“في وجوديّة الله”


أسعد ذبيـان

"في وجوديّة الله"  ثالوث الله – الدين – الطائفة   هناك خلط في مجتمعاتنا يتبيّن خلال النقاش بين ثلاثة أمور هي الدين، والله، والطائفة/المجتمع. فبينما المصطلح الأخير هو عبارة عن العادات والتقاليد والأحكام التي تربطنا بالأقارب والأصحاب والأصدقاء والزملاء (الذين في معظم الأحيان يكونون من طائفة واحدة) نتيجة الولادة في قرية أو محلة ذات لون واحد، والدين عبارة عن الإنتماء الأولي الذي لا خيار لنا فيه، بل يولد معنا، فإنّ الإبمان بالله هو موضوع شخصي يحدده الفرد بنفسه. ولكن يتبيّن خلال النقاش عن وجود الله أنّ العديد يقوم بالخلط بين المفاهيم فيحاجج بإمكانية وجود الله من خلال شواهد دينيّة (سور قرآنية أو توراتية أو إنجيلية)، كذلك من خلال ما تمّت تربيته عليه في بيئته العائلية أو الدراسيّة على أنّه الصواب الذي لا نقاش ولا لبس فيه. ويتم كثيراً الخلط بين المفاهيم الثلاثة عند عديدين لتشكّل عندهم مفهوماً واحداً متكاملاً وقناعة فكريّة لا تقبل التفصيل (آخذين بعين الإعتبار أنّ كلاً من المحاججين يسقط مفاهيم دينه الخاصة لهذا الإله – إن كان في السماء السابعة عند الإسلام، أو ثالوث الآب والإبن والروح القدس عند المسيحيين). وبالتالي تجد مؤمنين من طائفتين مختلفتين يناقشان بإمكانية وجود الله بالحجج نفسها على الرغم من أنّ إله كل واحد بينهما مختلف عن الآخر.    وللدلالة على الفرق بين الله – الدين – المجتمع، نجد العديدين من الأفراد الملحدين يقومومن بالواجبات الإجتماعية كالعزاء (على الرغم من أنّه يمكن لها أن تأخذ طابعاً دينياُ). كما نجد العديد من الطائفيين اللا مؤمنين أو غير الممارسي لأصول الدين (صلاة وزكاة وحج في الإسلام – الاعتراف، والعمادة، وزيارة الكنيسة نهار الأحد)، يدافعون بشراسة عن طائفتهم. هذا الدفاع لا يستند إلى وجود الله بل إلى غريزة التمسّك بالجماعة، والإنتماء الأولي. فيجدر بنا عند نقاش موضوع وجود الله أن نتمسّك بهذا الفصل الأولي لنستطيع تكملة النقاش. 			 النظريات الفلسفية حول وجود الله ودحضها   سأعمد فيما يلي إلى فصل عنصر أو فكرة وجود الله عن بقية الأمور المأخوذة من الدين أو من التقاليد للنقاش في إمكانية وجود الله فلسفياً.  قررت الكنيسة في القرون الوسطى وبعد خروج أصوات مشككة بوجود الله بجمع عدد من الكرادلة لوضع أسس يمكن البناء عليها في عملية المحاججة العقلية حول إمكانية وجود الله، ليخرج العديد من الأفكار والنقاشات الفلسفية التي تراوحت في منطقيتها وصمودها في الصراع الفكري حتّى اليوم، أبرزها:  -	منطق السبب الأوّل: تعتمد هذه النظرية على القول بأنّ هناك سبباً لكل شيئ، وبالتالي إذما أعدنا الأمور إلى بداياتها، وقمنا بتفصيل الأشياء بردها إلى ما سبقها (مثلاً الإنسان مكوّن من أعضاء، الأعضاء مكوّنة من  إنزيمات وجزيئات، هذه الجزيئات مكوّنة من إكترونات..) وقس على ذلك. فالكون أنشئ في البداية من شيئٍ سبقه، وهذا المنشئ الأولي هو الله. فقبل كل شيئ يمكن تعريفه بالبداية، يكمن الله!  قام الفيلسوف الإنكليزي (راسل) بنقض هذه النظرية قائلاً أنّه إذما كان كل شيئ في هذا الكون بحاجة إلى سبب، فإنّ الله بنفسه بحاجة إلى سبب. ولكن نحن قررنا إستثناؤه من هذه العمليّة، فيمكنه (أي راسل) أن يقدّم العمليّة خطوة واحدة للأمام، وبالتالي أن يكون لكل شيئ سبب إلا الكون، فأن يكون قائماُ بحد ذاته، ولا شيء قبله. إن صحّ الإستثتاء في حالة الله ومنع نسب السببية إليه، فما هو سبب منع نسب النسبيّة إلى الكون، إنّها مجرّد تطبيق الفكرة ذاتها على خطوة واحدة إلى الأمام.  -	منطق القانون الطبيعي وهو الذي يقضي بأنّ كل ما نجده اليوم من قوانين طبيعية (جاذبية، دوران الأفلاك، التوقيت، تحرك الإلكترونات داخل النواة، ..) هي نفسها في أي مكان في هذا الوجود. فتحرّك الإلكترونات على سبيل المثال في جزيئة كربون في مكانٍ ما بالقرب من بحيرة ميتشيغان في الولايات المتحدة هي ذاتها التحركات في جزيئة كربون في برازيليا أو زيمبابوي، وهي ذاتها أيضاً في جزيئة كربون خارج الغلاف الجوي الأرضي على كوكب آخر. وهذا التنظيم الدقيق يعني أنّ هناك مهندساً معيناً لهذه التحرّكات ألا وهو الله.  يأتي النقاش الفلسفي المعارض لهذه النظرية على هذه الشاكلة. هناك فارق كبير بين ما يسمّى القانون الطبيعي والقانون الإنساني، فالأخير عبارة عن تشريعات معيّنة يتم اعتمادها بغية وضع نظام يؤطر علاقات الأشخاص، بينما ما يصطلح بتسميته قانون طبيعي فهو ملاحظات عينيّة تكررت، واستوعبها العقل فوضعها في قانون. ففرضاً لو كانت الجاذبية تدفع إلى الأعلى لا الأسفل، فلكان القانون الطبيعي المعمول به والذي اكتشفه السير نيوتن معاكساً لما هو عليه اليوم. القانون إذاً عبارة عن استيعاب العقل للبشري للظواهر الطبيعيّة وبالتالي ليس نظاماً أو قانوناً معمول به من قبل مهندس ما. أمّا بالنسبة للإلكترونات في جزئية معينة، فهو أمر مماثل. فالقانون/الملاحظة الكيميائية المعمول بها حالياً تفضي بتوزيع أرقام هذه الإلكترونات حسب أفلاك دائريّة لا تعدو كونها ترجيحاً حسابياً (إذ إنّ الإلكترونات في حركة دائمة – ملايين المرّات في الثانية) وبالتالي فإنّ الإفتراض هو لما يمكن أن يكون قريب من الحقيقة/المنطق في هذه اللحظة). الموضوع برمته يعتمد على الإفتراض البشري والحسابات يتقبّلها المفهوم، وبالتالي لا قانون أعلى مفروض من مكانٍ ما أو شخصٍ ما في هذا الوجود. وإذما أردنا التسليم بمنطق اختيار هذه القوانين من قبل الله، فما هو المعيار لإختيارها هي من دون سواها؟! يمكن أن يأخذ الجواب شكلين، الأول يقضي بأنّ هذا الإختيار كان وليد الصدفة، عبثياً، ولا قاعدة له. هذا يعني بأنّ هناك أمور تمت بإرادة الله لغاية في نفسه، ما يعني غياب فكرة القانون الكوني، واستبدالها بالمزاج الكوني. أمّا في حين تمّ إختيار هذه القواعد لسبب معيّن وهو أنّها الخيار الأفضل، وأنّ الله اختارها لخيرها، فهذا يعني بأنّ الله مجبر على الاختيار/التركيبة ذاتها كلّ المرات، وبالتالي إنّ الخير هذا أهم من الله وانّ الله مجرّد مهندس لعمليات تنسيق الخير وتنظيمه لا أكثر، لا كونه مصدر الخير على حد اعتقاد المؤمنين.  -	نظرية التصميم وهي القاضية بأنّ كل ما نعرفه اليوم في هذه الحياة معد بطريقة مناسبة لنا تماماً (الأوكسيجن – الهواء – الشمس – الحرارة والبرودة – الليل والنهار – الطعام – اللباس..) وغيرها من الأمور التي تبدو معدّة خصيصاً للحياة البشريّة، ما يفترض وجود الله الذي نظم هذه الأمور جميعها للبشريّة.  دحض هذه النظرية العالم داروين (الانتقاء الطبيعي). ويبدو أنّ الناس لا يفقهون من هذه النظريّة سوى أن ينسبوا إليها بأنّ الإنسان أصله من القردة. ولكن حقيقة النظريّة هي في التفسير بأنّ كل الأمور الحيّة خاضعة للتطور الطبيعي وعملية البقاء للأصلح. سنأخذ مثالاً الزرافة، فكما هو معروف أنّها حيواناً نباتياً وعندما بدأ مأكلها ينفذ عن الطبقات السفلى من الأشجار نتيجة المنافسة من قبل حيوانات أخرى، بدأ الإنتقاء الطبيعي يلعب دوره في ضعف الزرافات ذات الرقاب القصيرة حتى موتها، في مقابل تزواج الزرافات الأخرى التي تحصل على قوتها، وبالتالي إنجاب أجيال تتمتع بجينات فيها خصائص الرقاب الطويلة.  كذلك الدببة، فنجد أنّ ألاسكا تحوي على البيضاء اللون منها فحسب، بينما يمكن أن تجد دبباً سوداء أو بنية اللون في مناطق أقل برودة تكثر فيها الأشجار. السبب يعود إلى أنّ الدب الأبيض قادر على التماهي مع لون المحيط وبالتالي الحصول على قوته اليومي على عكس الدب الغامق اللون الذي يمكن تحديده عن بعيد وبالتالي هرب الضحية منه. هذا الواقع دفع بالدببة البيضاء إلى التكاثر وزيادة عددها كونها كانت تتمتّع بصحة وقدرة على الإنجاب، بينما اندثرت الدببة الملونة.  أمّا عند الكائن البشري، فمعروف أنّ العضو التناسلي لدى السود في إفريقيا أطول من ذاك لدى البيض في أوروبا. أثبتت البحوث العلميّة أنّ الحرارة العالية تؤثر على عمليّة إنتاج السائل المنوي عند الذكور، وبالتالي فإنّ قاطني الأراضي القريبة من خط الإستواء كانوا في البداية لا يمتلكون القدرة على تخصيب نساءهم نتيجة ضعف إنتاج السائل المنوي. ولكن أصحاب الأعضاء التناسلية الأطول كانت لهم ميزة من خلال القدرة للوصول إلى أعماق رحم المرأة وتخصيبها. هذا الأمر كفل توريث الجينات الذكورية للعضو التناسلي الطويل للأجيال القادمة، فيما فقد أصحاب الأعضاء التناسلية القصيرة الحجم القدرة على التكاثر.على عكس الحاجة لهذه الأعضاء التناسلية الأطول حجماً في الأقاليم المناخيّة الأقل حرارة. هذه النظرية العلميّة المنطقيّة التي تؤمن بالانتقاء الطبيعي وبالتالي قيام الطبيعة (أي الحاجات والمقومات) باختيار الأجناس القادمة من السلالة ذاتها، دحضت فكرة أن يكون العالم معد لنا، بل على العكس، نقوم نحن كبشر بإعداد أنفسنا من أجل هذا العالم. وبالتالي فلو كانت الأرض على شاكلة أخرى، لكنّا كجنس بشري طوّرنا قدراتنا ونمط حياتنا بما يتوافق مع ما هو سائد، ما يعني بطلان نظرية التصميم الفريد المعد خصيصاُ لنا!  الإيمان والفلسفة يعتبر البعض أنّه ليس بحاجة إلى نظريات فلسفيّة ليؤمن بالله، وبالتالي فإنّ الإقتناع الديني ناتج عن محض علاقة رضى وتسليم ولانقاش، بل هو إيمان مطلق بأنّ هناك من هندس الكون، ومن يعطينا القدرة على الحياة. وهنا لا يمكن لأي شخص آخر أن ينكر على الباقين اعتقاداتهم أو التسليم بها، ولكن يناقش راسل بالتالي: أريد أن أفترض أنّ هناك إبريقاً صغيراً لا مرئياً من الشاي يدور حول كوكب زحل، وأنّه لفي متناهى الصغر بحيث لا يمكن لأقوى التلسكوبات أن تحدده. سيناقش البعض أنّ هذا الإبريق غير موجود، ولكن لا يمكن لأحد أن يفرض على هذا الفيلسوف أنّ قناعاته في غير محلها، لأنّ الموضوع محض إيمان. وقس على ذلك إيمان يمكن لأي شخص أن يبني عليه أفكاره.  الغاية  لا تحاول هذه القراءة السريعة للنظريات الفلسفيّة والمعارضة لها عن فكرة وجود الله أن تحاول إثبات وجود الخالق من عدمه. إنّها مجرّد محاولة  لتسليط الضوء على وجهتي نظر في موضوع شائك، وبالتالي عدم تسليم العقل إلى أحكام "الدوغما" والـ "نفذ دون أن تعترض". كما أنّ هذه القراءة تحاول حضّ الطرفين للجوء إلى الفلسفة والنقاش الحضاري بغية تثبيت الفكرة في العقول. فلكل مؤمن ولكل مشكك أو ملحد في هذه المقالة سلاحه الفكري، الذي يجب استخدامه في النقاش عوضاً عن التكفير (عند المؤمنين لمن لا يسيرون معهم على نفس الدرب) أو السخرية (عند الملحدين الذين ينظرون لأنفسهم بعين الرفعة). هناك دائماً ثلاثة وجهات نظر، وجهة نظري، ووجهة نظرك، والأدلّة.


ثالوث الله – الدين – الطائفة

هناك خلط في مجتمعاتنا يتبيّن خلال النقاش بين ثلاثة أمور هي الدين، والله، والطائفة/المجتمع. فبينما المصطلح الأخير هو عبارة عن العادات والتقاليد والأحكام التي تربطنا بالأقارب والأصحاب والأصدقاء والزملاء (الذين في معظم الأحيان يكونون من طائفة واحدة) نتيجة الولادة في قرية أو محلة ذات لون واحد، والدين عبارة عن الإنتماء الأولي الذي لا خيار لنا فيه، بل يولد معنا، فإنّ الإبمان بالله هو موضوع شخصي يحدده الفرد بنفسه. ولكن يتبيّن خلال النقاش عن وجود الله أنّ العديد يقوم بالخلط بين المفاهيم فيحاجج بإمكانية وجود الله من خلال شواهد دينيّة (سور قرآنية أو توراتية أو إنجيلية)، كذلك من خلال ما تمّت تربيته عليه في بيئته العائلية أو الدراسيّة على أنّه الصواب الذي لا نقاش ولا لبس فيه. ويتم كثيراً الخلط بين المفاهيم الثلاثة عند عديدين لتشكّل عندهم مفهوماً واحداً متكاملاً وقناعة فكريّة لا تقبل التفصيل (آخذين بعين الإعتبار أنّ كلاً من المحاججين يسقط مفاهيم دينه الخاصة لهذا الإله – إن كان في السماء السابعة عند الإسلام، أو ثالوث الآب والإبن والروح القدس عند المسيحيين). وبالتالي تجد مؤمنين من طائفتين مختلفتين يناقشان بإمكانية وجود الله بالحجج نفسها على الرغم من أنّ إله كل واحد بينهما مختلف عن الآخر.

وللدلالة على الفرق بين الله – الدين – المجتمع، نجد العديدين من الأفراد الملحدين يقومومن بالواجبات الإجتماعية كالعزاء (على الرغم من أنّه يمكن لها أن تأخذ طابعاً دينياُ). كما نجد العديد من الطائفيين اللا مؤمنين أو غير الممارسي لأصول الدين (صلاة وزكاة وحج في الإسلام – الاعتراف، والعمادة، وزيارة الكنيسة نهار الأحد)، يدافعون بشراسة عن طائفتهم. هذا الدفاع لا يستند إلى وجود الله بل إلى غريزة التمسّك بالجماعة، والإنتماء الأولي. فيجدر بنا عند نقاش موضوع وجود الله أن نتمسّك بهذا الفصل الأولي لنستطيع تكملة النقاش.

النظريات الفلسفية حول وجود الله ودحضها

سأعمد فيما يلي إلى فصل عنصر أو فكرة وجود الله عن بقية الأمور المأخوذة من الدين أو من التقاليد للنقاش في إمكانية وجود الله فلسفياً.

قررت الكنيسة في القرون الوسطى وبعد خروج أصوات مشككة بوجود الله بجمع عدد من الكرادلة لوضع أسس يمكن البناء عليها في عملية المحاججة العقلية حول إمكانية وجود الله، ليخرج العديد من الأفكار والنقاشات الفلسفية التي تراوحت في منطقيتها وصمودها في الصراع الفكري حتّى اليوم، أبرزها:

–         منطق السبب الأوّل: تعتمد هذه النظرية على القول بأنّ هناك سبباً لكل شيئ، وبالتالي إذما أعدنا الأمور إلى بداياتها، وقمنا بتفصيل الأشياء بردها إلى ما سبقها (مثلاً الإنسان مكوّن من أعضاء، الأعضاء مكوّنة من  إنزيمات وجزيئات، هذه الجزيئات مكوّنة من إكترونات..) وقس على ذلك. فالكون أنشئ في البداية من شيئٍ سبقه، وهذا المنشئ الأولي هو الله. فقبل كل شيئ يمكن تعريفه بالبداية، يكمن الله!

قام الفيلسوف الإنكليزي (راسل) بنقض هذه النظرية قائلاً أنّه إذما كان كل شيئ في هذا الكون بحاجة إلى سبب، فإنّ الله بنفسه بحاجة إلى سبب. ولكن نحن قررنا إستثناؤه من هذه العمليّة، فيمكنه (أي راسل) أن يقدّم العمليّة خطوة واحدة للأمام، وبالتالي أن يكون لكل شيئ سبب إلا الكون، فأن يكون قائماُ بحد ذاته، ولا شيء قبله. إن صحّ الإستثتاء في حالة الله ومنع نسب السببية إليه، فما هو سبب منع نسب النسبيّة إلى الكون، إنّها مجرّد تطبيق الفكرة ذاتها على خطوة واحدة إلى الأمام.

–         منطق القانون الطبيعي وهو الذي يقضي بأنّ كل ما نجده اليوم من قوانين طبيعية (جاذبية، دوران الأفلاك، التوقيت، تحرك الإلكترونات داخل النواة، ..) هي نفسها في أي مكان في هذا الوجود. فتحرّك الإلكترونات على سبيل المثال في جزيئة كربون في مكانٍ ما بالقرب من بحيرة ميتشيغان في الولايات المتحدة هي ذاتها التحركات في جزيئة كربون في برازيليا أو زيمبابوي، وهي ذاتها أيضاً في جزيئة كربون خارج الغلاف الجوي الأرضي على كوكب آخر. وهذا التنظيم الدقيق يعني أنّ هناك مهندساً معيناً لهذه التحرّكات ألا وهو الله.

يأتي النقاش الفلسفي المعارض لهذه النظرية على هذه الشاكلة. هناك فارق كبير بين ما يسمّى القانون الطبيعي والقانون الإنساني، فالأخير عبارة عن تشريعات معيّنة يتم اعتمادها بغية وضع نظام يؤطر علاقات الأشخاص، بينما ما يصطلح بتسميته قانون طبيعي فهو ملاحظات عينيّة تكررت، واستوعبها العقل فوضعها في قانون. ففرضاً لو كانت الجاذبية تدفع إلى الأعلى لا الأسفل، فلكان القانون الطبيعي المعمول به والذي اكتشفه السير نيوتن معاكساً لما هو عليه اليوم. القانون إذاً عبارة عن استيعاب العقل للبشري للظواهر الطبيعيّة وبالتالي ليس نظاماً أو قانوناً معمول به من قبل مهندس ما. أمّا بالنسبة للإلكترونات في جزئية معينة، فهو أمر مماثل. فالقانون/الملاحظة الكيميائية المعمول بها حالياً تفضي بتوزيع أرقام هذه الإلكترونات حسب أفلاك دائريّة لا تعدو كونها ترجيحاً حسابياً (إذ إنّ الإلكترونات في حركة دائمة – ملايين المرّات في الثانية) وبالتالي فإنّ الإفتراض هو لما يمكن أن يكون قريب من الحقيقة/المنطق في هذه اللحظة). الموضوع برمته يعتمد على الإفتراض البشري والحسابات يتقبّلها المفهوم، وبالتالي لا قانون أعلى مفروض من مكانٍ ما أو شخصٍ ما في هذا الوجود.

وإذما أردنا التسليم بمنطق اختيار هذه القوانين من قبل الله، فما هو المعيار لإختيارها هي من دون سواها؟! يمكن أن يأخذ الجواب شكلين، الأول يقضي بأنّ هذا الإختيار كان وليد الصدفة، عبثياً، ولا قاعدة له. هذا يعني بأنّ هناك أمور تمت بإرادة الله لغاية في نفسه، ما يعني غياب فكرة القانون الكوني، واستبدالها بالمزاج الكوني. أمّا في حين تمّ إختيار هذه القواعد لسبب معيّن وهو أنّها الخيار الأفضل، وأنّ الله اختارها لخيرها، فهذا يعني بأنّ الله مجبر على الاختيار/التركيبة ذاتها كلّ المرات، وبالتالي إنّ الخير هذا أهم من الله وانّ الله مجرّد مهندس لعمليات تنسيق الخير وتنظيمه لا أكثر، لا كونه مصدر الخير على حد اعتقاد المؤمنين.

–         نظرية التصميم وهي القاضية بأنّ كل ما نعرفه اليوم في هذه الحياة معد بطريقة مناسبة لنا تماماً (الأوكسيجن – الهواء – الشمس – الحرارة والبرودة – الليل والنهار – الطعام – اللباس..) وغيرها من الأمور التي تبدو معدّة خصيصاً للحياة البشريّة، ما يفترض وجود الله الذي نظم هذه الأمور جميعها للبشريّة.

دحض هذه النظرية العالم داروين (الانتقاء الطبيعي). ويبدو أنّ الناس لا يفقهون من هذه النظريّة سوى أن ينسبوا إليها بأنّ الإنسان أصله من القردة. ولكن حقيقة النظريّة هي في التفسير بأنّ كل الأمور الحيّة خاضعة للتطور الطبيعي وعملية البقاء للأصلح. سنأخذ مثالاً الزرافة، فكما هو معروف أنّها حيواناً نباتياً وعندما بدأ مأكلها ينفذ عن الطبقات السفلى من الأشجار نتيجة المنافسة من قبل حيوانات أخرى، بدأ الإنتقاء الطبيعي يلعب دوره في ضعف الزرافات ذات الرقاب القصيرة حتى موتها، في مقابل تزواج الزرافات الأخرى التي تحصل على قوتها، وبالتالي إنجاب أجيال تتمتع بجينات فيها خصائص الرقاب الطويلة.

كذلك الدببة، فنجد أنّ ألاسكا تحوي على البيضاء اللون منها فحسب، بينما يمكن أن تجد دبباً سوداء أو بنية اللون في مناطق أقل برودة تكثر فيها الأشجار. السبب يعود إلى أنّ الدب الأبيض قادر على التماهي مع لون المحيط وبالتالي الحصول على قوته اليومي على عكس الدب الغامق اللون الذي يمكن تحديده عن بعيد وبالتالي هرب الضحية منه. هذا الواقع دفع بالدببة البيضاء إلى التكاثر وزيادة عددها كونها كانت تتمتّع بصحة وقدرة على الإنجاب، بينما اندثرت الدببة الملونة.

أمّا عند الكائن البشري، فمعروف أنّ العضو التناسلي لدى السود في إفريقيا أطول من ذاك لدى البيض في أوروبا. أثبتت البحوث العلميّة أنّ الحرارة العالية تؤثر على عمليّة إنتاج السائل المنوي عند الذكور، وبالتالي فإنّ قاطني الأراضي القريبة من خط الإستواء كانوا في البداية لا يمتلكون القدرة على تخصيب نساءهم نتيجة ضعف إنتاج السائل المنوي. ولكن أصحاب الأعضاء التناسلية الأطول كانت لهم ميزة من خلال القدرة للوصول إلى أعماق رحم المرأة وتخصيبها. هذا الأمر كفل توريث الجينات الذكورية للعضو التناسلي الطويل للأجيال القادمة، فيما فقد أصحاب الأعضاء التناسلية القصيرة الحجم القدرة على التكاثر.على عكس الحاجة لهذه الأعضاء التناسلية الأطول حجماً في الأقاليم المناخيّة الأقل حرارة.

هذه النظرية العلميّة المنطقيّة التي تؤمن بالانتقاء الطبيعي وبالتالي قيام الطبيعة (أي الحاجات والمقومات) باختيار الأجناس القادمة من السلالة ذاتها، دحضت فكرة أن يكون العالم معد لنا، بل على العكس، نقوم نحن كبشر بإعداد أنفسنا من أجل هذا العالم. وبالتالي فلو كانت الأرض على شاكلة أخرى، لكنّا كجنس بشري طوّرنا قدراتنا ونمط حياتنا بما يتوافق مع ما هو سائد، ما يعني بطلان نظرية التصميم الفريد المعد خصيصاُ لنا!

الإيمان والفلسفة

يعتبر البعض أنّه ليس بحاجة إلى نظريات فلسفيّة ليؤمن بالله، وبالتالي فإنّ الإقتناع الديني ناتج عن محض علاقة رضى وتسليم ولانقاش، بل هو إيمان مطلق بأنّ هناك من هندس الكون، ومن يعطينا القدرة على الحياة. وهنا لا يمكن لأي شخص آخر أن ينكر على الباقين اعتقاداتهم أو التسليم بها، ولكن يناقش راسل بالتالي: أريد أن أفترض أنّ هناك إبريقاً صغيراً لا مرئياً من الشاي يدور حول كوكب زحل، وأنّه لفي متناهى الصغر بحيث لا يمكن لأقوى التلسكوبات أن تحدده. سيناقش البعض أنّ هذا الإبريق غير موجود، ولكن لا يمكن لأحد أن يفرض على هذا الفيلسوف أنّ قناعاته في غير محلها، لأنّ الموضوع محض إيمان. وقس على ذلك إيمان يمكن لأي شخص أن يبني عليه أفكاره.

الغاية

لا تحاول هذه القراءة السريعة للنظريات الفلسفيّة والمعارضة لها عن فكرة وجود الله أن تحاول إثبات وجود الخالق من عدمه. إنّها مجرّد محاولة  لتسليط الضوء على وجهتي نظر في موضوع شائك، وبالتالي عدم تسليم العقل إلى أحكام “الدوغما” والـ “نفذ دون أن تعترض”. كما أنّ هذه القراءة تحاول حضّ الطرفين للجوء إلى الفلسفة والنقاش الحضاري بغية تثبيت الفكرة في العقول. فلكل مؤمن ولكل مشكك أو ملحد في هذه المقالة سلاحه الفكري، الذي يجب استخدامه في النقاش عوضاً عن التكفير (عند المؤمنين لمن لا يسيرون معهم على نفس الدرب) أو السخرية (عند الملحدين الذين ينظرون لأنفسهم بعين الرفعة). هناك دائماً ثلاثة وجهات نظر، وجهة نظري، ووجهة نظرك، والأدلّة.

3 thoughts on ““في وجوديّة الله”

  1. صديقي أسعد..

    طرحك الفكري مميّز و واضح, تُشكر عليه جزيلاً

    هل قرأت كتاب “نقد الفكر الديني” لصادق جلال العظم؟ إن لم تقرأه قبلاً أنصحك به بشدة

  2. تنبيه: وصايا أرض أرض، ووصايا أرض سماء « مَعْمَلْ للتعبير والذكرى : شغلات وأفكار وأشيا… وهيك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s