمعة، وأضيف على أحزانكِ كرباً.

أبحث عنكِ في صخرة قبلاتنا، في مطعم عبثنا، في سلالم جنوننا. أبحث عنكِ في “شوكولاتة” لذيذة من النمسا، وملابس داخليّة من هولندا. أبحث عنكِ في هديّة ابتعتها لأختي الصغيرة. أبحث عنكِ في حقيبةٍ ملككِ وهي معي، فيها ما لذّ وطاب، لأنّ فيها أجزاءً التصقت بكِ. أبحث عنكِ في صورة فوتوغرافية يتيمة لوجهٍ ملائكيّ، وفي مكاتيب صغيرة ومغلفٍ أحمر. أبحث عنكِ في ورقةٍ كتبت بحروف متناهية الصغر.

أبحث عنكِ في شارعٍ مليءٍ بالمباني العالية، وبمنظرٍ يطلّ على بحرٍ لا يخجل من لمس عريَ المدينة. أبحث عنكِ في عقدٍ تلبسينه حول رقبتكِ، فيه الإسم الذي أطلقته عليكِ. أبحث عنكِ في مناجم الذهب ولا أصطدم إلا بالفحم الأسود. أبحث عنكِ في وقتٍ مجمّدٍ بقارورة، وبشمسٍ ثانية، وقمرٍ ثالث، ومياهٍ أتنفسها وهواءٍ أشبع منه، أبحث عنكِ في عالمي الذي لا ينتمي إليه أحد.

أبحث عنكِ في عطش صبّار الصحراء لقطرات ماءٍ تزوره على عدد أصابع اليد في كل عام. أبحث عنكِ في القضايا الجميلة، وزمن الأحلام الورديّة. أبحث عنكِ في هويّتي ذات الصورة الطفوليّة، في هويّتي التي اخترعوها وهندسوها. أبحث عنكِ في اسمي الذي اختاروه هم، في أهلي، في عائلتي، في ديني، في طائفتي، في لوني، في شكلي الذين رضيت بهم من دون خيار. أبحث عنكِ في فلسطين التي تبحث عن هويّة. أبحث عنكِ في بحثي عن الله، والمجتمع، والإنتماء.

أبحث عنكِ في السكر الذائب في قدح الشاي، وصعتر “المنقوشة” اللبنانية التي ابتاعها من كافيتريا الجامعة. أبحث عنكِ في عناوين الصحف، واعترافات بدر شاكر السياب، وقصائد محمود درويش. أبحث عنكِ في واجهات المحال، وارتفاع المذائن، واتساع الكنائس. أبحث عنكِ في المقاهي الباردة، والمظلات الهاربة من أيادي أصحابها والحزينة التي لا تتلقف الماء بل تنثره جانباً. أبحث عنكِ في مدوّنات شباب وشابات بيروت، وشاميّ في الأندلس، ومشاريع وكليّاتٍ لـ”ليلى”. أبحث عنكِ وأتعمّد ألا أجدكِ، فلا لذة مثل لذة البحث عن إله.

One thought on “أبحث عنكِ – II

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s