كل ناطور بناية وإلو حكاية


نشرت في جريدة “حبر لبناني”

أسعد ذبيـان

نمر بجانبهم كل يوم صاعدين إلى منازلنا محمّلين بأغراض التسوّق، يسارعون  إلى حملها عنّا. نلقي عليهم السلام (أو لا نفعل)، لكننا نشعر بوجودهم في الصباح، ونحن نخرج من المصعد لنركب سياراتنا، أو نسير على نعالنا نحو العمل أو المدرسة. نعايد أبناءهم في المناسبات الإجتماعيّة (أو لا نفعل) ببضعة قروشٍ نستحي من تقديمها لأولادنا. نصرخ بأسمائهم عالياً على الإنترفون(interphone) ليسارعوا إلى صعود سبعة أو ثمانية طوابق. نطلب منهم شراء الخضراوات اليوميّة وربطة الخبز وزجاجة البيبسي، نكنّيهم ونطلق عليهم أسماء من تخيّلاتنا. هم بوابون، يضبطون إيقاع العمارات ومستحقات قاطني شققها ومكاتبها. ولكن ما نغفل عنه هو همومهم اليوميّة، أفكارهم، شرودهم وشوقهم إلى الأراضي والمناطق والبلدان التي هربوا منها أو اضطرّوا لهجرها. نغفل عن أحلامهم وطموحاتهم ودموعهم وأفراحهم فمن هم نواطيرنا؟!

يتشاطر ناطور مبنى حداد، التركي في مار الياس، اسم الكاتب المصري طه حسين. يقطن وعائلته في الطابق السفلي من المبنى، لديه صبيّ (7 سنوات) وفتاة (8 سنوات).يتحدّث عن إيجابيات لبنان، باعتبار أنّه قادر على الحياة في هذا الوطن، بينما لم يكن بمقدوره الحصول على وظيفة في بلده. أمّا عن السلبيّات في لبنان، فيعتبر أنّ الطائفيّةأولها، فهو لم يكن معتاداً عليها البتة. يرسل أولاده إلى المدارس الرسميّة، ويحلم أن يكبر أبناؤه، ويحصلوا على الشهادات العليا، ثمّ العودة إلى مسقط رأسهم شامخي الرأس.يحن طه إلى تركيا ويتحدّث بلغته الأصليّة مع زوجه ويعلّم أبناءه لغة أجدادهم. يعاني طه كثيراً بسبب المواصلات في لبنان، وكثرة طلبات قاطني المبنى. يتذكّر عندما دخل أحد الأشخاص إلى المبنى السابق الذي كان يعمل فيه وأخذ يناقشه حول سعر الشقق المعروضة للبيع إذ ظنّه صاحب المبنى. يضحك طه ويقول: “لوهلة أغمضت عينيّ، وصدّقت الموضوع”.

يلعب أولاد أحمد وهو سوري الجنسية أمام مبنى فخم في منطقة الروشة. تحسدهم حين تعبر من أمامهم على الشقق الفخمة التي تطلّ على المتوسط بأسعارٍ تفوق ملايين الدولارات. ولكن يغيب عن بالك أنّهم أبناء الناطور الذي يأخذ غرفتين مساحة الواحدة منهما لا تتعدى ستة أمتار مربعة. يعيش بالقرب من المصعد الذي ينغّص عليه نومه، ونوم طفلته.

لديه أربعة أولاد، ابنتين (رضيعة ومراهقة) وشابين (طالب مدرسة وعامل في محل ملابس بالقرب من المنزل ليساهم في دخل العائلة المحدود). يحاول أحمد جاهداً أن يؤمن لعائلته حياةً لائقة، ويرسلهم إلى بلدهم كل فترة، ليبقوا على تواصل مع العائلة، ولأنّ تكلفة العطلة في سوريا أقل. يمثّل لبنان البلد الثاني لعائلة أحمد، ويقضون فيه أوقاتاً ممتعة.

بل إنّ أبناء أحمد يتفاخرون بأنّهم يقطنون في لبنان عندما يذهبون إلى الشام. ولكن عند السؤال عن ذكرى محددة تتذكرها العائلة، يجيب أحمد “سقطت ابنتي في إحدى المرّات على رأسها، وبدأت بالنزيف، لم نكن قادرين على نقلها إلى المستشفى لأنّ لا سيارة لدينا. فاضطررنا إلى طلب المساعدة من أحد قاطني الشقق أن ينقلها، شعرنا بالإحراج.الشعور أخف وطأة لو كنّا في بلدنا”.

إسمه اسحق بكر محمد آدم حسن، من التابعيّة السودانيّة، يبلغ من العمر 32 سنة. أصله من الجزيرة ـ دارفور، شرق الخرطوم، قضى في لبنان حتّى الآن خمسة أعوام. ذهب إلى أهله مرّة واحدة بعد  حرب تموز 2006. “كنت أخدم في الجيش، ولكن الأفق كان مغلقاً. إتصل بي أصدقائي من لبنان وعرضوا عليّ القدوم إلى هنا لأنّ الأجور أفضل، فحزمت حقائبي وجئت”. عمل في أدما سابقاً (مبنى LBC) وعند عائلة سعودية الجنسيّة (سمير باشا) قبل أن ينتهي به المطاف في منطقة الصيفي سائق سيارة وناطوراً لأحد المباني.

يتحدّث إسحق عن عائلته، فتلاحظ الغصّة في صوته، “لديّ ولدان، صبي عمره 6 سنوات وفتاة عمرها سنتان ونصف، أرسل لهم نصف المعاش”. يشتاق لعائلته كثيراً ويعلن أنّه لا يغمض له جفن دون أن ينظر إلى صورهم أو يستحضر أطيافهم. تسأله عن لبنان، فيجيبك: “بلد جميل جداً، فيه كل المميزات، ولكن كل شيء غالي الثمن، والأسعار دائمة الإرتفاع”. يحلم إسحق بالعودة إلى السودان والاستقرار في بلده مع العائلة، ولكنّ المشكلة تكمن في الأوضاع الإقتصاديّة والسياسية الراهنة. “سأنتظر الإنتخابات القادمة لأرى مستقبل البلد، أفكّر في فتح مشروع خاص بي، ربّما مطعم صغير”.

يذكر حادثة جرت معه عندما اعتقل الأمن العام اللبناني أخاه لأنّ إقامته انتهت. يقول بأنّ السلطات اللبنانيّة والسفارة السودانيّة كانا متعاونتين جداً، وساعدتاه من أجل الحصول على جواز جديد. ينهي بالقول “لبنان بلد ضيافة رائع، يعامل فيه الفرد بترحاب، ولكن إن كنتَ مهاجراً أزعر – أي تخالف النظام، فلن تبقى يوماً  واحداً في الشارع

نشرت في جريدة "حبر لبناني"    أسعد ذبيـان    نمر بجانبهم كل يوم صاعدين إلى منازلنا محمّلين بأغراض التسوّق، يسارعون  إلى حملها عنّا. نلقي عليهم السلام (أو لا نفعل)، لكننا نشعر بوجودهم في الصباح، ونحن نخرج من المصعد لنركب سياراتنا، أو نسير على نعالنا نحو العمل أو المدرسة. نعايد أبناءهم في المناسبات الإجتماعيّة (أو لا نفعل) ببضعة قروشٍ نستحي من تقديمها لأولادنا. نصرخ بأسمائهم عالياً على الإنترفون(interphone) ليسارعوا إلى صعود سبعة أو ثمانية طوابق. نطلب منهم شراء الخضراوات اليوميّة وربطة الخبز وزجاجة البيبسي، نكنّيهم ونطلق عليهم أسماء من تخيّلاتنا. هم بوابون، يضبطون إيقاع العمارات ومستحقات قاطني شققها ومكاتبها. ولكن ما نغفل عنه هو همومهم اليوميّة، أفكارهم، شرودهم وشوقهم إلى الأراضي والمناطق والبلدان التي هربوا منها أو اضطرّوا لهجرها. نغفل عن أحلامهم وطموحاتهم ودموعهم وأفراحهم فمن هم نواطيرنا؟!  يتشاطر ناطور مبنى حداد، التركي في مار الياس، اسم الكاتب المصري طه حسين. يقطن وعائلته في الطابق السفلي من المبنى، لديه صبيّ (7 سنوات) وفتاة (8 سنوات).يتحدّث عن إيجابيات لبنان، باعتبار أنّه قادر على الحياة في هذا الوطن، بينما لم يكن بمقدوره الحصول على وظيفة في بلده. أمّا عن السلبيّات في لبنان، فيعتبر أنّ الطائفيّةأولها، فهو لم يكن معتاداً عليها البتة. يرسل أولاده إلى المدارس الرسميّة، ويحلم أن يكبر أبناؤه، ويحصلوا على الشهادات العليا، ثمّ العودة إلى مسقط رأسهم شامخي الرأس.يحن طه إلى تركيا ويتحدّث بلغته الأصليّة مع زوجه ويعلّم أبناءه لغة أجدادهم. يعاني طه كثيراً بسبب المواصلات في لبنان، وكثرة طلبات قاطني المبنى. يتذكّر عندما دخل أحد الأشخاص إلى المبنى السابق الذي كان يعمل فيه وأخذ يناقشه حول سعر الشقق المعروضة للبيع إذ ظنّه صاحب المبنى. يضحك طه ويقول: "لوهلة أغمضت عينيّ، وصدّقت الموضوع".  يلعب أولاد أحمد وهو سوري الجنسية أمام مبنى فخم في منطقة الروشة. تحسدهم حين تعبر من أمامهم على الشقق الفخمة التي تطلّ على المتوسط بأسعارٍ تفوق ملايين الدولارات. ولكن يغيب عن بالك أنّهم أبناء الناطور الذي يأخذ غرفتين مساحة الواحدة منهما لا تتعدى ستة أمتار مربعة. يعيش بالقرب من المصعد الذي ينغّص عليه نومه، ونوم طفلته.  لديه أربعة أولاد، ابنتين (رضيعة ومراهقة) وشابين (طالب مدرسة وعامل في محل ملابس بالقرب من المنزل ليساهم في دخل العائلة المحدود). يحاول أحمد جاهداً أن يؤمن لعائلته حياةً لائقة، ويرسلهم إلى بلدهم كل فترة، ليبقوا على تواصل مع العائلة، ولأنّ تكلفة العطلة في سوريا أقل. يمثّل لبنان البلد الثاني لعائلة أحمد، ويقضون فيه أوقاتاً ممتعة.  بل إنّ أبناء أحمد يتفاخرون بأنّهم يقطنون في لبنان عندما يذهبون إلى الشام. ولكن عند السؤال عن ذكرى محددة تتذكرها العائلة، يجيب أحمد "سقطت ابنتي في إحدى المرّات على رأسها، وبدأت بالنزيف، لم نكن قادرين على نقلها إلى المستشفى لأنّ لا سيارة لدينا. فاضطررنا إلى طلب المساعدة من أحد قاطني الشقق أن ينقلها، شعرنا بالإحراج.الشعور أخف وطأة لو كنّا في بلدنا".  إسمه اسحق بكر محمد آدم حسن، من التابعيّة السودانيّة، يبلغ من العمر 32 سنة. أصله من الجزيرة ـ دارفور، شرق الخرطوم، قضى في لبنان حتّى الآن خمسة أعوام. ذهب إلى أهله مرّة واحدة بعد  حرب تموز 2006. "كنت أخدم في الجيش، ولكن الأفق كان مغلقاً. إتصل بي أصدقائي من لبنان وعرضوا عليّ القدوم إلى هنا لأنّ الأجور أفضل، فحزمت حقائبي وجئت". عمل في أدما سابقاً (مبنى LBC) وعند عائلة سعودية الجنسيّة (سمير باشا) قبل أن ينتهي به المطاف في منطقة الصيفي سائق سيارة وناطوراً لأحد المباني.     يتحدّث إسحق عن عائلته، فتلاحظ الغصّة في صوته، "لديّ ولدان، صبي عمره 6 سنوات وفتاة عمرها سنتان ونصف، أرسل لهم نصف المعاش". يشتاق لعائلته كثيراً ويعلن أنّه لا يغمض له جفن دون أن ينظر إلى صورهم أو يستحضر أطيافهم. تسأله عن لبنان، فيجيبك: "بلد جميل جداً، فيه كل المميزات، ولكن كل شيء غالي الثمن، والأسعار دائمة الإرتفاع". يحلم إسحق بالعودة إلى السودان والاستقرار في بلده مع العائلة، ولكنّ المشكلة تكمن في الأوضاع الإقتصاديّة والسياسية الراهنة. "سأنتظر الإنتخابات القادمة لأرى مستقبل البلد، أفكّر في فتح مشروع خاص بي، ربّما مطعم صغير".  يذكر حادثة جرت معه عندما اعتقل الأمن العام اللبناني أخاه لأنّ إقامته انتهت. يقول بأنّ السلطات اللبنانيّة والسفارة السودانيّة كانا متعاونتين جداً، وساعدتاه من أجل الحصول على جواز جديد. ينهي بالقول "لبنان بلد ضيافة رائع، يعامل فيه الفرد بترحاب، ولكن إن كنتَ مهاجراً أزعر - أي تخالف النظام، فلن تبقى يوماً  واحداً في الشارع

المقالة في جريدة حبر لبناني

5 thoughts on “كل ناطور بناية وإلو حكاية

  1. لهلا الحكايات خفيفة بتحب احكيلك حكاية وناطور بناية عنا
    جمع الايجارات فبعت ابن صاحب العمرة واحد ازعر و سرقوهم و لعبوا فيهم قمار
    و طبعا اللي بالوجه الناطور المسكين اللي تارك وراه 6 اطفال صغار و امهم و ابوه و امه هو
    انتحر
    شنق حالوا – خاف يرجع بخيبتوا بعد ما شلحوا كل مصاريه
    و كتير غيروا و غيراتوا
    و خبرك شي
    صاحب البناية كان عارف انو ابوا هو الحرامي
    بس برستيجوا ما سمحلوا انو يحكي هيك
    مشان سمعة العيلة
    تخيل …..

    • قصة حزينة عنجد
      بإسق لهيك ناس بالنسبة إلن مقامن أهم من حياة الآخرين
      شكرا على المشاركة
      قبلة أخوية🙂

  2. ريبورتاج رائع.. يبحث في الأمور الصغيرة التي لا يتوقف عندها مجتمعنا ما بعد الاستهلاكي..

    تحياتي صديقي أسعد

    • ياسين أخي الفكري
      مشتقلك فعلا
      واعذرني إني مش متابع بس التنقل السريع إلو أحكامو
      تحياتي يا خواجة

  3. تنبيه: Tweets that mention كل ناطور بناية وإلو حكاية « خربشات بيروتية -- Topsy.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s