بإسم الصورة والكلمة والإمرأة المشتهاة


Flickr.com/erin MC hammer

أسعد ذبيـان

لم يستطع إلتقاط صورٍ لها، لأنّها كانت تخفي وجهها خلف القميص الأزرق. كانت تدير ظهرها بعيداً عن العدسة التي تحاول انتهاش صورة فوتوغرافية لها يحنطها هو في ألبوماته. لم تكن تعرف أنّ رائحة وجهها محفورة في ذاكرته. كانت تخبره صديقته منذ أيّام عن الوقت الذي ستأتي فيه إمرأة وتزعزع كيانه، أخبرته أنّ “ضربة المقلاة” ستصفعه في وجهه بحيث تنسيه كل الفساتين القصيرة والأرداف المشدودة التي تمخر في شوارع المدينة الحارة. لم يخبره أحد عن الطريق/الدرب الذي ستسلكه فارسة الأحلام، لم يخبره أحد عن لون الجواد الذي ستمتطيه. خمن في عقله كل إحتمالات اللون، وأعدّ أذنيه لسيمفونيّة بيتهوفينيّة وللحظة خاطفة يقاس عمرها بسدس نوتة موسيقية. لم يأخذ بعين الإعتبار أنّ الضربة القاضية ستأتيه من الخلف، على جوادٍ إسمه “الماضي”. لم يفكر يوماً في أنّ القادم من الأيام قد يكون مختبئاً تحت طيّات جسده، في مسامه الجلديّة التي يتعرّق منها في أوقات الحر. داهمته رائحة العرق ذاتها عندما صعد معها في السيّارة لتقلّه إلى إجتماع تأخر عليه كعادته. كان المقعد بجانب السائق خلف المقود مدفوعاً إلى الخلف، ابتمست وبررت أنّها ترتاح في مدّ قدميها نحو الأمام. مازحها بسماجته المعهودة بألا تخجل من الإعتراف أنّها كانت تمارس الحب على المقعد، فأعادته للوراء كي يرتاحا (هي وحبيبها). لم تجبه وأكملت صراعها مع زحمة السير والمنعطفات الضيقة.

كان تفكيره يسرح في حظّ من يقبل شفتيها، ويلامس قدميها، ويعصر تحت فمه جيدها وكتفيها. عندما أخفت وجهها وأخفق في محاولة اقتناص صورة، عنّ على باله فكرة سرقة إطار عدسة يحتوي على فخذيها المدودين تحت الطاولة،وطلاءْ زهريّ اللون يعلو أظافرها، لكنه أحجم عن المحاولة. لطالما لفتته أناقتها البسيطة، إبتعادها عن مساحيق التجميل، ونعومة صوتها عندما تتحدث بإقتضاب. وعندما شيّعها إلى باب السيّارة قبل الإنطلاق، كان يحثها على الكلام لأنّه يحب شفتيها التي تطبق على الحروف، ولسانها الذي يحتك بأسنانها عندما تنطق كلمة مغمسة “بدبس” الإبتسامة. كان يتمنّى أن يلتقط صورة لشريط السوتيان الأبيض على شكل ورودٍ صغيرة مطرزة، والذي يحمل هضبتين فوق سفحٍ يمتدّ وينبسط حتى أخمص قدميها.

لم يحذره أحد أنّ الملهمة ستكون غريقة في شباك صيّاد غيره، لم يحذره أحد أنّها ستكون أميرة عرشٍ ومملكة هو ليس سوى لاجئ فيها. يتذكّر الصورة التي التقطها لها في مسيرة تنادي بحق المرأة في إعطاء الجنسيّة لأولادها، فكان هو الطفل الذي يتمنى أن تمنحه جنسيتها او حق اللجوء القسريّ إلى مرابضها. كانت  تخبره عن والدها الذي أعجبته كتاباته، كان شبه إعتراف بأنّها تحب فنه، فاضطر للإعتراف بأنّه خطّ في أول لقاء بينهما تفاصيل اللليلة التي لن تعجبها. لم تلح لتسأله عنها، ولم يمانع.

كان يفكّر بالورقة العذراء التي تسقط عليها شذرات الحبر، فتغيّر معالمها وعالم الذي يقرأها. يفكّر في بدعة الكتابة وهرطقة الفهم، يفكّر في الحرف الذي لقم العقول أو خدرها، كان يفكّر بالكتابة على جسدها. أن يعريها ويكتب على بطنها اعترافات بالهيام، ومن ثمّ يصورها. عندها فقط ستكون ملكاً لقلمه، ولحبره، لعينيه، ولعدسته، وللجوئه السياسي إلى روحها. عندما لفظت المسافة أنفاسها، وداست هي على الفرامل، عرف أنّ الحلم انتهى وبأنّ عليه أن يترجّل لموعده المتأخر. يصفعه الواقع دائماً، تسعفه الحاجة للتمسك بحبال الواقعيّة. يصرخ بها عندما تدير ظهرها: “أرجوكِ، لا تزدادي جمالاً”. يصفعه صديقه على وجهه، يصرخ به: “ما بك؟”. كان يحلم في الإجتماع الذي لم يتأخر عليه. كان ينسج حكاية لكنه زاد بهارها.

21 thoughts on “بإسم الصورة والكلمة والإمرأة المشتهاة

  1. تنبيه: Tweets that mention بإسم الصورة والكلمة والإمرأة المشتهاة « خربشات بيروتية -- Topsy.com

  2. adorable as usual… so true ..nothing is of the brain’s creation ..but of the reality..yet…reality is how we think about it ..
    i am sooo sure that she is real ….that she knows what impact does her details have on you…and guess what ??she may be using her simple details to provokate your ink.

    keep up the great work
    i liiked

    • نسرين.. أينك مختفية؟
      بدي إسمع أخبارك.. ولو
      شكرا على الإطراء.. ولكنها غير حقيقية _ أقلها بعض التفاصيل
      أراكِ

  3. Another captivating article. Another delay to work and to the real world
    أسعد خلص أنا بعترف من هاللحظة ومن هالمكان: I am a fan of your writings (:
    We want more! We want more

  4. My friend Assaad, i always get stunned by ur thoughts and the way u percieve things, i love the way u write peoms and words, the go slow like honey in my ears and slow like honey all over my skin…

  5. من بعد إذن نزار فأنت فعلا وليمة فوق سرير
    شعر كانسياب الماء و صوت كزقزقة العصافير
    خدود كالتفاح ملمسها حرير
    شفاه بلون الكرز لو رآها النبي أحاسيسه تثير
    والرمان مع كل تنهد يتعرق له الناسك كما المطر الغزير
    وجدول ما بين النهرين للحياة هو منبع كبير
    وساقان كالبرق تلمعان في عز الزمهرير

  6. you have a way with words that allows a reader to feel what you are saying as if they are watching the scene you are describing.beautiful

  7. منذ دخلت مدونتك، لم استطع المغادرة..
    حاولت قراءة كل شيء وفي كل نص تكون بعقلي جانب اخر من شخصية مبدعه وجريئة ..
    احترت هل لشخص في سنتيمترات جمجمته الحره المطلقه المنشغله بكل امور الدنيا وسياساتها..مساحة للحب والأحلام ؟🙂
    أظن هذا النص وأخواته أجابني نوعًا ما ..

    تشرفت بمعرفة مدونتك وبمعرفة ان في هذا الكون ما زلت أجد عقولاً حُره عربيه.. وأتشوق لاستكشاف المزيد..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s