صحراء في باريس


أسعد ذبيـان

تجلس الصحراء على مقعدٍ في باريس
يبهرها الليل المضيء
هي التي اعتادت لهيب الشمس

تجلس الصحراء على مقعد
تقف،
تمشي، وتمشي، ولا تسرع!

في باريس، في أمستردام، في أوروبا
بعيداً عن الصحراء
يبنى برجٌ جديد
ليس من اسمنتٍ، ولا معدنٍ، ولا رخام
ليس بـ إيبيزا ولا إيفل..
ليس سوى بعض الكلام

تمشي الصحراء التي عانقت بابل
تتذكر فعل الله الذي فرّق الألسن
تهزأ من الألفي عام
ماكينة واحدة في مترو حقير
تنطق بلغات الأرض كلها.

تمشي الصحراء بجانب بشرٍ
لا ينظرون إلى الخلف
لا ينظرون للأمام..
يمشي الناس مغمضي العينين
وحدها عدسات الكاميرا تستخدم للرؤية
لا رؤيا، ولا أنبياء هناك!

تمشي الصحراء، فتسمع بين الفينة والفينة
جميلٌ يغازل بثينة!
تلتفت، تبتسم، تحنّ إلى أيام ثمود وعاد
إلى قريش وإرم ذات العماد
إلى العباس وذاك العهد
أو قرطاج المجد!
تبتسم، تدمع، تتذكّر
آرثر، وديغول، ونابوليون..

تمشي الصحراء على ضفاف النهر
لتروي قدميها..
تخاطبه: عندك الهوت وعندي المغول
عند قدميك حفظ الملوك في الأرشيف
وعندي: (بادشاهم جوق يا شاه).
عاش الملك، عاش السلطان
مات الشعب!

تمشي الصحراء في الشوارع
تقف عند الضوء الأحمر
لم تعهد في عمرها سوى ريحٍ ورمال

كانت صحراء عطشى..
لم تذق الماء طوال عام
بالكاد سقط عليها رذاذ
من جعبة حفيدة الطوارق!

كانت الصحراء تمشي
في بلاد المطر
وهي صحراءُ تودّ أن تلج اليم
حتى تفنى فيه
أن تطفئ احتراقها من داخلها
في داخله
أن تمدّ رمالها رمحاً
يخترق كبد البحر
حتى يجف الماء، أو ينتهي العطش.

كانت تريد أن تداعب القطرات
ومعانقة شفاه الضفتين
تلك الضفاف المكتنزة،
الممتلئة بالرؤوس والخلجان..

كانت صحراء لم تذق إلا نادراً تفاح أوروبا ورمانها
كانت صحراء قاحلة، جافة
لا يقطنها سوى الغبار والصبّار!

في الأمس، عصروها
ليأخذوا الذهب والناس والبترول
والتاريخ
والعلوم
والدين
والإنسان!

في الأمس، عصروها
لتدرّ لهم لبناً.. وهي حلوب
في الأمس، عصروها
وهي كريمةٌ، لا تردّ سائلاً
في الأمس، عصروها
فسال منها ذاك القطر الشهيّ
في الأمس، صرخوا عندما تحرّكت فوقهم
تأوهوا عندما أتت عليهم.

تمشي الصحراء في الشارع
تجرّ خلفها ماضٍ أصفر..
جاءت إلى أرض المطر جائعة
تودّ التهام الشجر
تودّ التهام البشر

تتنقّل الصحراء في قطار
هو الذي كان يمشي عليها..
هو الذي جاء بالآخرين إليها
هو الذي أخذ الباقين عنها..
تجلس في مقعدٍ لتمتزج بصحارىٍ أخرى
من كل أصقاع العالم
منهم من ولد بين القطراتِ جافاً
ومنهم من يبست فيه ينابيعه

تمشي الصحراء في ماضيها
فتدرك عيوبها..
هي صحراء تمتد وتتمدد، دون أن تقف لتفكّر
لا مجرى لها، لا حدود لها
لا خريطة تحويها، لا معالم تقف عندها
بينما المياه دوماً تجري في جداول
ومواعيد..
وتعرف مصبّها!
هي صحراء لا تدوّن في السجلاّت من قطنها
ولا تحقظ التاريخ
ولا تعلّبه في المتاحف!
هي مجرّد صحراء ليستغلوها..

باريس 24-10-2009

8 thoughts on “صحراء في باريس

  1. ما هو السرّ الذي يمنح الصحراء حقّ وجودها في كلّ مكانٍ و زمان.. و يعطي لبابل الحقّ بالطيران عبر الغيوم و الأيام؟

    هل هو باريس؟

    • ماذا لا يكون السؤال هلى عذا المنوال؟
      “ما هو السر الذي يمنح الإنسان حق التواجد في كل مكان.. ويعطي الأمكنة حق سرقته إليها وارتفاعه لفوق الغيوم والأيام”

      هل هو العقل؟ أم الروح أم أنّه الشعر؟

  2. حتى الصحراء عانقت باريس و صخبت هناك
    اخاف ان التقي بالصحراء امام باب احد السفارات تطلب اللجوء السياسي
    فكرك شو بالنسبة النا من غير صحرا فكرك بنستمر ؟؟؟

    رائعة بكل المقايس قراتها اكثر من مرة
    تحية

    • سلام جفرا – كلك ذوق
      دائماً بتخجلني

      مش عارف إذا فينا نستمر من دون الصحراء
      بس بعرف إنو ما فيي إستمر من دون التفاح وعصير العنب
      (حواء والكحول)

      مع محبتي

  3. القصيدة رائعة..
    ولكن لماذا لم تتطرق الى أنه هل سنضيع ونتيه في هذه الصحراء يوما ؟؟ ..
    هي تود التهام البشر !! .. ولكن أنا أرى بأننا سنصل لمرحلة نحن البشر من سنلتهمها .. ولربما هي أقل وأرخض شيء يمكن أن نلتهمه لطمعنا بالنسبة لأشياء أكبر وأعظم ..
    felicitation asaad😀 …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s