الجهاد الأكبر ضد النفس: “شيف” صائم


 

أسعد ذبيـان

نشرت في موقع شباب السفير

إنّها الساعة الثامنة والنصف، مضى موعد الإفطار منذ ساعة وربع تقريباً، ولكنّ عمال المطبخ في مطعم “بربر” في الحمراء، بدأوا إفطارهم منذ دقائق فحسب. المعلّم فراس جمّة (سوري الجنسية) يستعجل الخروج من الطابق العلوي ومن بين الخضار وروائح الطعام إلى الشارع لكي يستأنس بسيجارته الأولى منذ أكثر من 12 ساعة. يرافقه زملائه في المطعم، فيتكومون حول صندوقٍ أبيض يعلو إحدى دراجات الـ”دليفري” النارية. يجاهد هؤلاء الشباب النفس أكثر من غيرهم، فصيام رمضان صعبٌ لوحده، وتزامنه مع الحر والنهار الطويل يزيد من مصاعب ملتزمي الفريضة. فكيف إن كان عملهم في المأكل الذي يجب أن يبتعدوا عنه؟

يبلغ المعلم فراس من العمر 32 عاماً، ويعمل في مصلحة المطاعم منذ 4 سنوات. يعتبر أنّ الصيام بالنسبة له واجب “وخط أحمر”، وهو يواضب على الالتزام بالصوم منذ زمنٍ طويل، وذلك في أشهر رجب ورمضان وشعبان من كل عام. “الحمد لله ما في ولا إشكال”، يعلن فراس رداً على السؤال المتعلق بقدرته على المواظبة في حين أنّ الطعام والماء بين يديه طوال النهار. “المطلوب تلبية الزبائن وخدمتهم، نحن في نهاية اليوم نعمل في مصلحة عليها الاستمرار”. لكن أليس من المفترض أن يتذوق “الشيف” ما يحضّر؟ يجيب فراس: “المعلّم لا يحتاج لأن يتذوق الطعام. المعايير والمقادير كافية”. أمّا كريم الذي يعمل في أحد مطاعم السوديكو فيخبرنا عن طريقة مغايرة في اختبار جودة الطعام المعد: “لدينا مسيحيين يعملون في المطعم، تقع على عاتقهم وعلى عاتق المسلمين غير الملتزمين مهمة التذوق”.

يعمل حميد (28 سنة) في مطعم كذلك، تقتضي مهمته لوضع أسياخ اللحوم فوق الفحم، ومن ثمّ زيادة التوابل والخضار عليها وتقديمها للزبائن من الرابعة حتى بعد منتصف الليل. يداوم على المصلحة منذ 5 سنوات، ويصوم رمضان من أوله. تسأله عن زلات قد تنجم عن اللانتباه لموضوع الصوم، فيضمن لك ويؤكد أنّه ينتبه جيداً ولا يفطر سهواً. لا مانع عنده من تقديم الخدمة لزبائن لا يصومون، يردد “كل واحد حر بحالو”. أما بالنسبة لموعد إفطاره: “حوالي السابعة والنصف، وأحيانا نتأخر بعض الشيء، لكن لا يوجد مشكلة حقيقية”. أمّا يحيى عبد الله (41 عاماً) والذي يعمل في مطعم سي فود ماركت في كورنيش المزرعة، فيعتبر أنّ “العادة من تحضير الطعام ذاته يومياً لفترة (16 سنة) كفيلة لأن تنسى فكرة أنّ ما أمامك هو طعام يفطرك”، ويضيف بأنّ الصائم في هذه المصلحة يواجه “جهاداً أكبر والحل الوحيد هو التحلي بالصبر”. يكشف يحيى أنّ المشكلة في العطش لا الجوع، وفي طلب النفس للسيجارة إذا كان المرء مدخناً. وبالنسبة لما يتناوله على الإفطار، فهو يطلب من زوجته تحضير أطعمة لا يعمل بها، “لأنوه زهقان من اللي بين إيديّ”.

يقضي شواخ عبود (33 سنة) النهار متنقلاً على دراجته الناريّة يوصل طلبيات الزبائن من الأطعمة إلى منازلهم، ورغم أن الحر شديد، والجوع يشتد، لكنه يواظب على صيامه. “هو نهار عادي”، يقول شواخ في حين يغرف ملعقته في صحن “الفتوش” الذي أحضره  من داخل المطعم بعد ساعة من موعد الإفطار.

ويبدو أنّ فوائدّ قومٍ في كسب الحسنات في أيام رمضان، مصائبٌ “صغيرة” عند البعض الآخر. فأيمن الذي اعتاد أن يحضّر له العامل المصري نرجيلة في الغرفة الضيقة البعيدة عن عدسات كاميرات المطعم الفاخر، يشكو أنّ الأخير لا يقوم بإعداد “الشيشة” هذه الأيام لأنّه صائم.

* جزء من سلسلة تحقيقات تحت عنوان “مهنة مش مهانة” – المووضع القادم حول عمال بناء الجسور والأنفاق

 

 

3 thoughts on “الجهاد الأكبر ضد النفس: “شيف” صائم

  1. تنبيه: Tweets that mention الجهاد الأكبر ضد النفس: “شيف” صائم « خربشات بيروتية -- Topsy.com

  2. كتير حلوة الفكرة يا أزعر
    برافو عليك .. خلي ( ج ) تقرأ الموضوع وتشوف أديش أجمل من الأسلوب التقليدي

    تحياتي يا باشا ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s