توصيلــة.. مع سائقة أجرة


كورنيش المزرعة في بيروت مشغول بزحمة سيره، كعادته منذ نعومة أسفلته. وعقارب الساعة تشكل زاوية من 70 درجة، وعقربها الصغير ما بين العاشرة والحادية عشر صباحاً. أنتقي لنفسي مكاناً في الظل قبل أن تهطل علي أبواق سيارات الأجرة. ألتفتُ إلى اليسار ناحية محمصة الرفاعي، على أمل أن يأتي "الفرج" على شاكلة سائق أجرة يرضى بـ2000 ليرة ليقلني إلى بدارو. تمر بمحاذاتي، فلا أفطن للموضوع بسرعة. السيارة التي توقفت سائقتها سيدة محجبة بلباسٍ شرعي يغطي حتى معصميها. أنظر إلى أسفل الهيكل لأتأكد، لوحة حمراء، فأصعد. أجلس في الخلف لأنّ المكان بمحاذاة السائق يشغله رجل أربعيني. أسترق السمع وأحاول حشر أذني فيما يتحدثان لأدقق في التفاصيل. التقط بعض لمام الحديث: يخبرها الراكب عن امرأته الحامل والطفل الذي ينتظرانه. ثم ينتقلان بالحديث عن نعمة الأطفال عامةً والبنات خاصة. أسمع المرأة التي تقود: "هناك حديث عن الرسول بأنّ من ينجب 4 فتيات، له الجنة" وتضيف: "الأخت حنونة على أخيها، وبكاءة على أهلها".  تستبق عيناي بقية الحواس. هناك راكبة محجبة هي الأخرى تلوح بيدها. تقف السيارة. تسأل الفتاة: "الليلكي؟"، يأتيها الجواب: "تفضلي يا بنتي". يقرر الراكب في الأمام أن يتنحى عن عرش المقعد الأول على تقاطع البربير. تسألني السيدة التي تقود أن أترجل للمقعد الأمامي، فأمتثل لطلبها. دبّت في نفسي الرغبة لأعرف عنها أكثر، فلم أكبتها. سألتها: "لماذا على الرجل أن يجلس في الأمام؟". تجيبني: "لأنّ للرجل مقامه، ولا ينبغي أن يجلس في الخلف". لم أتوقع الجواب، بل أزعجني أن يأتي من امرأة عاملة، فقررت استفزازها: "أليس للمرأة مقام أيضاً؟ لماذا تمييز الرجل؟". ابتسمت. كانت ثبتت المقود بيدها اليسرى، في حين كان حذائها الرياضي الأبيض ينتقل بين دواستي البنزين والفرامل، وعينيها تنتقل بين الركاب المتناثرين على الرصيف، والسيارات المجنونة في الشارع. قالت بعد صمتٍ قصير: "توقعت ألا تقتنع بالجواب. أفضل أن يجلس الرجال في الأمام إذا ما كان هناك شاب وصبية في الخلف، من أجل راحة ركابي، من أجل النساء الأخريات". لم أقتنع، عدت للمحاججة: "إذاً لماذا لا تجلس الفتاة في المقدمة..؟". "لأنه من الممكن أن يتحرش بي الراكب من الخلف، لكن إن حاول إلى جانبي، أصفعه هكذا.."، صاحت بي، ويدها اليمنى تمتد بقبضة ممتلئة لتستقر في الهواء على بعد سنتيمترات من صدري. أحببت رجاحة عقلها وحسن تدبيرها. سألتها عن عملها، عن سبب ممارستها المهنة، والمتاعب التي تواجهها. وأجابت: "لا شك متاعبي أقل من مهنتك أنت أيها الصحافي المستجوب..". عرفت مهنتي إذاً! اسمها لم تشأ أن تبح به، لكن الخاتم في يدها اليسرى يشي بزواجها. تبدو في العقد الثالث أو الرابع من العمر. تعتبر أن العمل خيرٌ من حاجة الناس. "ألا تحبون أن تسمعوا هذا الكلام أيها الصحافيون؟"، وأنّه لا عيب في المهنة الشريفة، بل في التكاسل. تضيف: "كل من يركب هذه السيارة بإذن الله من خيرة الأوادم". تؤمن بنصيبها من القسمة العادلة ورزقة اليوم. لا تفارق البسمة والضحكة البسيطة وجهها، وعيناي الراكبة في الخلف ألمحها من طرف المرآة تشع بشغف وهي تستمع لمقابلة الدقائق المعدودة. لا جواب عندها حول تعرضها لمتاعب من قِبل رجال من قَبل، أو إن كانت القيادة في الليل ضمن دوام عملها. ربما انشغلت بامرأة تلوح بيدها هي الأخرى: -     "لوين الإخت" -     "على الطيونة".. -     "تفضلي يا عيوني". وتنطلق سيارة الأجرة التي تذهلك امرأة تقودها ويذهلك عقل امرأة يتحكم بها. هي توصيلة أو "سرفيس" تأخذ دقائق في بيروت (باستثناء وقت الزحمة)، لكننا نادراً ما نلتفت إلى السائق لنعرف أخباره.كورنيش المزرعة في بيروت مشغول بزحمة سيره، كعادته منذ نعومة أسفلته. وعقارب الساعة تشكل زاوية من 70 درجة، وعقربها الصغير ما بين العاشرة والحادية عشر صباحاً. أنتقي لنفسي مكاناً في الظل قبل أن تهطل علي أبواق سيارات الأجرة. ألتفتُ إلى اليسار ناحية محمصة الرفاعي، على أمل أن يأتي "الفرج" على شاكلة سائق أجرة يرضى بـ2000 ليرة ليقلني إلى بدارو. تمر بمحاذاتي، فلا أفطن للموضوع بسرعة. السيارة التي توقفت سائقتها سيدة محجبة بلباسٍ شرعي يغطي حتى معصميها. أنظر إلى أسفل الهيكل لأتأكد، لوحة حمراء، فأصعد. أجلس في الخلف لأنّ المكان بمحاذاة السائق يشغله رجل أربعيني. أسترق السمع وأحاول حشر أذني فيما يتحدثان لأدقق في التفاصيل. التقط بعض لمام الحديث: يخبرها الراكب عن امرأته الحامل والطفل الذي ينتظرانه. ثم ينتقلان بالحديث عن نعمة الأطفال عامةً والبنات خاصة. أسمع المرأة التي تقود: "هناك حديث عن الرسول بأنّ من ينجب 4 فتيات، له الجنة" وتضيف: "الأخت حنونة على أخيها، وبكاءة على أهلها".  تستبق عيناي بقية الحواس. هناك راكبة محجبة هي الأخرى تلوح بيدها. تقف السيارة. تسأل الفتاة: "الليلكي؟"، يأتيها الجواب: "تفضلي يا بنتي". يقرر الراكب في الأمام أن يتنحى عن عرش المقعد الأول على تقاطع البربير. تسألني السيدة التي تقود أن أترجل للمقعد الأمامي، فأمتثل لطلبها. دبّت في نفسي الرغبة لأعرف عنها أكثر، فلم أكبتها. سألتها: "لماذا على الرجل أن يجلس في الأمام؟". تجيبني: "لأنّ للرجل مقامه، ولا ينبغي أن يجلس في الخلف". لم أتوقع الجواب، بل أزعجني أن يأتي من امرأة عاملة، فقررت استفزازها: "أليس للمرأة مقام أيضاً؟ لماذا تمييز الرجل؟". ابتسمت. كانت ثبتت المقود بيدها اليسرى، في حين كان حذائها الرياضي الأبيض ينتقل بين دواستي البنزين والفرامل، وعينيها تنتقل بين الركاب المتناثرين على الرصيف، والسيارات المجنونة في الشارع. قالت بعد صمتٍ قصير: "توقعت ألا تقتنع بالجواب. أفضل أن يجلس الرجال في الأمام إذا ما كان هناك شاب وصبية في الخلف، من أجل راحة ركابي، من أجل النساء الأخريات". لم أقتنع، عدت للمحاججة: "إذاً لماذا لا تجلس الفتاة في المقدمة..؟". "لأنه من الممكن أن يتحرش بي الراكب من الخلف، لكن إن حاول إلى جانبي، أصفعه هكذا.."، صاحت بي، ويدها اليمنى تمتد بقبضة ممتلئة لتستقر في الهواء على بعد سنتيمترات من صدري. أحببت رجاحة عقلها وحسن تدبيرها. سألتها عن عملها، عن سبب ممارستها المهنة، والمتاعب التي تواجهها. وأجابت: "لا شك متاعبي أقل من مهنتك أنت أيها الصحافي المستجوب..". عرفت مهنتي إذاً! اسمها لم تشأ أن تبح به، لكن الخاتم في يدها اليسرى يشي بزواجها. تبدو في العقد الثالث أو الرابع من العمر. تعتبر أن العمل خيرٌ من حاجة الناس. "ألا تحبون أن تسمعوا هذا الكلام أيها الصحافيون؟"، وأنّه لا عيب في المهنة الشريفة، بل في التكاسل. تضيف: "كل من يركب هذه السيارة بإذن الله من خيرة الأوادم". تؤمن بنصيبها من القسمة العادلة ورزقة اليوم. لا تفارق البسمة والضحكة البسيطة وجهها، وعيناي الراكبة في الخلف ألمحها من طرف المرآة تشع بشغف وهي تستمع لمقابلة الدقائق المعدودة. لا جواب عندها حول تعرضها لمتاعب من قِبل رجال من قَبل، أو إن كانت القيادة في الليل ضمن دوام عملها. ربما انشغلت بامرأة تلوح بيدها هي الأخرى: -     "لوين الإخت" -     "على الطيونة".. -     "تفضلي يا عيوني". وتنطلق سيارة الأجرة التي تذهلك امرأة تقودها ويذهلك عقل امرأة يتحكم بها. هي توصيلة أو "سرفيس" تأخذ دقائق في بيروت (باستثناء وقت الزحمة)، لكننا نادراً ما نلتفت إلى السائق لنعرف أخباره.

Ben Fredericson - Flickr

نشرت في شباب السفير

أسعد ذبيـان

كورنيش المزرعة في بيروت مشغول بزحمة سيره، كعادته منذ نعومة أسفلته. وعقارب الساعة تشكل زاوية من 70 درجة، وعقربها الصغير ما بين العاشرة والحادية عشر صباحاً.   أنتقي لنفسي مكاناً في الظل قبل أن تهطل علي أبواق سيارات الأجرة. ألتفتُ إلى اليسار ناحية محمصة الرفاعي، على أمل أن يأتي “الفرج” على شاكلة سائق أجرة يرضى بـ2000 ليرة ليقلني إلى بدارو.

تمر بمحاذاتي، فلا أفطن للموضوع بسرعة. السيارة التي توقفت سائقتها سيدة محجبة بلباسٍ شرعي يغطي حتى معصميها. أنظر إلى أسفل الهيكل لأتأكد، لوحة حمراء، فأصعد. أجلس في الخلف لأنّ المكان بمحاذاة السائق يشغله رجل أربعيني. أسترق السمع وأحاول حشر أذني فيما يتحدثان لأدقق في التفاصيل. التقط بعض لمام الحديث: يخبرها الراكب عن امرأته الحامل والطفل الذي ينتظرانه. ثم ينتقلان بالحديث عن نعمة الأطفال عامةً والبنات خاصة. أسمع المرأة التي تقود: “هناك حديث عن الرسول بأنّ من ينجب 4 فتيات، له الجنة” وتضيف: “الأخت حنونة على أخيها، وبكاءة على أهلها”.


تستبق عيناي بقية الحواس. هناك راكبة محجبة هي الأخرى تلوح بيدها. تقف السيارة. تسأل الفتاة: “الليلكي؟”، يأتيها الجواب: “تفضلي يا بنتي”. يقرر الراكب في الأمام أن يتنحى عن عرش المقعد الأول على تقاطع البربير. تسألني السيدة التي تقود أن أترجل للمقعد الأمامي، فأمتثل لطلبها. دبّت في نفسي الرغبة لأعرف عنها أكثر، فلم أكبتها. سألتها: “لماذا على الرجل أن يجلس في الأمام؟”. تجيبني: “لأنّ للرجل مقامه، ولا ينبغي أن يجلس في الخلف”. لم أتوقع الجواب، بل أزعجني أن يأتي من امرأة عاملة، فقررت استفزازها: “أليس للمرأة مقام أيضاً؟ لماذا تمييز الرجل؟”.

ابتسمت. كانت ثبتت المقود بيدها اليسرى، في حين كان حذائها الرياضي الأبيض ينتقل بين دواستي البنزين والفرامل، وعينيها تنتقل بين الركاب المتناثرين على الرصيف، والسيارات المجنونة في الشارع. قالت بعد صمتٍ قصير: “توقعت ألا تقتنع بالجواب. أفضل أن يجلس الرجال في الأمام إذا ما كان هناك شاب وصبية في الخلف، من أجل راحة ركابي، من أجل النساء الأخريات”.

لم أقتنع، عدت للمحاججة: “إذاً لماذا لا تجلس الفتاة في المقدمة..؟”. “لأنه من الممكن أن يتحرش بي الراكب من الخلف، لكن إن حاول إلى جانبي، أصفعه هكذا..”، صاحت بي، ويدها اليمنى تمتد بقبضة ممتلئة لتستقر في الهواء على بعد سنتيمترات من صدري. أحببت رجاحة عقلها وحسن تدبيرها. سألتها عن عملها، عن سبب ممارستها المهنة، والمتاعب التي تواجهها. وأجابت: “لا شك متاعبي أقل من مهنتك أنت أيها الصحافي المستجوب..”.

عرفت مهنتي إذاً! اسمها لم تشأ أن تبح به، لكن الخاتم في يدها اليسرى يشي بزواجها. تبدو في العقد الثالث أو الرابع من العمر. تعتبر أن العمل خيرٌ من حاجة الناس. “ألا تحبون أن تسمعوا هذا الكلام أيها الصحافيون؟”، وأنّه لا عيب في المهنة الشريفة، بل في التكاسل. تضيف: “كل من يركب هذه السيارة بإذن الله من خيرة الأوادم”.
تؤمن بنصيبها من القسمة العادلة ورزقة اليوم. لا تفارق البسمة والضحكة البسيطة وجهها، وعيناي الراكبة في الخلف ألمحها من طرف المرآة تشع بشغف وهي تستمع لمقابلة الدقائق المعدودة. لا جواب عندها حول تعرضها لمتاعب من قِبل رجال من قَبل، أو إن كانت القيادة في الليل ضمن دوام عملها. ربما انشغلت بامرأة تلوح بيدها هي الأخرى:
–     “لوين الإخت”
–     “على الطيونة”..
–     “تفضلي يا عيوني”.

وتنطلق سيارة الأجرة التي تذهلك امرأة تقودها ويذهلك عقل امرأة يتحكم بها. هي توصيلة أو “سرفيس” تأخذ دقائق في بيروت (باستثناء وقت الزحمة)، لكننا نادراً ما نلتفت إلى السائق لنعرف أخباره.

4 thoughts on “توصيلــة.. مع سائقة أجرة

  1. شيئ ما يلامس حزني وأنا أطوف بين كلمات هذا الحوار.. شيئ ما يفترس هدوئي وصمتي ويزرع في نفسي رغبةً قاسية لأعرف عنها أكثر… عن هذا الذي قادها (لتقود) سيارتها وسط الشوارع التي يفترشها المجهول!
    لا أدري هل سر اهتمامي هو الفضول ببساطته، أم هو أعمق من ذلك..

    ولكن لا يد أن أقول أن الموضوع يستحق الاهتمام…

    • شكرا على توقفك هنا

      لعلها اختارت المصير لنفسها

      لا داعي لأن نسأل كيف أصبحنا. .بل كيف سنتصرف؟!

      شكرا مرة أخرى وتحياتي غروب الشمس🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s