حين يعانق أسفلت الطريق شرفات المنازل


يتحلّق بهاء وأنور وصلاح حول زجاجة الويسكي على شرفة المنزل الذي يبعد عن الشارع مسافة رمشٍ واحد، فإسفلت الطريق يكاد يعانق عتبة الشرفة المؤدية للمدخل الأمامي لبيت الأول. ولدوا هنا على ضفاف هذا الطريق الذي لا يتعدى عرضه الأمتار الثلاثة. هناك، نسجوا مغامراتهم الأولى، لعبوا «الغميضة» واختبأوا خلف السيارات القليلة المركونة. في هذا الشارع تمرّدوا على السلطة الأبوية، فصفقوا الباب خلفهم ولجأوا «للزمرة» في وسط الساحة. هناك لعبوا، وهنالك غازلوا أول فتاةِ في سن العاشرة، بكلماتٍ تعلّموها من الأكبر منهم سناً. هناك تذوقوا طعم السيجارة للمرة الأولى خلسة، وتعلموا قيادة السيارة «سرقة». هناك التقى بعضهم بعضا ففهموا معنى الانتماء لشلة البلدة، وتعاونوا ليبنوا أشرعة أحلامهم. هذا الشارع في بلدة مزرعة الشوف هو ثلاثة أرباع شرايينها، الربع الأخير هو لجاره الموازي له في الحارة السفلى. هنا لا قوانين رياضيّة لتحكم: شارعان متوازيان لكنهما يلتقيان مرتين، في بداية الطريق وفي نهايتها، ليشكلا حلبة سباق. منذ بضعة أعوام، قرر بعضهم إقامة مسابقة مدرسية للركض هناك. وأبناء الضيعة كانوا الأدرى بشعابها. غش أحدهم واعتمد الطرق المختصرة ففاز بالميدالية الفضية. تعرّف الشارع على الكهرباء، وبقيا يتواعدان مرة واحدة كل يومين بسبب التقنين، قبل أن يبادر صاحب «الموتير» إلى مدّ شبكة إنارة خاصة. هو الشارع الذي لا يعرف جسور المشاة أو أرصفتها، هناك لا تمييز بين عجلٍ أو أقدام، فلكل من وطئ إسفلته الامتيازات نفسها. هو الشارع الذي يُقطع لكل الأسباب، لأنّ ولداً هرب من بين أبواب المنزل، ولأنّ أحدهم يبتاع «ربطة خبز» من متجرٍ، ولأنّ بعض الشباب يلعب كرة القدم. وتتجلّى أعظم الأسباب في زفافٍ يخترق الصمت والسكينة، لتطلق النسوة زغاريدهنّ عن الشرفات، والعنان لأيديهن فترش الأرز والورد على رؤوس موكب الفرح. يختبئ على جدران البيوت الملاصقة غزل العشاق، وشتائم الكافرين بالحياة، والشارع هنا محكومٌ بإرادة أصحاب المنازل لا العكس، فهو يمتد أو ينحسر بحسب حجم البيوت على جانبيه. عند الحادية عشرة مساء، يعلن الشباب أنّ موعد باسل في المرور أصبح وشيكاً. لا يخيب الرفيق توقعاتهم، فيدلف من خلف المقود لينضم إلى حلقة النرجيلة والويسكي. في الضيعة، مواعيد محددة، وتصرفات متوقعة، وتمييز لأي سحنة رأس أو لوحة سيارة خارجة عن المألوف. في الشارع، أقدامٌ اعتادتها التربة، فتفصل لك ذرات التراب نسل أحدهم من وقع خطواته، فهنا مرّ أبوه وجده من قبله. قرابة منتصف الطريق، قرر جد بهاء بناء غرفتين لتشكل «بيت عائلة» لمناسبات الأفراح والأتراح، قبل أن تضيق الجدران الصغيرة بثمار شجرة العائلة التي كبرت أغصانها. هنا لا مؤسسات تجاريّة، ولا بنوك ولا فنادق ولا محال ضخمة، وحدها «الدكاكين» صغيرة الحجم المتكورة وسط البيوت أو المقتطعة من أحد غرفها تكافح لتعيش. في شارع القرية، يمل الانتظار من توقع ريح حافلة تمّر مرة كل ساعتين (إلا في الصباح) وتحمله إلى بيروت، فيسلّم نفسه لمقعدٍ على شرفة تشرف على قرى مرشوشة بيوتها كحبات الأرز في طبق جبال الشوف. شادي غادر الشارع منذ أيام الطفولة، يعبر ببطءٍ عندما يعود للقرية، يشعر بالحنين لليالي التي قضاها في كنف صالون جدته. مسقط رأسه في بيت على مرمى حجر من الطريق «الضيّق الذي لا يشبه شوارع المدينة» كما يقول. يتندّر البعض أنّ لشارع مزرعة الشوف كورنيشاً في بيروت هو كورنيش المزرعة. يعللون الأمر بأنّه الشارع الأول الذي تصله أقدام الشباب القادمين من الجبل. وأيضاً لأنّ العديد منهم يعمل فيه. كما يختبئ غاليري أحد أبناء القرية بين ثنايا المباني المطلّة على الشارع المزدحم دوماً. هنا لا مجال للمقارنة، شرطة وإشارات سير لم تعهدها القرية، سيارات تفح دخاناً طوال النهار، وتسابق الريح في الليل. هنا المباني تعانق السماء، وإسفلت تمل الحشرات من محاولة اجتيازه لطوله. بين الكورنيش والشارع مسافة ستين كيلومترا. وبينهما أيضاً عقود وسنوات. لأنّ الكورنيش كان يشبه الشارع في شبابه. اليوم تجاعيده ونضوجه واضحة المعالم، زحمة بشر، ومليون قدر. هي أقدارٌ يجمع بينها ويعدل في مرورها فوق ظهره، وانصياعها لمنعطفاته، والتزامها بتعليمات القيّمين عليه. هو بستانٌ في منتصفه علت ثمار أشجاره التي قررت بلدية بيروت غرسها. هو حقلُ ألغامٍ دعائيّة منثورة على ثناياه. يحلم أطفال الضيعة بأن تنتقل العدوى إلى شارعهم ليزدهر كنظيره «أبو العبد»، في حين يتمنّى قاطنو الأخير لو تعود بهم الأيام حين كان الكورنيش مجرد شارع.

عرش الشارع في بلدة مزرعة الشوف

أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

يتحلّق بهاء وأنور وصلاح حول زجاجة الويسكي على شرفة المنزل الذي يبعد عن الشارع مسافة رمشٍ واحد، فإسفلت الطريق يكاد يعانق عتبة الشرفة المؤدية للمدخل الأمامي لبيت الأول. ولدوا هنا على ضفاف هذا الطريق الذي لا يتعدى عرضه الأمتار الثلاثة. هناك، نسجوا مغامراتهم الأولى، لعبوا «الغميضة» واختبأوا خلف السيارات القليلة المركونة. في هذا الشارع تمرّدوا على السلطة الأبوية، فصفقوا الباب خلفهم ولجأوا «للزمرة» في وسط الساحة. هناك لعبوا، وهنالك غازلوا أول فتاةِ في سن العاشرة، بكلماتٍ تعلّموها من الأكبر منهم سناً. هناك تذوقوا طعم السيجارة للمرة الأولى خلسة، وتعلموا قيادة السيارة «سرقة». هناك التقى بعضهم بعضا ففهموا معنى الانتماء لشلة البلدة، وتعاونوا ليبنوا أشرعة أحلامهم.

هذا الشارع في بلدة مزرعة الشوف هو ثلاثة أرباع شرايينها، الربع الأخير هو لجاره الموازي له في الحارة السفلى. هنا لا قوانين رياضيّة لتحكم: شارعان متوازيان لكنهما يلتقيان مرتين، في بداية الطريق وفي نهايتها، ليشكلا حلبة سباق.
منذ بضعة أعوام، قرر بعضهم إقامة مسابقة مدرسية للركض هناك. وأبناء الضيعة كانوا الأدرى بشعابها. غش أحدهم واعتمد الطرق المختصرة ففاز بالميدالية الفضية.


تعرّف الشارع على الكهرباء، وبقيا يتواعدان مرة واحدة كل يومين بسبب التقنين، قبل أن يبادر صاحب «الموتير» إلى مدّ شبكة إنارة خاصة. هو الشارع الذي لا يعرف جسور المشاة أو أرصفتها، هناك لا تمييز بين عجلٍ أو أقدام، فلكل من وطئ إسفلته الامتيازات نفسها. هو الشارع الذي يُقطع لكل الأسباب، لأنّ ولداً هرب من بين أبواب المنزل، ولأنّ أحدهم يبتاع «ربطة خبز» من متجرٍ، ولأنّ بعض الشباب يلعب كرة القدم. وتتجلّى أعظم الأسباب في زفافٍ يخترق الصمت والسكينة، لتطلق النسوة زغاريدهنّ عن الشرفات، والعنان لأيديهن فترش الأرز والورد على رؤوس موكب الفرح. يختبئ على جدران البيوت الملاصقة غزل العشاق، وشتائم الكافرين بالحياة، والشارع هنا محكومٌ بإرادة أصحاب المنازل لا العكس، فهو يمتد أو ينحسر بحسب حجم البيوت على جانبيه.

عند الحادية عشرة مساء، يعلن الشباب أنّ موعد باسل في المرور أصبح وشيكاً. لا يخيب الرفيق توقعاتهم، فيدلف من خلف المقود لينضم إلى حلقة النرجيلة والويسكي. في الضيعة، مواعيد محددة، وتصرفات متوقعة، وتمييز لأي سحنة رأس أو لوحة سيارة خارجة عن المألوف. في الشارع، أقدامٌ اعتادتها التربة، فتفصل لك ذرات التراب نسل أحدهم من وقع خطواته، فهنا مرّ أبوه وجده من قبله. قرابة منتصف الطريق، قرر جد بهاء بناء غرفتين لتشكل «بيت عائلة» لمناسبات الأفراح والأتراح، قبل أن تضيق الجدران الصغيرة بثمار شجرة العائلة التي كبرت أغصانها.

هنا لا مؤسسات تجاريّة، ولا بنوك ولا فنادق ولا محال ضخمة، وحدها «الدكاكين» صغيرة الحجم المتكورة وسط البيوت أو المقتطعة من أحد غرفها تكافح لتعيش. في شارع القرية، يمل الانتظار من توقع ريح حافلة تمّر مرة كل ساعتين (إلا في الصباح) وتحمله إلى بيروت، فيسلّم نفسه لمقعدٍ على شرفة تشرف على قرى مرشوشة بيوتها كحبات الأرز في طبق جبال الشوف. شادي غادر الشارع منذ أيام الطفولة، يعبر ببطءٍ عندما يعود للقرية، يشعر بالحنين لليالي التي قضاها في كنف صالون جدته. مسقط رأسه في بيت على مرمى حجر من الطريق «الضيّق الذي لا يشبه شوارع المدينة» كما يقول.

يتندّر البعض أنّ لشارع مزرعة الشوف كورنيشاً في بيروت هو كورنيش المزرعة. يعللون الأمر بأنّه الشارع الأول الذي تصله أقدام الشباب القادمين من الجبل. وأيضاً لأنّ العديد منهم يعمل فيه. كما يختبئ غاليري أحد أبناء القرية بين ثنايا المباني المطلّة على الشارع المزدحم دوماً.

هنا لا مجال للمقارنة، شرطة وإشارات سير لم تعهدها القرية، سيارات تفح دخاناً طوال النهار، وتسابق الريح في الليل. هنا المباني تعانق السماء، وإسفلت تمل الحشرات من محاولة اجتيازه لطوله.

بين الكورنيش والشارع مسافة ستين كيلومترا. وبينهما أيضاً عقود وسنوات. لأنّ الكورنيش كان يشبه الشارع في شبابه. اليوم تجاعيده ونضوجه واضحة المعالم، زحمة بشر، ومليون قدر. هي أقدارٌ يجمع بينها ويعدل في مرورها فوق ظهره، وانصياعها لمنعطفاته، والتزامها بتعليمات القيّمين عليه. هو بستانٌ في منتصفه علت ثمار أشجاره التي قررت بلدية بيروت غرسها. هو حقلُ ألغامٍ دعائيّة منثورة على ثناياه. يحلم أطفال الضيعة بأن تنتقل العدوى إلى شارعهم ليزدهر كنظيره «أبو العبد»، في حين يتمنّى قاطنو الأخير لو تعود بهم الأيام حين كان الكورنيش مجرد شارع.

2 thoughts on “حين يعانق أسفلت الطريق شرفات المنازل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s