المــدن حيــن نــراها للمــرة الأولــى – ســتوكهولم… النقطــة الأعلــى علــى خارطتــي


  أسعد ذبيـان   عندما وصلت ستوكهولم، كنت أظن أنني بلغت النقطة الأعلى التي وطأتها قدماي يوماً ما على سطح الكرة الأرضية. كان يمكن لهذه الزيارة أن تكون كمثيلاتها: فندق، سياحة، متاحف، مرح، اشتياق للبيت وأحضان الشقيقات، اجتماع أو اثنان، دردشة مع السكان، مقابلة صحافية، سهر في الليالي، قلة نوم وجفون متعبة، وجنون (لأنّ ما يحصل في فيغاس يبقى في فيغاس).   الزيارة كانت كذلك وأكثر، لأنّ ما ميّزها رفاق الرحلة، والبرنامج المعد من المستضيفين. أعود بالذاكرة إلى الخلف، لليوم الأول. طقس مكفهر، اضطرار لفتح الحقيبة لارتداء المعطف، ملاحظة من صديقة أنّ أصدقائنا على البحر في بيروت (تتكرر العبارة في الشهر الذي يلي). سيارة تاكسي تقلنا من المطار إلى وسط البلد. المسافة أطول بكثير مقارنةً بالمسافة بين مطار بيروت الدولي والمدينة. طبيعة خضراء تقضم الشارع الإسفلتي لا العكس. بعض رسوم الغرافيتي على الجدران. لا شيء مثيرا حتى الآن.    نصل للنزل الذي سيؤوينا. مكان صغير يشعرك بالألفة. والملاحظة الأولى: لا حمّال للحقائب. كل ضيف يحمل أمتعته بنفسه. غلبتُ الحشرية في داخلي فلم أسأل. قرّرت أن أكون لقمان، لكن سليمان الحكيم لم يكن هناك ليخبرني. افترضت أنّ الناس سواسية. الفرضية تحتاج لبراهين لتصبح حقيقة، فهلموا نفتش عنها في أزقة ستوكهولم.   خرجنا في الليلة الأولى. كنا عشرة عرب نجول في شوارع من دون بوصلة أو خريطة. نعتمد على ذاكرة أحدنا «الفوتوغرافية» لنعرف طريق العودة. قلّة في الشارع (لأنّها نهاية الأسبوع، تعلق إحدى الرفيقات). نقارن بالمدن التي جئنا منها. نشبّه هذا الشارع بآخر في بيروت، وذاك الميدان بقرينِ له في تونس، وهذا الزقاق بحيٍ في رام الله. الطقس بارد، وألوان الشارع خافتة. لا مباني عالية هنا، التنظيم المدني دقيق. الهندسة تعود للقرن الثامن عشر. الزخرفة مثيرة على الجدران.   استوقفتنا الدراجات المجانيّة. لم نفهم الموضوع في بداية الأمر. قرأنا بالإنكليزية: «دراجات مجانية للاستخدام في شوارع المدينة، للحصول على واحدة من العاشرة حتى السادسة مساءً»، تستخدمها، ثمّ تعيدها إلى أي من المراكز الثابتة المنتشرة في أنحاء العاصمة السويدية».   اكتمل العدد في اليوم التالي، فكان وقت التعارف. حضر المنظمون واصطحبونا إلى المؤسسة السويدية. هنا في تقاطع شارعي سلوتسباكن وسكيبسبرن، وبمواجهة أحد القصور الملكية، قضينا يومنا الأول من التجربة السويدية. كان البحر يطاردنا أينما اتجهنا. سألنا عن السبب. لم نكن نعرف أننا على جزيرة، فاكتشفنا أننا على 14 منها. لجأت للخريطة الإلكترونية لأفهم أكثر. لم أفطن من قبل أنّ في السويد ما يقرب الـ220 ألف جزيرة موزعة على عدة أرخبيلات.  مجلس النواب مفتوحٌ للعامة، ولأننا ضيوف استقبلنا نائبان من حزبين مختلفين. لم يكن هناك حرج في الانتقاد و«الزكزكة» بينهما. كان نقاشاً حضارياً استمعنا فيه لشروحاتٍ حول طريقة استقطاب المناصرين عبر الإعلام الإلكتروني. لا حراس مدججين حول المباني، لا جدران إسمنتية أو حديدية، ولا تفتيش، حتّى إنّه لا توجد مواكبة ووفود مؤللة ترافق النواب. مثلهم مثل عامة الشعب.   من مجلس النواب إلى وزارة الخارجية، قبل أن ندلف إلى متحف نوبل. في أعلى السقف صور من منحوا الجائزة منذ القرن الماضي، وفي الجولة مقتنيات نادرة لشخصيات مرموقة في تاريخ البشرية، أمّا الفائزون من العرب فقلّة. نوبل الذي اخترع الديناميت، قرر أن يمنح جائزة للذين يقدمون خدمة للإنسانيّة بعد وفاته. جائزة السلام تمنح في النروج، والعلوم قاطبة والأدب والاقتصاد في ستوكهولم، لأنّ على أيامه كانت التيجان موحدة.   في الأيام التالية حزمنا الحقائب نحو الجنوب، إلى مدينة «كارلسكرونا» تحديداً. والاسم يعود للملك السويدي كارل من العام 1680، ومعناها عرش كارل. هي المدينة الأخيرة التي تستضيف قاعدة عسكرية سويدية بعد أن قرر الشعب التخلي عن القواعد في ظل 150 عام من السلام. لكنّها أيضاً المركز الرئيس لتصنيع السلاح الحربي الذي يشكل أهم صادرات السويد.   يتندّر مرشدنا السياحي اليساري على متن قارب يدور بنا في الأرخبيل الجنوبي: «نفتخر أننا بلدٌ مسالم، بالتأكيد نحن كذلك، الجميع يريد رضانا، لأننا نبيع أسلحة الحرب للعالم!».  يدور الحديث ويتوقف عند التاريخ، تلك المنطقة كانت شاهدة على حربٍ بين الدانمارك والسويد استمرت عشرات الأعوام. ومن البقعة نفسها، في جوها الصقيعي، ومياهها المتجمدة، وعلى جزر مساحة الواحدة منها لا تتعدى كيلومترات مربعة، وعلى متن سفنٍ خشبيّة، انطلق الفايكنغ ليغزو العالم. ومن قصة إلى قصة، تخبرني إيدا (صديقتي السويدية) عن مقاطعة اسمها سكانيا (نفس مساحة لبنان)، قرر سكانها أن يكون لون علمهم مزيجاً من خلفية حمراء أخذت من العلم الدانماركي وصليب أصفر من نظيره السويدي. أمّا المثير للدهشة فهو التقليد السنوي المتمثل بالذهاب إلى حدود المقاطعة وضرب المعاول بالأرض، كإشارة إلى تمني أهلها بأن يأتي البحر ويفصل المقاطعة عن السويد ليلتحقوا بالدانمارك.  عدنا إلى ستوكهولم بعد أسبوع، الربيع على وشك انتزاع السيطرة من الشتاء. الشعب السويدي يخلع ملابسه السميكة. ينطلق الشباب ليلعبوا كرة القدم، والصبايا يتمددن على العشب. تقول لي دينا (صديقة سويدية أخرى): «لا تتفاجأ، تمرّ علينا ستة أشهر لا نرى فيها الشمس إلا نادراً. أن ترتفع الحرارة لعشرين درجة، فهو عيدٌ وطني».   لا يمكنك عندما تمر في شوارع ستوكهولم إلا وتتأثر بأناقة المارة، ثيابهم البسيطة والمتجانسة، تسريحات شعرهم أو شعرهنّ، وواجهات المحال المرتبة. أمّا المترو فقد مثّل المتعة الحقيقيّة لصديقٍ من اليمن لم يعهده (ولا أنا أحلم به في لبنان). انتظامٌ في المواعيد، وراحة في المقاعد. أمّا الجولة على متن القارب حول جزيرة كونعزهولمن (جزيرة الملك)، فتعلّمك الكثير عن موسيقى الآبا وفودكا الـ«Absolut  التي لم أعرف يوماً أنّ أياً منهما سويدي المنشأ.   كان الطقس يتلاعب بنا أثناء وجودنا في السويد. فمن شمس مشرقة إلى غيوم وأمطار في دقائق موعودة، لكنّ كل ذلك لم يمنعنا من التمتع بالطبيعة الخلابة ومن ليالي نهاية الأسبوع التي لا تنتهي إلا عند مطلع الفجر (على عكس باقي أيام الأسبوع).   أمّا على صعيد الثقافة، فالمدينة تضم أكثر من مكان مصنف بين مواقع التراث العالمي من قبل اليونيسكو لاعتبارها ذات أهمية للجنس البشري (14 موقعا من أصل 878 عالميا في السويد). وبالحديث عن الثقافة والحضارة، فإنّ السويد تمتاز بكونها واحدة من أعرق الديموقراطيات في العالم، ودورها في مجال حقوق الإنسان والمساواة ريادي. النقاش المحتدم مثلاً أثناء وجودنا في السويد كان على خلفية زواج ولية العهد (وبالمناسبة ينص القانون السويدي على أنّ الولد الأكبر للملك بغض النظر عن جنسه يعيّن ولياً للعهد ويستلم العرش). يدور النقاش حول أمنية الأميرة فكتوريا في أن يصطحبها أبيها الملك إلى المذبح لتسليمها لزوجها المستقبلي، وهو ما ترفضه الكنيسة السويدية (لوثرية) لأنّها تعتبر أن في ذلك ذمّا للمرأة بتصويرها كأمانة تسلّم من رجل لآخر.   أعود إلى البداية. كنت أظن أنني وصلت إلى أعلى النقاط في الخريطة. ولكنني في البلد الذي أحب محمود درويش، وفي البلد التي سمعت في جملة تقول: «لا تقل وصلت إلى الحقيقة، بل قل وصلت لحقيقةٍ ما». في ذلك البلد، عرفت أنني في ما اصطلحنا على أنّه شمال، وتذكّرت أنّ الأرض كروية، وأنني لو كنت في حذاء من كان على القمر، لفهمت أنّ كل من على البسيطة بسيطٌ. لذلك كتبت: «في أقصى الشمال فكرة، بعد خمسين عاما أحتفل بيوبيل اللحظة الذهب. هل يبقى الأزرق أزرق؟ بعد خمسين عاما، تتسطح الأرض، لا شرق ولا جنوب. أمّا الرجل والمرأة فيصبحان فكرة مندثرة. غداً تتزوج ابنتي ابن عدوي فنسمي الحفيد خطوة. في ذاك اليوبيل، لا جواز سفر.. لا فوراق بين الشجر. غداً سأعلم ولدي إني أخرق، غداً سأنسيه الفارق بين الأخضر والأزرق، ولن أسميه. لن أعطي ولدي لقبي، ولن أمنعه، ولن أثنيه.. غداً في نار المعرفة سنحترق».

السويد في الليل

أسعد ذبيـان

عندما وصلت ستوكهولم، كنت أظن أنني بلغت النقطة الأعلى التي وطأتها قدماي يوماً ما على سطح الكرة الأرضية. كان يمكن لهذه الزيارة أن تكون كمثيلاتها: فندق، سياحة، متاحف، مرح، اشتياق للبيت وأحضان الشقيقات، اجتماع أو اثنان، دردشة مع السكان، مقابلة صحافية، سهر في الليالي، قلة نوم وجفون متعبة، وجنون (لأنّ ما يحصل في فيغاس يبقى في فيغاس).

الزيارة كانت كذلك وأكثر، لأنّ ما ميّزها رفاق الرحلة، والبرنامج المعد من المستضيفين. أعود بالذاكرة إلى الخلف، لليوم الأول. طقس مكفهر، اضطرار لفتح الحقيبة لارتداء المعطف، ملاحظة من صديقة أنّ أصدقائنا على البحر في بيروت (تتكرر العبارة في الشهر الذي يلي). سيارة تاكسي تقلنا من المطار إلى وسط البلد. المسافة أطول بكثير مقارنةً بالمسافة بين مطار بيروت الدولي والمدينة. طبيعة خضراء تقضم الشارع الإسفلتي لا العكس. بعض رسوم الغرافيتي على الجدران. لا شيء مثيرا حتى الآن.

نصل للنزل الذي سيؤوينا. مكان صغير يشعرك بالألفة. والملاحظة الأولى: لا حمّال للحقائب. كل ضيف يحمل أمتعته بنفسه. غلبتُ الحشرية في داخلي فلم أسأل. قرّرت أن أكون لقمان، لكن سليمان الحكيم لم يكن هناك ليخبرني. افترضت أنّ الناس سواسية. الفرضية تحتاج لبراهين لتصبح حقيقة، فهلموا نفتش عنها في أزقة ستوكهولم.

خرجنا في الليلة الأولى. كنا عشرة عرب نجول في شوارع من دون بوصلة أو خريطة. نعتمد على ذاكرة أحدنا «الفوتوغرافية» لنعرف طريق العودة. قلّة في الشارع (لأنّها نهاية الأسبوع، تعلق إحدى الرفيقات). نقارن بالمدن التي جئنا منها. نشبّه هذا الشارع بآخر في بيروت، وذاك الميدان بقرينِ له في تونس، وهذا الزقاق بحيٍ في رام الله. الطقس بارد، وألوان الشارع خافتة. لا مباني عالية هنا، التنظيم المدني دقيق. الهندسة تعود للقرن الثامن عشر. الزخرفة مثيرة على الجدران.

استوقفتنا الدراجات المجانيّة. لم نفهم الموضوع في بداية الأمر. قرأنا بالإنكليزية: «دراجات مجانية للاستخدام في شوارع المدينة، للحصول على واحدة من العاشرة حتى السادسة مساءً»، تستخدمها، ثمّ تعيدها إلى أي من المراكز الثابتة المنتشرة في أنحاء العاصمة السويدية».
اكتمل العدد في اليوم التالي، فكان وقت التعارف. حضر المنظمون واصطحبونا إلى المؤسسة السويدية. هنا في تقاطع شارعي سلوتسباكن وسكيبسبرن، وبمواجهة أحد القصور الملكية، قضينا يومنا الأول من التجربة السويدية. كان البحر يطاردنا أينما اتجهنا. سألنا عن السبب. لم نكن نعرف أننا على جزيرة، فاكتشفنا أننا على 14 منها. لجأت للخريطة الإلكترونية لأفهم أكثر. لم أفطن من قبل أنّ في السويد ما يقرب الـ220 ألف جزيرة موزعة على عدة أرخبيلات.

مجلس النواب مفتوحٌ للعامة، ولأننا ضيوف استقبلنا نائبان من حزبين مختلفين. لم يكن هناك حرج في الانتقاد و«الزكزكة» بينهما. كان نقاشاً حضارياً استمعنا فيه لشروحاتٍ حول طريقة استقطاب المناصرين عبر الإعلام الإلكتروني. لا حراس مدججين حول المباني، لا جدران إسمنتية أو حديدية، ولا تفتيش، حتّى إنّه لا توجد مواكبة ووفود مؤللة ترافق النواب. مثلهم مثل عامة الشعب.

  أسعد ذبيـان   عندما وصلت ستوكهولم، كنت أظن أنني بلغت النقطة الأعلى التي وطأتها قدماي يوماً ما على سطح الكرة الأرضية. كان يمكن لهذه الزيارة أن تكون كمثيلاتها: فندق، سياحة، متاحف، مرح، اشتياق للبيت وأحضان الشقيقات، اجتماع أو اثنان، دردشة مع السكان، مقابلة صحافية، سهر في الليالي، قلة نوم وجفون متعبة، وجنون (لأنّ ما يحصل في فيغاس يبقى في فيغاس).   الزيارة كانت كذلك وأكثر، لأنّ ما ميّزها رفاق الرحلة، والبرنامج المعد من المستضيفين. أعود بالذاكرة إلى الخلف، لليوم الأول. طقس مكفهر، اضطرار لفتح الحقيبة لارتداء المعطف، ملاحظة من صديقة أنّ أصدقائنا على البحر في بيروت (تتكرر العبارة في الشهر الذي يلي). سيارة تاكسي تقلنا من المطار إلى وسط البلد. المسافة أطول بكثير مقارنةً بالمسافة بين مطار بيروت الدولي والمدينة. طبيعة خضراء تقضم الشارع الإسفلتي لا العكس. بعض رسوم الغرافيتي على الجدران. لا شيء مثيرا حتى الآن.    نصل للنزل الذي سيؤوينا. مكان صغير يشعرك بالألفة. والملاحظة الأولى: لا حمّال للحقائب. كل ضيف يحمل أمتعته بنفسه. غلبتُ الحشرية في داخلي فلم أسأل. قرّرت أن أكون لقمان، لكن سليمان الحكيم لم يكن هناك ليخبرني. افترضت أنّ الناس سواسية. الفرضية تحتاج لبراهين لتصبح حقيقة، فهلموا نفتش عنها في أزقة ستوكهولم.   خرجنا في الليلة الأولى. كنا عشرة عرب نجول في شوارع من دون بوصلة أو خريطة. نعتمد على ذاكرة أحدنا «الفوتوغرافية» لنعرف طريق العودة. قلّة في الشارع (لأنّها نهاية الأسبوع، تعلق إحدى الرفيقات). نقارن بالمدن التي جئنا منها. نشبّه هذا الشارع بآخر في بيروت، وذاك الميدان بقرينِ له في تونس، وهذا الزقاق بحيٍ في رام الله. الطقس بارد، وألوان الشارع خافتة. لا مباني عالية هنا، التنظيم المدني دقيق. الهندسة تعود للقرن الثامن عشر. الزخرفة مثيرة على الجدران.   استوقفتنا الدراجات المجانيّة. لم نفهم الموضوع في بداية الأمر. قرأنا بالإنكليزية: «دراجات مجانية للاستخدام في شوارع المدينة، للحصول على واحدة من العاشرة حتى السادسة مساءً»، تستخدمها، ثمّ تعيدها إلى أي من المراكز الثابتة المنتشرة في أنحاء العاصمة السويدية».   اكتمل العدد في اليوم التالي، فكان وقت التعارف. حضر المنظمون واصطحبونا إلى المؤسسة السويدية. هنا في تقاطع شارعي سلوتسباكن وسكيبسبرن، وبمواجهة أحد القصور الملكية، قضينا يومنا الأول من التجربة السويدية. كان البحر يطاردنا أينما اتجهنا. سألنا عن السبب. لم نكن نعرف أننا على جزيرة، فاكتشفنا أننا على 14 منها. لجأت للخريطة الإلكترونية لأفهم أكثر. لم أفطن من قبل أنّ في السويد ما يقرب الـ220 ألف جزيرة موزعة على عدة أرخبيلات.  مجلس النواب مفتوحٌ للعامة، ولأننا ضيوف استقبلنا نائبان من حزبين مختلفين. لم يكن هناك حرج في الانتقاد و«الزكزكة» بينهما. كان نقاشاً حضارياً استمعنا فيه لشروحاتٍ حول طريقة استقطاب المناصرين عبر الإعلام الإلكتروني. لا حراس مدججين حول المباني، لا جدران إسمنتية أو حديدية، ولا تفتيش، حتّى إنّه لا توجد مواكبة ووفود مؤللة ترافق النواب. مثلهم مثل عامة الشعب.   من مجلس النواب إلى وزارة الخارجية، قبل أن ندلف إلى متحف نوبل. في أعلى السقف صور من منحوا الجائزة منذ القرن الماضي، وفي الجولة مقتنيات نادرة لشخصيات مرموقة في تاريخ البشرية، أمّا الفائزون من العرب فقلّة. نوبل الذي اخترع الديناميت، قرر أن يمنح جائزة للذين يقدمون خدمة للإنسانيّة بعد وفاته. جائزة السلام تمنح في النروج، والعلوم قاطبة والأدب والاقتصاد في ستوكهولم، لأنّ على أيامه كانت التيجان موحدة.   في الأيام التالية حزمنا الحقائب نحو الجنوب، إلى مدينة «كارلسكرونا» تحديداً. والاسم يعود للملك السويدي كارل من العام 1680، ومعناها عرش كارل. هي المدينة الأخيرة التي تستضيف قاعدة عسكرية سويدية بعد أن قرر الشعب التخلي عن القواعد في ظل 150 عام من السلام. لكنّها أيضاً المركز الرئيس لتصنيع السلاح الحربي الذي يشكل أهم صادرات السويد.   يتندّر مرشدنا السياحي اليساري على متن قارب يدور بنا في الأرخبيل الجنوبي: «نفتخر أننا بلدٌ مسالم، بالتأكيد نحن كذلك، الجميع يريد رضانا، لأننا نبيع أسلحة الحرب للعالم!».  يدور الحديث ويتوقف عند التاريخ، تلك المنطقة كانت شاهدة على حربٍ بين الدانمارك والسويد استمرت عشرات الأعوام. ومن البقعة نفسها، في جوها الصقيعي، ومياهها المتجمدة، وعلى جزر مساحة الواحدة منها لا تتعدى كيلومترات مربعة، وعلى متن سفنٍ خشبيّة، انطلق الفايكنغ ليغزو العالم. ومن قصة إلى قصة، تخبرني إيدا (صديقتي السويدية) عن مقاطعة اسمها سكانيا (نفس مساحة لبنان)، قرر سكانها أن يكون لون علمهم مزيجاً من خلفية حمراء أخذت من العلم الدانماركي وصليب أصفر من نظيره السويدي. أمّا المثير للدهشة فهو التقليد السنوي المتمثل بالذهاب إلى حدود المقاطعة وضرب المعاول بالأرض، كإشارة إلى تمني أهلها بأن يأتي البحر ويفصل المقاطعة عن السويد ليلتحقوا بالدانمارك.  عدنا إلى ستوكهولم بعد أسبوع، الربيع على وشك انتزاع السيطرة من الشتاء. الشعب السويدي يخلع ملابسه السميكة. ينطلق الشباب ليلعبوا كرة القدم، والصبايا يتمددن على العشب. تقول لي دينا (صديقة سويدية أخرى): «لا تتفاجأ، تمرّ علينا ستة أشهر لا نرى فيها الشمس إلا نادراً. أن ترتفع الحرارة لعشرين درجة، فهو عيدٌ وطني».   لا يمكنك عندما تمر في شوارع ستوكهولم إلا وتتأثر بأناقة المارة، ثيابهم البسيطة والمتجانسة، تسريحات شعرهم أو شعرهنّ، وواجهات المحال المرتبة. أمّا المترو فقد مثّل المتعة الحقيقيّة لصديقٍ من اليمن لم يعهده (ولا أنا أحلم به في لبنان). انتظامٌ في المواعيد، وراحة في المقاعد. أمّا الجولة على متن القارب حول جزيرة كونعزهولمن (جزيرة الملك)، فتعلّمك الكثير عن موسيقى الآبا وفودكا الـ«Absolut  التي لم أعرف يوماً أنّ أياً منهما سويدي المنشأ.   كان الطقس يتلاعب بنا أثناء وجودنا في السويد. فمن شمس مشرقة إلى غيوم وأمطار في دقائق موعودة، لكنّ كل ذلك لم يمنعنا من التمتع بالطبيعة الخلابة ومن ليالي نهاية الأسبوع التي لا تنتهي إلا عند مطلع الفجر (على عكس باقي أيام الأسبوع).   أمّا على صعيد الثقافة، فالمدينة تضم أكثر من مكان مصنف بين مواقع التراث العالمي من قبل اليونيسكو لاعتبارها ذات أهمية للجنس البشري (14 موقعا من أصل 878 عالميا في السويد). وبالحديث عن الثقافة والحضارة، فإنّ السويد تمتاز بكونها واحدة من أعرق الديموقراطيات في العالم، ودورها في مجال حقوق الإنسان والمساواة ريادي. النقاش المحتدم مثلاً أثناء وجودنا في السويد كان على خلفية زواج ولية العهد (وبالمناسبة ينص القانون السويدي على أنّ الولد الأكبر للملك بغض النظر عن جنسه يعيّن ولياً للعهد ويستلم العرش). يدور النقاش حول أمنية الأميرة فكتوريا في أن يصطحبها أبيها الملك إلى المذبح لتسليمها لزوجها المستقبلي، وهو ما ترفضه الكنيسة السويدية (لوثرية) لأنّها تعتبر أن في ذلك ذمّا للمرأة بتصويرها كأمانة تسلّم من رجل لآخر.   أعود إلى البداية. كنت أظن أنني وصلت إلى أعلى النقاط في الخريطة. ولكنني في البلد الذي أحب محمود درويش، وفي البلد التي سمعت في جملة تقول: «لا تقل وصلت إلى الحقيقة، بل قل وصلت لحقيقةٍ ما». في ذلك البلد، عرفت أنني في ما اصطلحنا على أنّه شمال، وتذكّرت أنّ الأرض كروية، وأنني لو كنت في حذاء من كان على القمر، لفهمت أنّ كل من على البسيطة بسيطٌ. لذلك كتبت: «في أقصى الشمال فكرة، بعد خمسين عاما أحتفل بيوبيل اللحظة الذهب. هل يبقى الأزرق أزرق؟ بعد خمسين عاما، تتسطح الأرض، لا شرق ولا جنوب. أمّا الرجل والمرأة فيصبحان فكرة مندثرة. غداً تتزوج ابنتي ابن عدوي فنسمي الحفيد خطوة. في ذاك اليوبيل، لا جواز سفر.. لا فوراق بين الشجر. غداً سأعلم ولدي إني أخرق، غداً سأنسيه الفارق بين الأخضر والأزرق، ولن أسميه. لن أعطي ولدي لقبي، ولن أمنعه، ولن أثنيه.. غداً في نار المعرفة سنحترق».

من مجلس النواب إلى وزارة الخارجية، قبل أن ندلف إلى متحف نوبل. في أعلى السقف صور من منحوا الجائزة منذ القرن الماضي، وفي الجولة مقتنيات نادرة لشخصيات مرموقة في تاريخ البشرية، أمّا الفائزون من العرب فقلّة. نوبل الذي اخترع الديناميت، قرر أن يمنح جائزة للذين يقدمون خدمة للإنسانيّة بعد وفاته. جائزة السلام تمنح في النروج، والعلوم قاطبة والأدب والاقتصاد في ستوكهولم، لأنّ على أيامه كانت التيجان موحدة.
في الأيام التالية حزمنا الحقائب نحو الجنوب، إلى مدينة «كارلسكرونا» تحديداً. والاسم يعود للملك السويدي كارل من العام 1680، ومعناها عرش كارل. هي المدينة الأخيرة التي تستضيف قاعدة عسكرية سويدية بعد أن قرر الشعب التخلي عن القواعد في ظل 150 عام من السلام. لكنّها أيضاً المركز الرئيس لتصنيع السلاح الحربي الذي يشكل أهم صادرات السويد.

يتندّر مرشدنا السياحي اليساري على متن قارب يدور بنا في الأرخبيل الجنوبي: «نفتخر أننا بلدٌ مسالم، بالتأكيد نحن كذلك، الجميع يريد رضانا، لأننا نبيع أسلحة الحرب للعالم!».
يدور الحديث ويتوقف عند التاريخ، تلك المنطقة كانت شاهدة على حربٍ بين الدانمارك والسويد استمرت عشرات الأعوام. ومن البقعة نفسها، في جوها الصقيعي، ومياهها المتجمدة، وعلى جزر مساحة الواحدة منها لا تتعدى كيلومترات مربعة، وعلى متن سفنٍ خشبيّة، انطلق الفايكنغ ليغزو العالم. ومن قصة إلى قصة، تخبرني إيدا (صديقتي السويدية) عن مقاطعة اسمها سكانيا (نفس مساحة لبنان)، قرر سكانها أن يكون لون علمهم مزيجاً من خلفية حمراء أخذت من العلم الدانماركي وصليب أصفر من نظيره السويدي. أمّا المثير للدهشة فهو التقليد السنوي المتمثل بالذهاب إلى حدود المقاطعة وضرب المعاول بالأرض، كإشارة إلى تمني أهلها بأن يأتي البحر ويفصل المقاطعة عن السويد ليلتحقوا بالدانمارك.

عدنا إلى ستوكهولم بعد أسبوع، الربيع على وشك انتزاع السيطرة من الشتاء. الشعب السويدي يخلع ملابسه السميكة. ينطلق الشباب ليلعبوا كرة القدم، والصبايا يتمددن على العشب. تقول لي دينا (صديقة سويدية أخرى): «لا تتفاجأ، تمرّ علينا ستة أشهر لا نرى فيها الشمس إلا نادراً. أن ترتفع الحرارة لعشرين درجة، فهو عيدٌ وطني».

لا يمكنك عندما تمر في شوارع ستوكهولم إلا وتتأثر بأناقة المارة، ثيابهم البسيطة والمتجانسة، تسريحات شعرهم أو شعرهنّ، وواجهات المحال المرتبة. أمّا المترو فقد مثّل المتعة الحقيقيّة لصديقٍ من اليمن لم يعهده (ولا أنا أحلم به في لبنان). انتظامٌ في المواعيد، وراحة في المقاعد. أمّا الجولة على متن القارب حول جزيرة كونعزهولمن (جزيرة الملك)، فتعلّمك الكثير عن موسيقى الآبا وفودكا الـ«Absolut  التي لم أعرف يوماً أنّ أياً منهما سويدي المنشأ.

كان الطقس يتلاعب بنا أثناء وجودنا في السويد. فمن شمس مشرقة إلى غيوم وأمطار في دقائق موعودة، لكنّ كل ذلك لم يمنعنا من التمتع بالطبيعة الخلابة ومن ليالي نهاية الأسبوع التي لا تنتهي إلا عند مطلع الفجر (على عكس باقي أيام الأسبوع).

أمّا على صعيد الثقافة، فالمدينة تضم أكثر من مكان مصنف بين مواقع التراث العالمي من قبل اليونيسكو لاعتبارها ذات أهمية للجنس البشري (14 موقعا من أصل 878 عالميا في السويد). وبالحديث عن الثقافة والحضارة، فإنّ السويد تمتاز بكونها واحدة من أعرق الديموقراطيات في العالم، ودورها في مجال حقوق الإنسان والمساواة ريادي. النقاش المحتدم مثلاً أثناء وجودنا في السويد كان على خلفية زواج ولية العهد (وبالمناسبة ينص القانون السويدي على أنّ الولد الأكبر للملك بغض النظر عن جنسه يعيّن ولياً للعهد ويستلم العرش). يدور النقاش حول أمنية الأميرة فكتوريا في أن يصطحبها أبيها الملك إلى المذبح لتسليمها لزوجها المستقبلي، وهو ما ترفضه الكنيسة السويدية (لوثرية) لأنّها تعتبر أن في ذلك ذمّا للمرأة بتصويرها كأمانة تسلّم من رجل لآخر.

أعود إلى البداية. كنت أظن أنني وصلت إلى أعلى النقاط في الخريطة. ولكنني في البلد الذي أحب محمود درويش، وفي البلد التي سمعت في جملة تقول: «لا تقل وصلت إلى الحقيقة، بل قل وصلت لحقيقةٍ ما». في ذلك البلد، عرفت أنني في ما اصطلحنا على أنّه شمال، وتذكّرت أنّ الأرض كروية، وأنني لو كنت في حذاء من كان على القمر، لفهمت أنّ كل من على البسيطة بسيطٌ. لذلك كتبت: «في أقصى الشمال فكرة، بعد خمسين عاما أحتفل بيوبيل اللحظة الذهب. هل يبقى الأزرق أزرق؟ بعد خمسين عاما، تتسطح الأرض، لا شرق ولا جنوب. أمّا الرجل والمرأة فيصبحان فكرة مندثرة. غداً تتزوج ابنتي ابن عدوي فنسمي الحفيد خطوة. في ذاك اليوبيل، لا جواز سفر.. لا فوراق بين الشجر. غداً سأعلم ولدي إني أخرق، غداً سأنسيه الفارق بين الأخضر والأزرق، ولن أسميه. لن أعطي ولدي لقبي، ولن أمنعه، ولن أثنيه.. غداً في نار المعرفة سنحترق».

15 thoughts on “المــدن حيــن نــراها للمــرة الأولــى – ســتوكهولم… النقطــة الأعلــى علــى خارطتــي

  1. تنبيه: Tweets that mention المــدن حيــن نــراها للمــرة الأولــى – ســتوكهولم… النقطــة الأعلــى علــى خارطتــي « خربشات بيروتية -- Topsy.com

  2. جميلة جداً، ولكن دينا مصرية او مصرية سويدية

    قرأت التدوينة بكاملها، الوصف جميل، الانتقال من وقت الى اخر ايضا جميل، وهناك ثراء في المعلومات

    ولكن لم أفهم تماماً قصدك في الفقرة الاخيرة خصوصا حين قلت “غداً تتزوج ابنتي ابن عدوي فنسمي الحفيد خطوة……..ساعلم ولدي اني اخرق…..لن اعطي ولدي لقبي ولن امنعه ولن اثنيه”

    قد افهم من هذه الفقرة انه لا ضير لديك ان تتزوج ابنتك من اسرائيلي على سبيل المثال، هل هذا صحيح ام انك عنيت شيئاً أخر؟

    دمت بود
    صالح

    • دينا مصرية سويدية
      شكراً يا صديقي مشتقلك

      لا يا صديقي لا مانع عندي من أن تتزوج ابنتي ممن تريد
      ولكن هذا لا يعني أنني ألغي ما أؤمن به
      فإنها حياتها
      والمقصود بالنص هو أن لا يكون لي أي عدو في المستقبل

      أخوك

  3. كنا نتكلم عن تلك البلدان و التنظيم و اسلوب الحياة بعفوية لاننا لم نزرها من قبل
    لكن بعد زيارتها اشد ما اعجبني ( من غير ما تضحك علي ) سلال المهملات و علامات اعادة التدوير و كيف ياتي الطفل ليلقي القمامة في مكانها المحدد
    و النظام عند ركوب المترو
    و اكياس الورق عند شرائك الحاجيات او ان تحضر كيسك انت
    احببت الحياة هناك
    و تاكدت كيف يصنعون المستقبل و الاوطان لاطفالهم

    غداً في نار المعرفة سنحترق
    بدات السنة اللهب بالتهامنا

    • لأ ما رح إضحك
      أنا كمان بتلفتلي نظري هيدي الأمور🙂

      أنا عم بحكي عن نار الروح مش الجسد :p

  4. كلمات رائعة جدا وقد أعجبني الوصف من خلال رحلة الزمن السريعة التي حملت معها كل الذكريات…

    لا فض فوك!

  5. تحيات
    جيد جداً ما كتبته صديقي العزيز ويدخل في باب ادب الرحلات.
    في الخاتمة سوداوية رغم اشراقة العبارات، تدفعنا الى قراءة الغد بعيون العلم والمرفة، رغم ان التاريخ يقول ان غداً سيكون ما اليوم، وربما نحن بحاجة الى قراءة كتابي حبيب معلوف: مدخل الى الفلسفة البيئية، وعودة الى الوراء. او قراءة وكوياما عندما اعتذر عن مقولة نهاية التاريخ، وكتب بعنوان نهاية الانسان.
    الى المزيد مع التمني بالنجاح الدائم

    • شكراً إلك يا حبيب القلب في أيام الرحاب😛
      عنجد شرف إلي تعطيني تعليق عامر
      لازم نتلاقى بالقريب🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s