أبحث عنكِ III


أسعد ذبيـان

أبحث عنكِ في ربطة عنق الأيام، وفساتين الليالي الصاخبة. أبحث عنكِ في الأنامل ذات الأصبع المتورم نتيجة الكتابة. أبحث عنكِ في الأنامل الراجفة قبل نص رسالة هاتفيّة، والأنامل التي تطعمني عسلاً وعنباً وعطراً. أبحث عنكِ في الأنامل التي تعبر الأجساد، والأنامل التي تتوقف على الأجساد. أبحث عنكِ في أنامل روح تلامس البشر، وأنامل شهوة تدغدغني قبل استسلامي للنوم، وأنامل آلهة تعبر فوق إدراك المؤمنين. أبحث عنكِ في أناملي التي أقلمها لتحت اللحم، وأنامل رفيقة الصف المثيرة، وأنامل المرأة العجوز في حافلة النقل الصباحيّة. أبحث عنكِ في أنامل الأطفال الذين لم يولدوا بعد.

أبحث عنكِ في دفاتر التلاميذ الجامعية، في الحمل الزائد لحقيبتكِ، في ذكريات حقبتكِ. أبحث عنكِ في اليافطات موزّعة يمنةً ويسار. أبحث عنكِ في مذيعات الأخبار، ومقدمي البرامج المسائيّة. أبحث عنكِ في جمهور كرة القدم لفريقي الإسباني المفضل. أبحث عنكِ في نقاشٍ فلسفي مع أصدقاء حول وجود الله. أبحث عنكِ في دقائق إنتظار زحمة السير البائسة والبالية. أبحث عنكِ في طريق نحل فيروز.

أبحث عنكِ في قطع الحلوى، وقهوة أشتريها من شابٍ على عربة بحسم نصف ثمنها. أبحث عنكِ في عيناي صديقٍ قديم التقيته يسألني عن حالتي العاطفيّة. أبحث عنكِ في امرأةٍ حامل تحاول اجتياز الشارع برفقة والدتها، وفي طفلةٍ صغيرة تلوّح من شباك عربة أبيها.

أبحث عنكِ كلّ مرّة يقرع الباب، وكل مرّة يصدر الهاتف أنيناً أم نغماً. أنا لا أبحث عنكِ خلف الباب، بل أبحث عنكِ في الخشب، وفي الإرتفاع، وفي العرض، وفي اللون الذي طليته ذات شتاء، وفي المزلاج، وفي اشتباك المفتاح معه كلّ مرّة أهمّ أن أدخل إلى ما بعد العتبة من دونك. حتّى الباب يرفضني من دونكِ، وقرّر أن يترك وظيفته الصمّاء ويبحث عنكِ.

أبحث عنكِ في الزهر تقطفه عذارى الروح، والشركات الذي تقطره، وتعلبه في زجاجاتٍ لإستخدام عذارى الجسد المزيفين. أبحث عنكِ في فيلمٍ إباحيّ ما بعد منتصف الليل. أبحث عنكِ في مسلسلٍ تركيّ مدبلج بالسوريّة، يذكّرني بنظيرٍ مكسيكي اعتلى عرش قلوب الجماهير قبل عشرة أعوام. أبحث عنكِ في طوابق إسمنتيّة يشيّدونها، وأجسادٍ أنظرها علّك تقطنين إحداها وتخرجين منها عندما ينتابك الملل.

أبحث عنكِ في الزمن، ذاك الذي قاسوه وفصّلوه وألبسوه اسماً فصار وقتاً. أبحث عنكِ في المكان الذي أجلسوه القرفصاء ثمّ ما لبثوا أن اعتدوا عليه، واغتصبوه، وحولوه مدناً وبلداناً ومقاطعات. أبحث عنكِ في مشكلة الإحتباس الحراري، وأنا متأكد أنّ لكِ يداً في الموضوع. أبحث عنكِ في التقارير الجنائيّة لحالات يشتبه بأنّها سكتاتُ دماغية، وأنا متأكد أنّ لكِ يداً في الموضوع. وأنا متأكّد أنّ لكِ باعاً طويلاً في موضوع جلبي مكبلاً بالحواس إلى هذه الحياة. وأنا متأكد أنّ لكِ دوراً رئيسياً في تفضيلي تضاريس جبلاً معيناً يأخذ شكل نهدكِ الأيسر. و وأنا متأكد أنّ لكِ دوراً في الإنقلابات الفصليّة الحاصلة في نظام حياتي، وفي تولّي جمعية الإتحاد والترقي الحكم العثماني (ودوراً في إعجابي بالإسم)، وفي كلّ اتحادٍ مضى، ورقيّ يأتي. وأنا متأكد أنّ لكِ دوراً في كسوف نجمي، وسطوع أملى. وأنا متأكد أنّكِ لا بدّ متهمة بشيءٍ ما على الأقل، وأجزم أنّكِ كنت يوماً في خانة شطرنج وقتلتِ فيها الشاه، وعلى ذلك سأعاقبكِ بوضعك في قفص الإتهام. ولكلّ هذه الأمور، حضرة القاضية المتهمة، سأجول كلّ محاكم العالم بحثاً عنكِ.

أبحث عنكِ في محطة الوقود، وموقد الحطب، وحطب الأشجار، وشجيرات صدري، وصدر الغرف، وغرفة الدقيق، ودقّة الساعات، تلك الساعات التي يضعونها في محطات قطار الحياة. أبحث عنكِ في كراسي متعبة من شكلها الهندسي، وفي شبابيك اخترقتها رصاصات، وعشعش فيها السنونو. أبحث عنكِ في أثاث معرض مفروشات يملكه صديق، وفي آلاتٍ موسيقيّة تعبق بالحياة في معاهد الكونسرفاتوار. أبحث عنكِ في حقائب السيدات الجلديّة يحمونها كحماية شرفٍ رخيص. أبحث عنكِ في زند فتاة تربطه بساعة ذهبية كي لا يقع من يدها، وفي كعبٍ عالٍ أسود ترتديه صبية لتشارك في تظاهرة لأجل غزة.

أبحث عنكِ في هتافات يرددها المحتجّون، وعيون شرطة مكافحة الشغب، والحافة الداخلية من خراطيم المياه. أبحث عنكِ في يدٍ مكسورة لطالبٍ ثانويّ يرسله المدير إلى مستشفى حاملاً بوليصة تأمين انتهت مهلة صلاحيتها. أبحث عنكِ في انحناء أوراق الشجر لغناء ريحٍ قادمة من أرض المياه. أبحث عنكِ في تمرّد رجلٍ يميّز الحق من الباطل.

أبحث عنكِ في أمور نهملها لأننا التهينا بالأحدث من نوعها، بملابس ضاقت بنا، وألعابٍ كبرنا عليها، وفضلات طعامٍ فاخر تمّ إعداده لوليمة، إمّا نرميه وإمّا يأكله غيرنا. أبحث عنكِ بين رأس القلم ورحم الورقة، وبين الأزرق يعبر فوق الأبيض برسومٍ إرتضينا تسمييتها لغة. أبحث عنكِ بين قلمٍ وورقة، وبين خواطرعقلٍ و ذكريات قلبٍ، وبين الأنامل.

3 thoughts on “أبحث عنكِ III

  1. تنبيه: أبحث عنكِ IV « خربشات بيروتية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s