بعد عام


Flickr.com/Frank Wuestefeld

أسعد ذبيـان

مرت ستة أشهر جديدة.. أضافها على الستة السابقة، فكانت عاماً كاملاً، دارت فيه الأرض فيها حول الشمس مرة كاملة.. تكرر في صباح ذلك اليوم كتابة التاريخ نفسه بفارقٍ بسيطٍ لرقم إضافي زاده في آخر التاريخ.. عام كامل مر عليه وعليها، عاد الخامس عشر من شباط ليدق باب رزنامته مجدداً، بارداً كان وطويلاً، حاول أن يستقبله بالفرح والإبتسامة والضحك.. لكنه لم يستطع أن يختمه إلا بجوعٍ وعطشٍ شوقٍ وحرمان.. البارحة كان عيد الحب واليوم عيد الشوق والحنان! أراد أن ينفصل عن كل ما يجمعه في الحياة، عن كل الذين يحب أو كل الذين يرى ويسمع ويحس بهم حوله، عن كل الذين يعشقونه ويعشق، عن كل ما يتذوق ويلمس ويستنشق لينفرد بنفسه وقلمه وورقته… أراد أن يتنفس حبراً ويتنشق ذكريات ويتذوق إختباراً لذاته وكيانه. أراد أن يفصل نفسه عن العالم ليكمل الرواية، ليكمل القصة التي بدأت الحياة كتابتها منذ عامين وأنهت فصلها الأول منذ عام.

منذ عامٍ سطر نهاية مفترضة غير أنه لم ينتبه بأنه يضع مخططاً لبداية تأتي وتأتي وتأتي ولا تعرف أن تنتهي..

عاد بعد نصف العام ليكتب عن قطيعتهم، ليكتب عن تحديهم، عن كبرياؤهم، عن خصامهم، عن شوقهم وصراخهم. عاد بعد نصف العام ليفسر على طريقته نظرته لأمور، عاد ليكتب رواية النصف عام بطريقتين.. عاد ليكون مرة الضحية ومرة الجلاد…

وعندما أنهى الروايتين كتبت له: “قل لي بأنك لم تقل هذا الكلام… لكنه كان هو الكاتب والمخرج والبطل ومهندس الديكور ومدير المسرح. أنهى الروايتين معتقداً أنّ الفصل الثاني من الرواية سيكون الأخير وأن لا عودة للوراء.. ظن أنه يكتب إعترافاً منه ومنها بأن مستقبلهم انتهى وأن كلامهم قد خرس وأن تاريخهم سوية قد توقف.. لكن للقدر طريقة طريفة في السخرية من شخصيات القصة والحياة. كان له أن يعيد كتابة الرواية لستة أشهرٍ جديدة.

في الأيام الأولى، راسله صديقه الذي يعرف أسراره قائلاً: “منذ أسبوعين كنت تشتاق الهيفاء، ومنذ شهر كنت تستحن الحسناء. لو نجح الأمر مع أي منهما لكنت قد نسيت أمر الحبيبة.. أنت تشتاقها لأنها بعيدة وتظن أنها المرادة.. يا صديقي، لقد عرف البشر منذ الأزل معنى (الفراغ) ولذلك ملؤه بالدين والله والإيدولوجيات.. هون الأمور على نفسك.. وابتدع لذاتك قضية جميلة..”.

فابتدع لنفسه مهناً لينساها.. فلم تسلم وظيفة من بين يديه،عمل صبحاً ومساء.. تطوع في أوقات فراغه. أمضى أمسياته يقرأ ويكتب، ويمهر بتواقيعه كتاباتٍ أبعدها قدر المستطاع عن رائحة عنقها وطيب جيرها.. وأسبوعٍ بعد أسبوع، جعل لنفسه زاوية يقرأها الكل إلاها.. يتناقل أخبارها الجميع سواها.. وبدأ نجمه يلمع ولكنها كانت تحجب أنظارها عن السماء..

في الشهر الثاني، راسلته لتختبر إن كان يتذكر أين قرأ الكلام الذي يلي :

“إن المشاعر التي تستنجد بالبوح هي نصف كاذبة.. إنّ خرش حميمية الآخر لا تتأتى إلا بالتعري..”. كانت تذكره بأنه يعرف نفسه ويعرف قيمته وأن لا حاجة لها لأن تقول أكثر من ذلك.. ثم أضافت بأنها لم ترده يوماً أن يشعر بالنقص معها لكن تصرفاته دفعتها لتجاهله.. إنها لا تعرف شيئاً مجرد حاجتها لتكون قريبة منه..”

حاول بكل ما لديه أن يمسك بها، أن لا يخسرها، أن لا يبعدها عنه.. أن يضمها إلي، لأنه يحتاجها أكثر من أي وقتٍ مضى، لأن يشتاقها أكثر من أي لحظةٍ.. قال لها: (لا أريد إلا أن تشعري بالذي أشعره تجاهك.. أن تفهمي كم عانيت لأجلك، أن تغيري شيئاً من كبريائك وأن تضحي قليلاً لي…”

فهمت رسالته بالمعنى الخاطىء، جاوبته: “تريدني أن أشعر مثلما شعرت.. حسنا، لك الحق الكامل في ذلك..” ثم توارت عنه. بقي نجمه يتصاعد، فكثرت المعجبات حوله.. كان يواعد الواحدة تلو الأخرى ويخرج معهن في الصبح والمساء.. يتناول قهوته الصباحية عند هذه، ويقضي أمسيته مع تلك… كان يتلهى بالنساء عنها.. وكانت هي على حالها الماضي، تشتاقه كل فترة لوهلة، وهي لا تدري حباً أم طمعاً بامتلاكه، غيرة أم تعويضاً عن نقص.. تسأل عنه قليلاً وتتوقع أن يجري … وما أن يثبت لها بأنه ما زال صعب المراس، تلتهي عنه بالآخرين .. كانت تراسل وتتصل وتلتقي بكثر، وتجد الوقت والأعذار لأهلها لتواعد الآخرين ولم تكن لتفعل عندما كانت معه، فآثر البقاء بعيداً حتى تكتشف مكامن خطئها…

قبل أن يمرالشهرالثاني راسلته من أرقام صديقاتها.

الإثنين: “كيفك، إشتقتلك، ماذا تفعل؟”.

الثلاثاء: أخبرني عن أيامك، عن مشاريعك، عن أخواتك.. عن دراستك، عن أعمالك”.

الأربعاء: “البارحة رأيتك في المنام…”

الخميس: “متى تنوي أن تراني لأراك”.

الجمعة: “أود كثيراً لو نجلس سوية ونتحادث، لدي الكثير لأخبرك إياه”.

السبت: “أشتاق لرائحة عطرك، وملمس يديك…”

Locks

ثم يتصادف لقاؤهما الأحد.. تحدثه بمقدماتٍ طويلة عن شوقها إليه، عن حاجتها إلى وجوده بجانبها، عن ندمها وحزنها وحسرتها عليه.. ثم تقول له أنها تريد الإعتراف له بشيءٍ خطير.. جلس في مكانه مبتسماً يحضر نفسه لأن تقول له: “تعال لنجرب حظنا مرة أخرى.. عد إلى كنفي.. فلتكن حبيبي”. زهى بنفسه وانتظر أن يسمع منها كلمات الحب والغزل والعشق. فاجأته. قالت له: “هنئني.. أنا في علاقة مع شاب آخر وأريد منك أن تقف إلى جانبي..”. ضحك وضحك وضحك.. أوقف الدمعة في أحداق عينيه ومنعها أن تجري لتشي بضعفه.. ضحك وبقي يضحك. إعتذر على رفضه الوقوف بجانبها وعندما أصرت جاوبها بالتالي: “قبعي شوكك بإيدك”.

عنّفته، وقست عليه بالكلام.. أجابها بسخرية وأخبرها مازحاً عن طرفة أبو العبد.. غاب عنها يومين، فكانت تكتب له رسائل مشفرة بشوقها، فجاوبها كما أشارت عليه صديقة بقصيدةٍ نزار قباني. “أتريدين إذا وجدت العاشق، أتريدين أن أكون صديقاً؟ وتقوليها غباءٍ.. موقفي تعرفينه فتواري عن طريقي، يا من أضعت الطريق..”.

أخذ يمحص التفكير في القضية وقرر بعد ليالٍ من النوم المحروم أن يمتثل لها، أراد أن يذعن لها. أن يرضى بشروطها.. تعهد أن يراسلها عن الموضوع حالما يستطيع، وعندما استطاع وجد رسالةً منها تنتظره. فكانت قد قررت هي أن تذعن لمطالبه هو وتمحيه من قاموس ذكراه ضحك مرةً أخرى.. فراسلها قائلاً: “كما تشائين”.

أغلق الرسالة وخرج مسلماً يديه لمشيئة القدر.. أغلق باب مكتبه وخرج للشارع.. خرج ليكتشف أن القدر يحب أن يلاعبه بأبشع الطرق.. كانت صديقته تنتظره عند الباب ومعها رفيقة لتعرفه عليها، تعرف على هذه الفتاة التي تشبه حبيبته في كل شيء.. في عنفوانها، في ميزاجيتها، في كبرياؤها، في لباسها، في قوتها.. ولا تختلف عنها في العمر ووسائل الاتصال بها والإنتماء السياسي (طبعاً في بلادٍ يعرّف فيها على الشخص بحسب دينه ومذهبه وحزبه).. قضى معها أسبوعين أو ثلاث، حاول أن يعرفها أكثر، أن يتقرب منها، أن يهندس بداية جديدة (مع أنّها هي التي تدرس الهندسة) علّه يرتاح ويهدأ.. وعندما اكتشف أنه ينزلق لعلاقة من نفس النوع، إستخدم الفرامل لكي لا يكون ضحية شركٍ جديد يذهب له. خاف أن يمسك الوردة الحمراء بكلتا يديه دون أن ينتبه للدم الذي سينزفه بسبب الشوك الذي يملؤها.

في الشهر الثالث، دارت به الأقدار ليعود إلى علاقة سابقة، إلى فتاة كانت بها تجمعه بها قصة حبٍ طفوليّة، وعاطفة رومنسية من نوعٍ خاص.. حاول أن يعيد نفسه إلى ما قبل أن يعرفها، إلى ما قبل أن تدخل حياته.. ولأنّه أراد أن يقتل كلّ صلة وصلٍ بها، عمل في ثلاث أو أربع وظائف.. وبدأ التحضير لجنازتها.. كان قد وعد نفسه أنه لن يقتلها إلا على مرأى من الجميع. حضر الشهود، والوسيلة والأمور اللوجيستيّة، وغلف أداة القتل بلون بنفسجي وأعد العدة ليكون موتها شعرياً.. أراد أن يقتلها بكتاب لأنهما العاشقين لأحلام مستغاتمي يطربان للجملة التي اختارها مقدمة لكتابه.

“كل عمل ناجح نقوم به، هو جريمة ما. نرتكبها تجاه ذاكرةٍ ما، تجاه شخصٍ ما، نقتله على مرأى من الجميع بكاتم صوت ووحده يدري أن تلك الكلمات الرصاصة كانت موجهة إليه..”  كان يحضرهما لموتٍ جميل.. كان الموت جنيناً يحمله في فؤاده.. تسعة أشهرٍ حمله في بطنه قبل أن تأتيه آلام المخاض في الشهر التاسع (ستة أشهر أولى ثمّ ثلاثة الآن) ليضع الطفل الذي سيولد ميتاً.

ذهب ليضع اللمسات الأخيرة، توجه إلى الأماكن التي تجمعهم سوية، والأشخاص والرفاق المشتركين بينهما ليشاركوه مأتمه وعرسه، ليشاركوه حزنه وفرحه.. رأته هناك يقف بين من يحبوه، وبين من كانت في عدادهم، جربت أن تصل إليه! فهددها من هي على علاقة معه بالويل والثور.. لكنها لم تأبه. لم تتحكّم بنفسها. تقدمت منه، سلمت عليه، كان بودها أن تقبله لكنها لم تستطع، حدثته للحظة,، وأتى فتاها المدلل.. صمت قليلاً، عرفتهم على بعضهم البعض.. ضحك مجدداً.. كان يود أن يقول لها: “أبهذا تستبدليني؟” هو لم يقل ولكنها فهمت عليه.. وضعت يدها على فمه ومشت.. أكمل هو قهقهاته مع المعجبين وتركها تسير.. إشتاقته في المساء فأرسلت له: “كيفك، إشتقتلك، آنٍ لك أن تفهمني.. بالمناسبة أكمل رسالة عنك أتمنى لو يقرأها أحدهم يوماً ما..” عادت لأساليبها، عادت لتلعب على أوتاره، ولكنه كان متيقظاً منها.. هذه المرة لن يكون لقمةً سائغة، سيرفضها، سيتحداها حتى تثبت له العكس. سيمتحنها، سيجربها حتى تثبت ولاءها. تعجب منها حين تراسله وتقيم علاقة مع غيره.. كان هو بالفعل يفعل ما يشبه ذلك، يراسل غيرها ويقيم علاقة معها..

في الشهر الرابع:

قبل أيام من المأتم.. رآها مرةً أخرى، طلبت أن تلقاه، فأذعن.. توجه إلى بيتها..  كانت المرة الأولى التي يدخل دارها.. جلسا سويةً، بمفردهما أحياناً وبرفقة أختها أحياناً أخرى.. عرفته على والدتها.. وتحادث مع أخيها وأبيها الذي يعرفهما. إستعار من عندها كتباً لم يعدها حتى اليوم.. يومها قرأت له من كتاب أسرارها وقرأت له على مسامع أختها وصديقة.. قرأت واعترفت. اعترفت أنّها تحبه. أنّ أحداً لم يهز كيانها كما فعل، أن أحداً لم يطء أراضيها المقدسة كما فعل، أن أحداً لم يصل إلى سبر أغوارها كما فعل.. ويوم كان عندها، إتصلت به شبيهتها (مثلما إتصلت هي عندما كان مع هذه الشبيهة).. لم يستطع تفسير حبها له وارتباطها بغيره.. سألها أن تتركه لأنها لا تحبه فأجابته بأنه (أي ذلك) لم يخطأ بحقها ولن تفعل.. قال لها أنت تخونيني فأنكرت. فقال لها ماذا تسمين رجفة يديك إن لمستني، ماذا تسمين رعشة شفتيك إن إقتربت منها؟! لم تجب.

كتب وسألها عن السبب.. عن السبب الذي يمنعها من أن تترك ذاك الرجل وتعود إليه.. جاوب نفسه.. خوفها من أن تنبذ مرةً أخرى، وحاجتها للطمأنينة ورجل يعتني بها ويراها كل يوم.. ولأنها لا تستطيع أن تجاريه، ولأنّها معه ومعه فقط تشعر بأنها لا تتحكم بزمام الأمور، وهي إمرأة تهوى السلطة وتعشق الحكم.. ثم كان أنّه أراد أن يرحل لعدة أيام.. ليرتاح قليلاً من عبء التفكير فأرسلت له: “إنتبه جيداً على نفسك ــ أرجوك..” ذهب ليفكر في عاصمة عربية، وعاد قبل ثلاثة أيام من مراسيم الدفن التي أعدها..

قبل ليلةٍ من عرس الموت، كان ماراً بالقرب من بيتها، إتصل بها قرابة منتصف الليل وهو لا يعرف إن كان الجوال بحوزتها أو بحوزة أبيها.. لكنها جاوبته هي وقال لها: “أنا خارج منزلك فوافيني..” فعجلت بالأمر.. تكررت مأساته معها.. هما إفترقا لأنها هي لم تسأل عنه يوم عاد من تلك العاصمة العربية في المرة الأولى، ولم تتلقفه كما يجب في المرة الثانية. بقت في علاقة علنية مع رجل غيره وعلاقة باطنية معه.. كان هو العاشق السري وكان الرجل الآخر زوجها الشرعي الذي لا تحبه وكان زواج مصلحة!

في اليوم المقرر، إرتدى بذلته الفاخرة، ولبست هي ردائها المثير.. وقع كتابه وسط الحشود وقرأ مما لديه قصيدةً أو إثنتين.. كتب إهداءاتٍ لكثر، وأصرت هي على البقاء للنهاية واشترت كتابين، واحداً ليوقعه ويكون الشرعي الذي ستراه أمها وأبيها، وثانٍ سري يكتب فيها له ما لم يكتبه لأي إمرأةٍ أخرى. كتب لها بما معناه: “لا حاجة لإهداء لك.. فبين صفحات الكتاب ستجدين نفسك.. إلى من كان إسمها (ملهمتي)، شكراً لك…”.

بعد يومين, وكان قد انتهى الشهر الرابع، راسلته لتقول: “صباحك. هل أيقظتك؟ّ! عشقت كتابك (بالفرنسية) وختمت الجملة بقبلة”. كان عيد الأضحى قد إقترب فراسلها ليتمنى لها عيداً سعيداً لتجاوبه: شكراً حبيبي، يا ليتك كنت هنا.. قضا العيد سوية على الهاتف، أكثر من خمس ساعات من الحديث المتواصل، عشرة أشهر استعرضوها وتحدثوا عنها. إكتشفوا أنهم لم يضيعوا الكثير، إكتشفوا أن بالإمكان إصلاح الأمور، كان يعرفان بأنهما ما زالا متحابيان ولكن ظاهرالأمور يشي بعكسها.. طلبت منها أن تترك الذي معه، سألته إن كان سيأخذها إلى كنفه ولم يعدها بشيء، إفعلي ذلك لا لأجلي بل لأجل مصداقيتك وعندما شاكسته وأصر هو على موقفه، إختلفا..

عرفت إنها مخطئة، فنقلت له شعراً.

(إغضب،

إجرح مشاعري،

حطم قلبي،

هددني بحب إمرأةٍ غيري ــ

إغضب،

فلن أجيب بالتحدي..

إرحل إن أتعبك البقاء،

إرحل فالنساء كثيرات..

وعندما تريد أن تراني،

عد إلى قلبي متى تشاء.)

راسلته بعد يومين، فلم يجب. بعثت له تسأله عن السبب فلم يجب.. كتبت له بأنها تشتاقه ولم يجب.. بعد يومٍ راسلته بإقتضاب “أشتاقك” ولم يجب… كان قد وصل الأمر إلى حده الأخير بالنسبة إليه.. كان يريد أن يضع حداً لعلاقتها بغيره.. أن يرحل لتعرف قيمته.. أن يذهب لتعود إليه.. أن يسافر ويموت لتشعر بقيمة خسارته.. وكان الأمر قد وصل إلى حده الأخير بالنسبة إليها.. كانت تتنازل أخيراً عن كبرياؤها كثيراً عن عنفوانها وهو لا يجب… كانت مستعدة لأن تفعل ما يشاء شريطة ألا يخدشها في الصميم..

قرر حينها أن برحل ويخلي الساحة لذلك الفتى المغمور.. كل المؤشرات كانت تؤكد له صوابية موقفه.. كيف له أن يحب إمرأة تواعد غيره؟! كيف له أن يتأكد أنها تحبه لذاته لا لأنه صار مشهوراً!! كيف له أن يكون مع إمرأة لم تعرف قيمته من قبل؟! كيف له أن يتخلى عن كل اللواتي كن مستعدات ليقدّمن له أكثر مما تفعل هي بأشواط؟! قرر أن يمحيها ومن على صفحته الالكترونية لكي لا تعرف عنه شيئاً.. ظنت هي أنه يكرهها ولم تفهم أنه يفعل ذلك من حبه لها.. أنّه يقطع كل صلات الوصل معها لكي لا يتعذب..

في الشهر الخامس، راسلته أختها، كان يشك بأنها خلف الموضوع. تصرف بطبيعيّة. سألته إن وجد إحداهن لتسرق قلبه، ضحك في سره مجدداً. كان يود أن يقول وهل بقي لي قلب ليسرق؟ لكنه أجابها بأنه قد حان وقته ليسرق قلوب الأخريات، وهو بالتحديد ما كان يفعله.. كان قد بدأ بالتعرف على فتاةٍ جديدة، وبدأ يفكر بعد مرور ما يناهز العام أنه قد حان له أن يرتبط بأخرى بدل البكاء على الأطلال وبأنه قد ملّ العلاقات العابرة والجنس الرخيص والعواطف المزيفة، لكنه كان ما زال يعاني من عمليّة إنتقاء الخلف.. فهي قد رفعت معاييره كثيراً بحيث يأبى أن يستبدلها بأيّ كان.. دفعه حزنه ليزيل عنوان أختها الالكتروني أيضاً لأنه يريد أن يحرمها من كل شيءٍ يتصل به.. كان يعذب نفسه أكثر وهي لا تعرف.. وكان أحياناً يضحك على كلامه قائلاً، هل تراها تسأل حتى أعذب نفسي؟!  ومن قال أنها مهتمة بملاحقة أخباري؟! أليست سعيدة بالرجل الذي إختارته؟!

في أول الشهر السادس، حصلت له إنتكاسة.. عرف بها قليلون قليلون.. لكنها ساعدته ليبدأ من الصفر.. وصل به الأمر إلى الحضيض لكنه إستطاع أن ينهض من بين الركام ليبدأ مجدداً. إكتشف أنه ضيّع الكثير وبأنّه خسر في العديد من المجالات (الكتابة/ المطالعة/ المهنة/ الصحافة/ الأصدقاء/ العمل السياسي/ العلاقات الإجتماعية..). فأخذ يسعى يتذكر ما ليعوّض ما فاته… بدأها بالكتابة ولم يفعل سواها… كانت الهموم أكبر منه، والأثقال شديدة على ظهره. فقرر محاربة العالم والظلم بقلمه، فكتب وكتب في البداية ثم قررأن يستسلم للأيام ويبدد قساواتها بالنقود التي اختزن قليلاً منها، فنجح في الأمر لقليلٍ من الوقت حتى إصطدم بالواقع، فعاد إلى الصفر مجدداً مستفيداً من تراكم التجارب…

حتى كان يوم يحدث فيها إحدى زميلاتها، أخبرته حينها أنها قد تركت ما يسمى بعلاقتها الشرعيّة منذ فترة قاربت الشهر، ويذكر أن صديقتها تعجبت كيف أنه لا يعرف، وتعجب هو من نفسه كيف أنه لم يسأل طوال تلك المدة… شعر ببصيص أمل سرعان ما خاب عندما تذكر أنها لم تسأل عنه ولم تحاول الإتصال به.. حاول التأكد من صديقاتها المقربين فأكدوا الأمر وتعجبوا كيف أنه لم يعرف وأخبروه أنهاأنّها بررت فعلتها لأنها تريد أن تعود إلى كنفه.. وكان هو لا يعرف عن الموضوع شيئاً.

بعد أسبوعٍ، كان على وشك أن يهاتفها، أن يقول لها: “كيفك، إشتقتلك؟” ـ  كان يريد أن يتصل بها، أن يخبرها عن إستعداده لفتح صفحةٍ جديدة ـ قبل أن يفعل، إتصل بزميلتين لها تعرفان قصتهما، أقنعتاه بأنه لم يتخذ سوى القرار الصائب من قبل وبأنها هي لم تتغير بل تزال على حالتها. أنانية، قاسية، تحب نفسها ولا تعرف أن تنكسر. هي على حالها تحاول أن تبرهن للجميع بأنها الأجمل والأبهى والأكثر إغواء.. بأنها التي يطاردها كل الرجال وبأنها قلما تهتم لأمرهم. وزميلتها الثانية أخبرته خبراً لم يسره ــ لم يكن سبب تركها للشخص التي تواعده هو.

أققنعته رفيقتها بأنها نسته تماماً، وأنها تفكر في احتمال العودة إلى ما كان قبله.. صدم! فكّر: (دائماً هناك من قبلي وهناك من بعدي، كأنّ الزمن توقف عندي.. إما تحاول أن تنساني بالماضي وإما تهرب للمستقبل..) ثم هان عليه الأمر، هكذا يفعل كل العشاق.

كان هو في ذلك الوقت قد بدأ بالتعرف على أخرى، وكان بكل جوارحه يذهب نحو ثانية.. كان يبتعد عنها رويداً رويداً، وينزلق هنيهة هنيهة… كان يفر من بين قبضة عالمها المحكمة ليعلن إستقلاله عن دويلتها… عانى صراعاً لا يطاق… فهو إن كان مع غيرها الآن سيكون قد أدخل شخصية جديدة إلى روايته. شخصية لا يريد لها الأذى، شخصية يريد أن يحضنها.. وأن يجنبها المشاكل والعقد التي ورثها… لم ينفع معه دواءٌ ولا وصفة طبية… لم ينفع معه سوى أن يكتب… كتب قصة حبلى بالشخصيات الخرافية، قصة إمرأةٍ حبلى من إلهٍ كلما حاولت أن تبتعد عنه كبر الجنين في داخلها ليمنعها من الخروج عليه..

وعندما إتخذ القرار بالهرب منها في جنح الظلام، داهمته… عرفت أنه سيخرج هذه المرة وإلى الأبد… لم تحاول أن تمنعه أو أن ترسل دوريات التفتيش عنه… لم تحاول حتى أن تعرف إلى أين يهرب ومع من؟! إلى أين يلجأ وأين سيبقى؟! تجاهلت الموضوع… ردة فعلها إكتشفها هو من دون أن تخبره عنها… كان له قريباً يحمل لقب العائلة ذاته مهاجراً إلى البلد الذي هاجر إليه هو قبل أكثر من عام عندما وشت له بأول أخبار شوقها وحبها… كان له قريباً من درجة بعيدة، يجلس في غرفةٍ في أرضٍ أبعد. يسطر له فصلاً يبعده عنها أكثر وأكثر..

غيّر ذلك القريب حالته الشخصية من عازبٍ إلى مرتبط… تلقفها هو برحابة صدرٍ وحزنٍ دفعه للضحك.. كيف له:”مبروك لك.. فنحن أبناء هذه العائلة محظوظين، قل لي من هي سعيدة الحظ؟!… كان يريد أن يختبر شكه. أن يختبر حاسته السادسة تجاهها.. جاوبه ذاك الفتى: “أنا المحظوظ.. تعرفها أنت بلا شك”. تأكّد، تأكّد، تأكّد! كانت المعادلة بغاية البساطة، لم يعد لها ولم تعد له. لكنّه كان يفكّر (بالمقلوب)، كيف لها أن ترتبط برجلٍ لا تراه ولا تحدّثه إلا عبر الهاتف؟ كيف لها أن تنتقي رجلاً يحمل إسم عائلته بين رجال الدنيا قاطبةّ؟ كيف لها أن ترتبط بشخصٍ يحبّه إبن عمّها وهو نفس إبن العمّ الذي كان يكرهه؟! كيف لها أن تستمتع بتعذيبه على هذه الشاكلة؟ وكان يفكّر كيف له أن يرتبط إمرأ ستعذّبه بقدر الأولى؟ كيف له أن يكون مع امرأةٍ شروط الحياة معها تكاد تكون مثل سابقتها؟ لكنّه رضي بالذي قسمه القدر، قرر أن يحارب وأن يتعب جهده. أن يضحي قليلاً ليبني لنفسه حياةً بعيدة عنها. وعندما وجد من تستطيع أن تشاركه هذه الحياة غيرها، قرّر الرحيل إليهل ليحيا عوضاً عن البقاء والموت.

مرّ عيد الحيب ولم يكن معها، ولم تكن معه.. أرادها أن تكتشف الفارق بين وجوده وبين غيابه. وهل علها تلحظ؟ هل ستنتبه أنّها لن تستيقظ لتجد هدية بجوار سريرها؟ أنّها لن تسمع صوته ليقول أنّه يحبّها؟ كفى، كفى، كفى.. تذكّر، لقد أخطأ هو ولم يستطع أن يقدّم لها شيئاً في عيد الحب.. وربّما سيأتي آخرين ليقدّموا لها في الأعوام التي تلي، وربّما في هذا العام، وأنّها لا شك نسته أم ستنساه. فما الذي يدعوه إلى أن يفكّر بها بعد الآن؟ ربّما لهذا السبب بعينه قرّرت أن ترتبط بعينه قررت أن ترتبط برجلٍ مسافر إلى آخر المعمورة، لكي لا يكون رقيباً أو حسيباً على أفعالها ومعجبيها واتصالاتها ومحبيها.. كفى، كفى.. كان يكفيه وساوس في الفكر لتجعله يكرهها أكثر.. أوقف عقله عن التفكير!!

في اليوم الثاني، إستيقظ على صوت منبّه.. كان هذا المنبّه يدقّ كل يوم طوال العام الذي مضى لكنّه لم ينتبه إليه ملياً من قبل. كان بالنسبة إليه مجرّد ساعة تدقّ عند السادسة لتوقظ أختيه ليذهبا إلى المدرسة والجامعة. نسي أو تناسى أنّ هذا المنبّه كان جزء من هديتها له في العام الماضي، تلك الهدية المتواضعة الجميلة.. المنبّه على شكل قلبٍ أحمر! كان يدق فوق رأسه كلّ يوم ولم يشعر به. فلمَ اليوم؟ ليؤنبه ضميره أكثر؟ لتعل السنة أنّها التفّت عليه عاماً وأنّها شدّت الخناق عليه أكثر؟!

إستيقظ وتوجّه ليرى ما رافق المنبّه من هديتها.. بطاقة معايدة كتبت له فيها:

” لو لم ألقاك، لما كنت قد أعجبت بك..

لو لم أعجب بك، لما كنت قد أحببتك..

لو لم أحبك، لما كنت قد إشتقتك..

ولكنني أفعل، وسأبقى أفعل!”

وصورة كبيرة لها أعطته إيّاها ليحفظها عنده، لأنّ لا أحد في العالم لديه  نسخة عنها.. كان يتساءل إن كانت ما توال تشتاقه حقاً؟ ويسخر من كيفية كتابة البشر لكلامٍ لا يوفون به لاحقاً. قبل أن ينهي القصّة، دخلت عليه أخته الصغيرة، لتسأله: “هل كنت تحلم البارحة بحبيبتك السابقة؟” سألها: “لماذا؟” أجابته: “لا شيء، سمعتك تصرخ باسمها أكثر من مرّة وعندما أردت أن تناديني بالصباح، ناديتني باسمها…”.

ربّما عرف لماذا لم يستطع أن ينام طوال عامٍ مضى!

ملاحظة: الست الأشهر الأولى مؤرخة في: هذا ما كانت تخفيه الأيام وما تخفيه الأيام

في آواخر شباط 2009

4 thoughts on “بعد عام

  1. قلت هيت لشوف اليوم شو كاتب أسعد قبل ما بلّش شغل، عادتاً بقرأ العنوان وشوي من المقدمة وبأجّل الباقي لخلص شغل، اليوم أخرتني عشغلي وعالدني كلها يا أسعد. ما قدرت وقف قراءة. رائعة يا أسعد، صادقة ومعبّرة ومشوّقة، ذكرتني برواية ذاكرة الجسد لأحلام. متشوقة لإقرأ بعد.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s