الكواشرة: عقلٌ في لبنان وقلبٌ في تركيا


أسعد ذبيـان

نشرت في مجلة حبر لبناني

يمرّ رجل وزوجته بصحبة فتاتين ويسلم على جاره العجوز باللغة التركية، يتقدم نحوه الرجل ويرد عليه، ينتهي الحديث بينهما بـ”يعطيك العافية”. تظن للوهلة الأولى أنّ المشهد في بلدة تركية على حدود العراق أو سوريا، وتخمينك نصف صحيح. فالبلدة في الأراضي اللبنانية بالقرب من الحدود السورية وهي الكواشرة في قضاء عكار، التي يسكنها أحفاد العثمانيين منذ 400 عام. الإشاعات كثيرة حول البلدة (لمن سمعوا بها). البعض يقول إن سكانها لا يتكلمون إلاّ التركية، وآخرون يفترضون أنّهم لا يتزوجون سوى من بعضهم البعض. فما هي الحكاية؟

استغرقت الرحلة من طرابلس حوالي الساعة. الكل يعرف البلدة في عكار، ولكن لا أحد سمع بها في طرابلس، فما بالك في المناطق الأخرى؟ تطالعك عند مدخل القرية بحيرة خلابة المنظر، وطريق صغيرة لا يبدو لك غيرها. ترتفع على بعض المباني أعلام تركيّة، فيبدأ عقلك بالتخمين. هل هم فعلاً أتراك؟ أم أنّ تركيا في وجدانهم والعلم للدلالة على أراضي الأجداد؟ أمّ أنّ دماء شهداء المركب “مافي مرمرة” هي السبب؟!

نتوقف أمام أحد المحلات، نستفسر بـ”استعباط” القادم إلى المجهول، فيأتي الجواب من صبية “ساحة البلدة وبيت المختار إلى الأمام، ومنزل رئيس البلدية مررتم بقربه”. نتقدم مسافة أمتار قليلة، فتفاجئنا عينُ ماء إلى يمين الطريق حفر العلمان التركي واللبناني بالألوان على صخورها. إلى يسار العين منحوتة على شكل كتاب حُفِر عليها باللغتين العربية والتركية “تمّ الإفتتاح بمناسبة زيارة وزير خارجية الجمهورية التركية أحمد داوود أوغلو إلى عكار بتاريخ 30 تموز 2009”. تعود للخيال. أين أنت؟ في الأناضول؟ ولكن الجواب لن يتأخر ليأتيك.

نتقدم بالسيارة حتى نصل إلى وسط البلدة، زمرة رجال متجمهرون حول دار المختار، نحييهم، نعرفهم بأنفسنا، فيكون اللقاء في دار مختار البلدة خضر محمد خضر بحضور رئيس البلدية ورجال كرام آخرين. هنا الضيافة واجب واللباقة الإجتماعية عالية، وقبل أي سؤال يأتيك شراب يثلج صدرك، وقهوة تساعدك على التركيز. لا حاجة للقلم والورقة، أسلوب الإستجواب لا ينفع، فالدردشة خير معين لتقصّي الحقيقة. اعتاد رئيس البلدية سليمان أسعد أخذ زمام الأمور (هو المختار السابق للبلدة لـ12 عاماً مضت)، فيروي لنا الحكاية ونحن كالأطفال المتحلّقين حول الراوي. ويبدأ “نحن أتراكٌ أباً عن جد، منذ 470 سنة. نتحدث فيما بيننا باللغة التركية. ونحن لبنانيون أيضاً، أباً عن جد، نعيش هنا”. يكمل المختار الحديث عن تاريخ البلدة ويقول “عندما غادر العثمانيون بلاد الشام، بقي أهلنا هنا. كنّا البلدة الوحيدة في عكار التي لم تكن مملوكة من قبل الإقطاعيين”، مشيراً إلى صكوك بيع أراضي عند قاطنيها التي تعود للعام 1923.

العلاقة مع تركيا

يأتي اشتقاق اسم بلدة الكواشرة من كلمة Gochare ومعناها الرحالة. كان قاطنوها الأوائل كثيري التنقل قبل أن يستقروا في البلدة القديمة، التي تبعد 700 متر عن البلدة الحالية، والتي لم يبق منها سوى حجارة تدل على عمرها. على بعد ثلاثة كيلومترات تقع الأراضي السورية. السؤال البديهي الأوّل هو من أنتم؟ ينبري المختار ليرد “نحن تركمان، ولكن لو أعطيتني شقة في تركيا، فلن أعود، ولدت وتربيت هنا.. نحن هنا وهناك”، تكر الأمثال الشعبية في الجلسة “الإنسان إبن بيئته” و”من نكر أصله لا أصل له”.

السؤال الثاني الذي يفرض نفسه هو “ما علاقتكم بتركيا؟”، فيجيبني محمود خضر، أحد الجالسين “بدأت العلاقة في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، كان من بلدتنا عسكري يخدم في منطقة الرابية، هناك السفارة التركية، فتواصل معهم، ومنذ العام 1989، زار كل سفراء تركيا في لبنان الكواشرة”. وهنا يأتي السؤال البديهي ماذا جنى الكواشريون من هذه العلاقة؟ والجواب يأتي هذه المرة من “الريس” سليمان الذي يقول بفخر: “قدموا لنا عين الماء (السبيل) التي شاهدتها، ومبنى ثانوية، ومنحاً جامعية لطلابنا فحوالي العشرة إلى 12 شاباً يدرسون حالياً في تركيا”. كما كشف لنا الحاضرون عن مشروع بناء مدرسة إلى جانب الثانوية في المستقبل القريب، ومشروع مد شبكة مياه للبلدة مع حفر بئر ارتوازيّة. يتدخل البعض ليشيروا إلى أنّ اهتمام الأتراك لم يقتصر على بلدة الكواشرة، فالأتراك بنوا مدارس في كلٍ من بلدات: المحمرة والكوشة وخريبة الجندي وسفينة القيطع ووادي خالد وإم الخنافس والهرمل، كذلك بنوا مستوصفاً في بلدة البيرة.

يفهم الأتراك لغة أبناء بلدة الكواشرة في حين يستصعب أبناء البلدة لغة بلدهم الأم، ذلك أنّه قد طرأ عليها تعديلات في حروف الكتابة واللهجة، لذلك أرسلت السفارة التركية لهم مدرساً يعطي صفوفاً أسبوعيّة في دار البلدة يعلّم كل من شاء من أبناء الشمال، وبعض الطلاب يقصدونه من حلبا. أهالي القرى المجاورة يحاولون التقرّب من أهل الكواشرة علّهم ينالون نصيبهم من كرم “الدولة العليا”، وأبناء الكواشرة لا يبخلون في دعم قضاياهم المحقّة وفي دعوة وجهائهم للإجتماع بالوفود الكبرى والمشاركة في المناسبات العامة.

وعندما اعتدت إسرائيل على الباخرة التركية “مافي مرمرة” شعر أبناء البلدة بالحنق “كنا معنيين مثلنا مثل كل القرى حولنا في استنكار ما جرى، ولكننا شعرنا بالمرارة أكثر كون لنا موطئ قدم في تركيا وآخر مع إخواننا العرب” يقول رئيس البلديّة.

مع لبنان: التاريخ والسياسة

عن العلاقة مع الدولة اللبنانية يؤكد الحاضرون أنّها تهملهم مثلما تفعل مع كل الأرياف، ويتحسّر أحدهم فيقول “يا ليت الدولة اللبنانية قدمت لنا فتات ما يفعله الأتراك، لكانت انتفت الحاجة إليهم”. وقد تجلّى واقع غياب السلطة اللبنانية في رسالة وصلت لهاتفي المحمول وتقول: “أهلاً بكم في الأراضي السوريّة، يمكنكم إستخدام خدمة الرسائل القصيرة من سيرياتيل”. أُخبر الحاضرين، فيشرحون أنّ تغطية شبكة المحمول السوري أفضل بكثير من اللبناني وهم يستخدمون شرائح الهاتف السورية من “أم تي أن” وسيرياتيل أيضاً. وعن العلاقة مع تاريخ الدولة اللبنانيّة، فيشرح رئيس البلديّة تسلسل الأحداث منذ الإستقلال ليصل لأيام الحرب الأهليّة: “في فترة الأحداث، لجأ أغلب مسيحيي المنطقة إلينا لنحميهم، ففي قرية الدبابية المجاورة، هناك ماردنيين موارنة وأرثوذكس إختبأوا عندنا، وقد طوقتنا الأحزاب الفلسطينية عدة مرات نتيجة هذه الأحداث”.

دخل قلة من أبناء البلدة في أحزابٍ سياسيّة، والسبب الرئيس كان لحماية أنفسهم. فتصوّر مثلاً تركماني يتفاخر بنسبه وهو عضو في حزب البعث العربي الإشتراكي. ولا مراكز لأحزاب سياسيّة وإن كانت البلدة إقترعت بنسبة تفوق التسعين بالمائة للائحة تيار المستقبل (1080 صوتاً إنتخابياً). ويعلّق البعض “لم يتم الإنتخاب حباً بالنواب الذين نادراً ما نجدهم بيننا، بل بلائحة تيار المستقبل”. تسأل عن السبب، فلا يأتيك الجواب، ويحضر مثل شعبي يقول “الذي يخرج من ثيابه، يصاب بالبرد”.

العادات والتقاليد

سألت عن الزواج وإن كان أهل الكواشرة يقبلون أن يتزوجوا من مناطق أخرى، فكان الدليل في عرسِ يجري على بعد أمتار منّا. فتاة من البلدة تتزوج من رجل من عكار، والزغاريد تملأ المكان. الأحداث كانت مناسبة للحديث عن عادات وتقاليد الزفاف. فقيل لي ان العريس كان يركب على ظهر الفرس، ويوقفه الأهالي في الساحة لقص شعره وتجهيزه، والبعض يحممونه أمام الجميع فيما يخفي عورته. تدور الصواني المصنوعة من القش على الحاضرين ليساهم كل منهم بمبلغ من المال حسب قدرته. يتحسر محمود على الأيام التي كان فيها “القبضاي” قادراً على دفع ليرة، في حين يتحدث عبد الرحيم عن عادة حمل الجرن لإثبات الرجولة. أمّا اللباس القديم فكان شروالاً للرجل، وثوباً طويلاً ومقصفاً للمرأة تملك معظم نساء القرية واحداً منه.

تعتبر الكواشرة المنطقة الأكبر مساحة في منطقة “الدريب الأوسط” العكاريّة (وهو إسم يطلق على منطقة في عكار، على غرار مناطق “أكروم” و”السهل” و”الشفا” و”الجومي”..). يمتلك أبناء القرية معظم الأراضي في الكواشرة ما عدا استثناءات بسيطة، كما يمتلك أبناء القرية مساحات واسعة في قريتي العامرية (التابعة عقارياً للبيرة) التي انتقل معظم سكانها إلى الكواشرة والنورة. على هذه المساحات تمتد بيوت السكان، ومتاجرهم وحوانيتهم الصغيرة، والمقار الرسمية للدولة، والمدرستين الثانوية والمتوسطة، وثلاث مساجد (إثنين في الكواشرة وواحد في العامريّة). أهل القرية بمعظمهم متدينون يذهبون إلى مساجد الحارتين الشرقية والغربية ويؤدون صلاة الجمعة.

شباب البلدة

يخبرني عبدالرحيم عن عادات الشباب في البلدة، فيقول “نحن هنا يد واحدة، نتعانق ونقبل بعضنا ثلاث قبل كل يوم نتقابل به، تجمعنا عصبيّة ورابطة أخويّة”، ثم يشرح أنّه في حال واجه أحدهم أية مشكلة يهب الآخرون فوراً لمساعدته. ويطبقون المثل القائل “أنا وأخي على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب”.

7 thoughts on “الكواشرة: عقلٌ في لبنان وقلبٌ في تركيا

  1. تنبيه: Tweets that mention الكواشرة: عقلٌ في لبنان وقلبٌ في تركيا « خربشات بيروتية -- Topsy.com

  2. لبنان بلد جميل .. بلد التنوع و العلم .. و لكن الشئ الوحيد هو استغلال ذلك التنوع و العلم من قبل قلة وضعت نفسها وصية على لبنان ليكون الناتج طائفية و حقد و عمالة ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s