كان يكتم غيظه


أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

كان يكتم غيظه في الأيام الماضية. دائماً ما تعاود اللعب معه بتلك الطريقة التي يكرهها. تقرب الحبل وتدنيه من عنقه، ومن ثمّ تتركه حتى يقع، ولا تلتفت إلى الخلف. لم يشبع نهمه للكتابة، لأنه أخذ عهداً ألا يكمل مسلسل سرد آلامه أمامها، هي التي تقتات من أحزان الرجال حولها. كان العهد أن يكتب كل فصلين قصة ليخبرها عمّا يجري معه. لكنه في المرة الأخيرة، قرر الهرب من الورق، وفي المرّة التي سبقتها شاء ألا يدعها تقرأ دموعه. يجدر به حتّى الآن أن يكون قد كتب خمس رسائل، وهي العامان والنصف التي فصلته عن وهمها، حقق منها ثلاثا وها هي المخطوطة الرابعة، ولكنها مختلفة. الاختلاف ليس في المضمون، لا في اللغة المستخدمة التي سئم الخضوع لحروفها، ولا في المسافة الفاصلة بين وجودها. جغرافياً، ما تزال المسافة على حالها، إنّما عاطفياً فهي بُعد الأرض عن نبتون. تختلف بأنه يكتب لها وهو متيقّن أنّ كلّ شعور تجاهها قد ووري الثرى، ويكتب وهو متأكد من أنه لن يسامحها.

يكتب لها هذه المرة لا ليريح غرورها، بل ليريح ضميره. «دعيني أذكركِ بما فعلته في الأسابيع الأخيرة؟!» يبدأ الرسالة. اتّصلت به عندما عاد من السفر لتطمئن عليه، ولتقول كم هي متلهفة للقائه. للمرة الأولى لم يجبن من عباراتها المعسولة والمجبولة بالمكر. كان قراره واضحاً، لا عودة للماضي، أصدقاء فحسب. ائتمنها على أسراره كصديقة كتومة، أخبرها عن حبيبته الجديدة، قال لها: «دعينا نتصرف بطريقة حضارية، أن نكون بجانب بعضنا البعض عوض أن نكون خصمين متناحرين». اتّصلت به بعدها لتخبره عن مشاكلها العاطفيّة، فماذا بدر منه؟ الإصغاء والصبر ومحاولة المساعدة. وعندما لم تفلح العلاقة مع شريكها، اتّصلت لتعلمه بالأمر، وما كانت ردة فعله؟ لا شيء.. لم يشمت، لم يفرح، بل واساها، كان يفكّر: «هذا ما يفعله الأصدقاء».

تغيب فترة ومن ثمّ تعود لتسأل، ومع هذا لا يتغير. لم يعاملها باللامبالاة أو اللاجواب، تعلّم أن الأسلوب لا ينفع معها. تغيب ليومين أو ثلاثة قبل أن تعود بعبارات «اشتقت إليك»، و«كيفك، أريد لقياك» وغيرها.. ودائماً دائماً، عندما يأتي موعد اللقاء تهرب من الجواب أو تفر من الموعد. تهاتفه قبل الموعد المضروب بلحظات لتعلن أنّها غيّرت مسارها ومصير يومه من دون أن تقيم له وزناً ولا أن تستميحه عذراً. وعندما تسأله أن يدلف صوبها، يؤثر ألا يهينها وألا يهين كبرياءه فيعتذر، لماذا؟ لأن هذا ما يفعله الأصدقاء.
تصبح عليه بابتسامة، يرد الرسالة فلا تجيب. في المساء تقول له: «عمت مساءً» مع قبلة، ويبقى هو على المسافة الشرعية من مكرها، مع أنها امرأة كان يترقب الوثب والقفز صوبها (عاطفياً وجسدياً) – للتذكير «كان». في منتصف المسافة بين فاصلتين في جملة من فقرة أحاديثهم الهاتفية ترسل له نصاُ طويلاً بليغاً ليقول: «اشتقتك». تباغته، ومع ذلك لا يلتفت إلى الخلف ويقرر أن يبقي الأمور عند حدها.

يخسر فريقه المفضل في كرة القدم، فترميه برسالة لتهزأ به، يرد برصانة أنهم استحقوا الخسارة، تجاوبه: «يقبرني الشاب الجدّي ما أغلاه»، ومع هذا يستمر في التجاهل. تنشر مقالته في الجريدة، فتشتريها ثمّ تسأله بعبثٍ متى تنشر؟ يجاوبها، تقول إنها تقرأها. تخبره أنّها معجبة بشابٍ جديد، فيعطيها نصيحة الصديق بألا تتورط سريعاً لأنّها ما لبثت أن تركت أحدهم. تطمئنه. تفتح سيرة الماضي، تكرّ على مسامعه القائمة الطويلة من الرجال الذين أخضعت كأنما هي ملكة تستعرض سلطانها بين يديها. تعتبره إمارة مفتوحة سيطرت عليها في غزواتها السابقة، يتحامل على نفسه ويعضّ على الجرح. يسألها عن أصعب الأسوار التي واجهت، فتسمّي اثنين، هو أحدهما، فيصمت. ينهي الحديث بمرارة، لا لأنه من الماضي، بل لأنه اكتشفت أنّ تضحيات الماضي لا قيمة لها. يشكر الأيام أنّها أنجبت امرأة أخرى تضحي وتقدر وتجيد أن تحب.

تتصل لتخبره أنها نجحت في الامتحان، يغتبط، والمفارقة أنه قد سقط في امتحاناته، بالطبع هي لم تشاركه الحزن. يتفاجأ عن مغزى زفها الخبر، ولكن لا يسمح لنفسه بتمادي التفكير. يسألها عن موعد اللقاء، فتقول: «صعب هذه الفترة»، لا يلح وترحل.

***

يرى الناس مأخوذين بفكرة الصدفة، ويتحدثون عنها كأنها تعيش بينهم، تمر عليهم، تسألهم عن أحوالهم، وتضع مساحيق التجميل، وترتدي ثوبها الأسود القصير أمام الفتية، فتسرق عقولهم. يتحدثون عن الصدفة كأنّما هي تدرك ماهيتها، كأنما هي تعرف نفسها وتتقصّد المرور عليهم بين الفينة والأخرى. ثمّ قال لنفسه (لا). ليس بالضرورة أن يكون هناك شيء اسمه الصدفة بتاتاً (عدا أصداف البحر). هناك دائماً أشخاص قادمون وراحلون، صاعدون وهابطون ويقومون بمختلف الأعمال. فإنّ احتمال أن يتصرف المرء حسب مسار معيّن ثابت لا يعني بالضرورة أن يبرر فكرة «الصدف»، كذلك إنّ احتمال تصرفه بشكل مغاير تماماً (مثل أن يكون يحب الموسيقى أو لا يحبها، أو إنه سيئ السمعة أم لا) هو أمر قابل للحياة أيضاً. إنّ عدم اختياره لهذا المسار لا ينفي وجوده.

***

يعرج مع صديق له في نفس الليلة التي كلمته بها على مقهى، صديقه جاء من السفر ليقابل رفاقه، فيا ترى من يجد بينهم؟ هي.. نعم هي التي لا تستطيع أن تخرج من المنزل كثيراً، جاءت لتودع صديقاً قبل أن يسافر. ومن يجد هناك أيضاً؟ أحد الأسوار القديمة التي «تعمشقت» عليها والتي كانت تعبّر عن ندمها على ارتباط اسمها بذاك الغزو والفتح غير المبين. دلف إلى الطاولة المجاورة لأنّ المقاعد بجانبها موزعة على آخرين، فيما توزّعت ابتساماتها على من لم تطلهم يديها. هاتفها الجوال لم تهدأ رسائله. هي مع الرجل الذي كانت تخبره عنه، والذي فجأة هطل عليها كرم الوقت لتمشي معه في الساحات المضاءة باللون البرتقالي. وصل هناك وغادر «ذاك»، ولو بعد حين، وبدل أن تلتفت، أي بدل انحراف مسارها من المستقبل نحو الماضي، قررت أن تمر بالأقرب إلى الحاضر وتنسى أمر وجوده. التجأ لأذن صديقه يخبره عنها: «غريبة هذه الدنيا، كيف تجلس على بعد مقدار بوصة واحدة من دون شعور من الذي كنت تظن أنّك لن تعيش من دونهم في الماضي». قررت أن تمنح من حولها كلّ حواسها، التقاط الصور لنشرها على جدار إلكترونيّ كأنّما تتعمد إغاظة أحدهم.

كان يكتم غيظه في الأيام الماضية، لكن يبدو أنّها لا تهتم، فلا اتصال هاتفيا ليسأله عن حاله، ولا رسالة. لماذا أصلاُ تكبد نفسها المشقّة وهي لديها رقعة شطرنج ببيدقين متحركين الآن، الأوّل جندي يتقدم نحو الأمام كما تشاء والثاني حصان، يمشي حسب مساراتٍ محددة، ويستطيع حملها، أمّا هو، فليس سوى ملك «مكشوش». مسحها عن دفتر معارفه (للمرة الخامسة). يشعر أنّ في هذه المرة شيئاً مختلفاً عمّا سبق، لم ينفجر هذه المرّة بها غاضباً، كان يكتم غيظه.

14 thoughts on “كان يكتم غيظه

  1. تنبيه: Tweets that mention كان يكتم غيظه « خربشات بيروتية -- Topsy.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s