خلي عينك على الإنتخابات


ترة زرقاء اللون، عين مفتوحة مطبوعة على الظهر، مصباح، كاميرا، هي المعدّات التي تسلّح بها الشباب اللبناني بوجه الماكينات الإنتخابية المختلفة الساعية أبداً للغش والتزوير. لم يصوّت الكثير من الموتى في الإنتخابات الماضية على غرار سابقاتها، ولم يشهر أحد الطائفيين "الليستا" أمام الكاميرات بعنترية ووقاحة تتحدى القانون. ولمن يعود الفضل؟ لشبانٍ وشابات آمنوا بأنّ تحقيق الشفافيّة والعدالة والرقابة الإنتخابيّة، هي أساس الديمقراطية في دولة حرية التعبير. لم يغمض لهم جفنٌ عندما توجّه وجهاء الدولة إلى الدوحة، فانتظروهم أمام مداخل منازلهم، ومكاتبهم، وفي المطار، ليثمر مجهودهم عن إصلاحات جزئيّة، كانت كافية لتشرعن عملية المراقبة الإنتخابية.  انتسب عبد خطّاب (20 سنة) إلى الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الإنتخابات في العام 2005، وشارك في مراقبة الإنتخابات النيابية (دورتي 2005 و2009) والانتخابات في بعض النقابات وحتّى الجامعيّة منها. وأعاد عبد سبب مشاركته في مراقبة الإنتخابات النيابية المنصرمة إلى ان "استغلال الأحزاب السياسية لضعف المواطنين استفزني، فقررت أن أكون جزءاً من عملية المراقبة لأرضي ضميري وأشارك في تحقيق الشفافية". واعتبر عبد أنّ هذا العمل يضيف خبرة على عود الشباب الطري، ويدخله إلى المعمعات السياسية التي يصبح بمقدوره فهمها أكثر والاستهزاء بصورتها المزيفة في الإعلام بعد الاحتكاك بها على أرض الواقع. "أصبحت الأحزاب السياسية تخاف منا نحن المراقبين، وتنتظر تقاريرنا. هي مجرّد بذرة نزرعها الآن لتثمر في المستقبل"، يضيف عبد. ثم يسرد لنا بعض تفاصيل المخالفات في اليوم الإنتخابي في المتن: "قرر أحد رؤساء الأقلام أن يأخذ استراحة غداء وتأدية فريضة الصلاة، فأقفل الصندوق وخرج، كان الناس مصطفين بطوابير طويلة والزحمة خانقة". ويكمل "وفي محلّة أخرى، قرر بعض الشباب أصحاب النخوة أن يحملوا شخصاً من ذوي الحاجات الخاصة وهو على كرسيه المتحرك إلى الطابق الأول ليدلي بصوته، وعندما قام بدوره في المبايعة لزعيمهم، تركوه في الطابق العلوي وغادروا". لم يكن المبنى مزوداً بوسائل تتيح لذوي الحاجات الخاصة التحرّك، فانتظر أن يساعده المراقبون ليعود إلى منزله. - أمّا عاصم شيا (34 سنة) فقد كان منسقاً لدائرة الشوف الإنتخابية من قبل الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الإنتخابات. "كان عملي يشمل مراقبة الحملة الإنتخابية من إعلانات ودعايات وصور وتصاريح، بالإضافة إلى اليوم الإنتخابي الطويل حتى الفرز،  ناهيك عن استقطاب متطوعين وتدريبهم" يشرح عاصم. ويقول أنّه تمّ استقطاب 300، تدرب 170 منهم وشارك 135 في المراقبة يوم الإنتخابات. وكان معظم هؤلاء من الفئة العمرية الشابة (تحت ال25) وسجلوا مخالفات ورفعو تقارير. ويوضح عاصم أنّ هذه المهمة استهوته كونه درس العلوم السياسية ولأنّه يؤمن بأنّ الرقابة مقسّمة إلى مراقبة، فتحليل، فطرح إصلاحات، ولذلك تحتّم عليه التواجد أثناء الحدث مراقباً ليقوم فيما بعد باستخلاص العبر. ويضيف عاصم أنّ هذه التجربة أكسبته خبرة في التعاطي مع الأفراد، وقناعة بأنّ الأحزاب السياسية تستغل الطوائف للوصول إلى أهداف شخصية وأيدولوجية معينة. ويتوقّع أن تثمر المراقبة الشعبية والتنظيمية للمجتمع المدني نتائج جيدة أكثر في المستقبل ولكنّه يأمل إيجاد هيئة مستقلة لمراقبة الإنتخابات عساها تأخذ قرارات بعيداً عن أهواء السلطة.  "يقضي منصب مسؤول المخالفات بتسجيل المخالفات من قدح وذم، وتشهير، ورصد الدعاية في الأمكنة غير المخصصة لها، وإقامة المهرجانات الإنتخابية في المؤسسات العامة والدينية"، بهذه الكلمات يشرح يوسف الحاج علي (27 سنة) عمله أثناء الإنتخابات النيابية الماضية. قام وزملاؤه بتسجيل العديد من المخالفات، وتمّ نشرها في تقارير أسبوعية، عدا عن الأمور الطارئة التي أبلغوا المرجعيات (وزارة الداخلية) عنها. يعتبر يوسف أن "وعي الناس زاد حول المخالفات، وأنّ الماكينات الإنتخابية كانت حذرة فكانت تتصل بنا وتستشيرنا، لكن صلاحيتنا كانت متوقفة على التبليغ عن المخالفة لا التحرك إزاءها". يؤمن يوسف اليوم أكثر بجدوى المراقبة لأنّها حاجة لانتخابات ديمقراطية. وقد ذكر أنّ عمل المراقبين في التبليغ عن المخالفات قد أدّى إلى عزل "رئيس بلدية ومختار واحد (على الأقل) من منصبه في مدينة زحلة نتيجة التزوير". ويختم أنّه لولا بعض الإصلاحات التي أقرّت نتيجة ضغط المجتمع المدني لكانت النتائج ستكون مغايرة أكثر، وكل زعيم تصرف على هواه في منطقته.  وبالانتقال إلى سميحة شعبان (27 سنة) التي كانت مسؤولة عن تدريب المتطوعين من خلال ثلاث ورش عمل، الأولى حول القوانين الإنتخابية وأخلاقيات المراقب، والثانية حول أدوات وتقنيات توثيق المخالفات، والثالثة متعلقة بالأخبار العاجلة المشفرة من أجل المخالفات الطارئة في يوم الانتخابات. تقول إنّها في العادة تراقب "الانتحابات عبر شاشة التلفاز، ولكن هذه التجربة الفريدة سمحت لي بالقيام بدوري لأنني أؤمن بالمحاسبة وتطبيق القانون". وتضيف عن الخبرات التي اكتسبتها "استفدت خبرة في التعاطي مع مختلف الأطراف السياسية والماكيناتت الحزبية، وقمنا باستقبال شكاوى المواطنين فشعرنا بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا". وتدعو سميحة الشباب اللبناني للمشاركة في المراقبة لأنّ القيام بتغيير إيجابي على أرض الواقع هو مسؤولية الجميع.  هذا نموذج مصغر لحالاتٍ شبابية قررت ألاّ تكتفي بالمراقبة من خلف الإعلام المسيّس والنظرات الحاجبة للواقع، بل قررت أن تصنع الحدث بنفسها. شبانٌ أداروا عملية المراقبة قبل أن يدير المجلس الدستوري ظهره في وجه المخالفات التي جمعوها وفندوها، وقبل أن يدير مجلس النواب عينيه عن مظاهراتهم الداعية لخفض سن الإقتراع. أراد البعض أن "يكمّ" أوراقهم عن التصويت في الصندوق الشفاف، فقرروا أن يردوا الصاع صاعين، ويفضحوا أوراقه المزورة.

سترة زرقاء وعين مفتوحة

أسعد ذبيـان

سترة زرقاء اللون، عين مفتوحة مطبوعة على الظهر، مصباح، كاميرا، هي المعدّات التي تسلّح بها الشباب اللبناني بوجه الماكينات الإنتخابية المختلفة الساعية أبداً للغش والتزوير. لم يصوّت الكثير من الموتى في الإنتخابات الماضية على غرار سابقاتها، ولم يشهر أحد الطائفيين “الليستا” أمام الكاميرات بعنترية ووقاحة تتحدى القانون. ولمن يعود الفضل؟ لشبانٍ وشابات آمنوا بأنّ تحقيق الشفافيّة والعدالة والرقابة الإنتخابيّة، هي أساس الديمقراطية في دولة حرية التعبير. لم يغمض لهم جفنٌ عندما توجّه وجهاء الدولة إلى الدوحة، فانتظروهم أمام مداخل منازلهم، ومكاتبهم، وفي المطار، ليثمر مجهودهم عن إصلاحات جزئيّة، كانت كافية لتشرعن عملية المراقبة الإنتخابية.

انتسب عبد خطّاب (20 سنة) إلى الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الإنتخابات في العام 2005، وشارك في مراقبة الإنتخابات النيابية (دورتي 2005 و2009) والانتخابات في بعض النقابات وحتّى الجامعيّة منها. وأعاد عبد سبب مشاركته في مراقبة الإنتخابات النيابية المنصرمة إلى ان “استغلال الأحزاب السياسية لضعف المواطنين استفزني، فقررت أن أكون جزءاً من عملية المراقبة لأرضي ضميري وأشارك في تحقيق الشفافية”. واعتبر عبد أنّ هذا العمل يضيف خبرة على عود الشباب الطري، ويدخله إلى المعمعات السياسية التي يصبح بمقدوره فهمها أكثر والاستهزاء بصورتها المزيفة في الإعلام بعد الاحتكاك بها على أرض الواقع. “أصبحت الأحزاب السياسية تخاف منا نحن المراقبين، وتنتظر تقاريرنا. هي مجرّد بذرة نزرعها الآن لتثمر في المستقبل”، يضيف عبد. ثم يسرد لنا بعض تفاصيل المخالفات في اليوم الإنتخابي في المتن: “قرر أحد رؤساء الأقلام أن يأخذ استراحة غداء وتأدية فريضة الصلاة، فأقفل الصندوق وخرج، كان الناس مصطفين بطوابير طويلة والزحمة خانقة”. ويكمل “وفي محلّة أخرى، قرر بعض الشباب أصحاب النخوة أن يحملوا شخصاً من ذوي الحاجات الخاصة وهو على كرسيه المتحرك إلى الطابق الأول ليدلي بصوته، وعندما قام بدوره في المبايعة لزعيمهم، تركوه في الطابق العلوي وغادروا”. لم يكن المبنى مزوداً بوسائل تتيح لذوي الحاجات الخاصة التحرّك، فانتظر أن يساعده المراقبون ليعود إلى منزله.

أمّا عاصم شيا (34 سنة) فقد كان منسقاً لدائرة الشوف الإنتخابية من قبل الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الإنتخابات. “كان عملي يشمل مراقبة الحملة الإنتخابية من إعلانات ودعايات وصور وتصاريح، بالإضافة إلى اليوم الإنتخابي الطويل حتى الفرز،  ناهيك عن استقطاب متطوعين وتدريبهم” يشرح عاصم. ويقول أنّه تمّ استقطاب 300، تدرب 170 منهم وشارك 135 في المراقبة يوم الإنتخابات. وكان معظم هؤلاء من الفئة العمرية الشابة (تحت ال25) وسجلوا مخالفات ورفعو تقارير. ويوضح عاصم أنّ هذه المهمة استهوته كونه درس العلوم السياسية ولأنّه يؤمن بأنّ الرقابة مقسّمة إلى مراقبة، فتحليل، فطرح إصلاحات، ولذلك تحتّم عليه التواجد أثناء الحدث مراقباً ليقوم فيما بعد باستخلاص العبر. ويضيف عاصم أنّ هذه التجربة أكسبته خبرة في التعاطي مع الأفراد، وقناعة بأنّ الأحزاب السياسية تستغل الطوائف للوصول إلى أهداف شخصية وأيدولوجية معينة. ويتوقّع أن تثمر المراقبة الشعبية والتنظيمية للمجتمع المدني نتائج جيدة أكثر في المستقبل ولكنّه يأمل إيجاد هيئة مستقلة لمراقبة الإنتخابات عساها تأخذ قرارات بعيداً عن أهواء السلطة.

“يقضي منصب مسؤول المخالفات بتسجيل المخالفات من قدح وذم، وتشهير، ورصد الدعاية في الأمكنة غير المخصصة لها، وإقامة المهرجانات الإنتخابية في المؤسسات العامة والدينية”، بهذه الكلمات يشرح يوسف الحاج علي (27 سنة) عمله أثناء الإنتخابات النيابية الماضية. قام وزملاؤه بتسجيل العديد من المخالفات، وتمّ نشرها في تقارير أسبوعية، عدا عن الأمور الطارئة التي أبلغوا المرجعيات (وزارة الداخلية) عنها. يعتبر يوسف أن “وعي الناس زاد حول المخالفات، وأنّ الماكينات الإنتخابية كانت حذرة فكانت تتصل بنا وتستشيرنا، لكن صلاحيتنا كانت متوقفة على التبليغ عن المخالفة لا التحرك إزاءها”. يؤمن يوسف اليوم أكثر بجدوى المراقبة لأنّها حاجة لانتخابات ديمقراطية. وقد ذكر أنّ عمل المراقبين في التبليغ عن المخالفات قد أدّى إلى عزل “رئيس بلدية ومختار واحد (على الأقل) من منصبه في مدينة زحلة نتيجة التزوير”. ويختم أنّه لولا بعض الإصلاحات التي أقرّت نتيجة ضغط المجتمع المدني لكانت النتائج ستكون مغايرة أكثر، وكل زعيم تصرف على هواه في منطقته.

وبالانتقال إلى سميحة شعبان (27 سنة) التي كانت مسؤولة عن تدريب المتطوعين من خلال ثلاث ورش عمل، الأولى حول القوانين الإنتخابية وأخلاقيات المراقب، والثانية حول أدوات وتقنيات توثيق المخالفات، والثالثة متعلقة بالأخبار العاجلة المشفرة من أجل المخالفات الطارئة في يوم الانتخابات. تقول إنّها في العادة تراقب “الانتحابات عبر شاشة التلفاز، ولكن هذه التجربة الفريدة سمحت لي بالقيام بدوري لأنني أؤمن بالمحاسبة وتطبيق القانون”. وتضيف عن الخبرات التي اكتسبتها “استفدت خبرة في التعاطي مع مختلف الأطراف السياسية والماكيناتت الحزبية، وقمنا باستقبال شكاوى المواطنين فشعرنا بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا”. وتدعو سميحة الشباب اللبناني للمشاركة في المراقبة لأنّ القيام بتغيير إيجابي على أرض الواقع هو مسؤولية الجميع.

هذا نموذج مصغر لحالاتٍ شبابية قررت ألاّ تكتفي بالمراقبة من خلف الإعلام المسيّس والنظرات الحاجبة للواقع، بل قررت أن تصنع الحدث بنفسها. شبانٌ أداروا عملية المراقبة قبل أن يدير المجلس الدستوري ظهره في وجه المخالفات التي جمعوها وفندوها، وقبل أن يدير مجلس النواب عينيه عن مظاهراتهم الداعية لخفض سن الإقتراع. أراد البعض أن “يكمّ” أوراقهم عن التصويت في الصندوق الشفاف، فقرروا أن يردوا الصاع صاعين، ويفضحوا أوراقه المزورة.

على موقع حبر لبناني

One thought on “خلي عينك على الإنتخابات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s