عدسة تطارد القمامة


أسعد ذبيـان

نشرت في حبر لبناني

 إنّها رحلة رصد القمامة، لكن التفتيش عن النفايات المرميّة يمنةً ويسرة على ضفاف الطرقات لم يكن بالأمر العسير. هي قمامة على “مد عينك والنظر”. لم تبخل شركة جمع النفايات وفرزها “سوكلين” بعمالها لتبعثهم للعالمين ينقذونهم من قاذوراتهم. 

كانت بداية الجولة من شارع مار الياس، يقوم عامل نظافة بجمع ما خلفته أيدي العابرين بآلياتهم، يضع مستوعبه الأخضر المتنقل في أول الطريق وينطلق هو و”ملقطه” الطويل الذي يجمع به قصاصات الورق في حرّ الصيف. يقطع مائة متر ليضع كل ما لوّث الإسفلت في كيسٍ يفرغه في المستوعب.

في انتقالنا إلى شارع سليم سلام، نلاحظ انتشار المستوعبات من الحجم الكبير، كل ثلاث إلى خمس منها تتجاور كمستوطنات وتلتقط فضلات البيوت. حافلة “سوكلين” شعارها المونديالي “هدفنا النظافة” إلى جانب ملصق كبير للاعب يقذف بكرة القاذورات كأنّه يسدد باتجاه مرمىً ما. 

 في المسافة التي تفصلنا من بيروت عن جبل النفايات المكدس في صيدا، جبلٌ آخر من القمامة مستتر والفاعل المجهول عن هذا الخلل تقديره ضمير المواطن المنفصل. سيارة تسابق الريح على الأوتوستراد البحري، قبل أن يعن على بال ركابها تخفيف السرعة لرمي ورقة أو “محرمة” ضاق صدر “المرسيدس” بها. في خلدة، طفحت المستوعبات بمحتواها، فلفظتها على الجانبين، والشركات والمعامل المتواجدة بكثرة لا تبخل بتصريف علبها الكرتونيّة لتؤمن زبنة ملوّنة حول الحاويات الخضراء. ولأنّ “الدنيا” رمضان، فإن مشهد ما بعد السحور من فضلات وليمة تعددت أصنافها، وقلّت أفواهها، يغدو مألوفاً كل فجر. “البراميل” الطافحة مناسبة لجمع الذين نستهم الدولة ومؤسسات الرعايا ليتحلقوا حول “مائدة الخير”.

  أمّا مجاري الأنهار، فهي أنهارٌ للمجاري. فما بالك إن كنت في منطقة ملتقى النهرين؟ هناك تجتمع العوائل وكل العوامل لتوقد الفحم وتنثر رماده على الضفاف، هناك تلتقي أكياس “الشيبس” بقوارير الكحول والمياه الغازية لتغلق نافذة الجريان. في القعر غير العميق، أسماكٌ تلوّنت بالتراب لتتجانس مع محيطها، تجعل من زجاجة ماءٍ موطناً لها، وتظن أن بضع فضلاتٍ بلاستيكيّة هي مدينة للملاهي، وعدسة الصورة لا تميّز كائنات المياه الحية عن رمل القاع. 

الطريق إلى صيدا يمر بالجية، هناك منذ بضعة أعوام، قررت إسرائيل إعادة توزيع الإيرادات البترولية إلى البحر، فعالجت خزانات النفط المستورد بصاروخين جعلت وجه الأبيض المتوسط بلون الفحم. أطنان من الذهب الأسود تدفقت إلى البحر مسببة الضرر للثروة السمكيّة وتلويث الشاطئ لمواسم سياحيّة قادمة. 

 

لم يشفع لقلعة صيدا الأثريّة تاريخها المجيد وجذورها الضاربة بالماء والتراب، لتتجنب مصير المياه الآسنة والقمامة المكدسة وفطرياتٍ تلامس جدرانها المعمِّرة. تمازح صبية صديقها: “القمامة تملأ المكان في هذا البلد”، يجاوبها: “لماذا بعثونا نصوّر النفايات على الطريق؟ كل ما نحن بحاجة إليه هو صورة من الفضاء لهذا البلد تكفي وحدها لفضح العيوب. نعيش على جبل قمامة”. عندما تدخل إلى صيدا، يلفتك إرتفاع ملعب رفيق الحريري الدولي إلى يمينك، أمّا وأنت تطفق خارجاً من شعابها، فيسارك تشوهه صورة جبل أقامته مخلفات البشر. اليافطة التي وضعتها الدولة تقول ان “مدة تنفيذ مشروع معالجة وإزالة مكب نفايات صيدا 4 سنوات”، عالجها أحد المارة الساخرين بنقطتين إلى يمين الرقم 4 لتصبح 400 سنة. هناك لا منافس لألم العين من مشهد مكب يرتفع فوق الشاطئ فيهديه كل يوم كيساً أو إثنين، سوى وجع الأنف من الرائحة النتنة. وحدهم عمال اعتادوا العذاب اليومي، تسلقوا رأس الهرم ليفرزوا ما تقع أيديهم عليه. إلى آخر قمة القمامة، تقع مستوطنة العجلات، هناك “الكاوتشوك” يجرب الذوبان في مياه البحر المالحة، وعجلات الآليات التي كانت يوماً تمخر الشوارع، تستقر سوداء دائريّة بعد أن أتعبها المسير. ضاق الشاطئ بأرقام العجلات، فافترشت مسافة لا بأس بها من رصيفٍ كان معداً ليكون ممراً للمشاة قبل أن تسبقهم إليه “سواتر” النفايات. على بعد أمتارٍ من الموقع، حاوية أضرم بعضهم النار فيها غالباً ليقطعوا الطريق مستعينين بإطاراتٍ تعاونهم في رفع الدخان الأسود فوق الطرقات. يتندّر صديق مرّة فيقول: “القدامى إخترعوا الدولاب والنار، أمّا فطنة اللبنانيّين فتكمن في الجمع بين الإثنين، فيجمعون الإطار بالنار ليخلقوا شحتار”. على شاطئ صيدا، بلاستيك مغمس بأخشابٍ وكرتون ورمال. العشب الأخضر مزدان بأكواب “النسكافية” الحمراء، فالأكياس الصفراء، فعلب “الدليفري” من المطاعم القريبة. أمّا الكيس الأسود المملوء بقشور الموز والليمون المعصور، فهو يختصر رواية الشباب “الأشاوس” الذين يخلعون قمصانهم ليلفتوا الأنظار، ويحتسون البيرة المكسيكيّة ليبرهنوا عن شيء ما، ويتركون الفضلات ليبرهنوا عن أمرٍ آخر. وحدها بضع حماماتٍ وجدت رزقها بين الفضلات، فهدتها أصداغها لترفع الحب من بين أعقاب السجائر. حمامات شاطئ البحر مثل أسماك النهر، لونها خضع لنظرية داروين في الإرتقاء، فسايرت محيطها “الملوث”. آخر مشاهد النهار رجل ألِف مشهد القاذورات فلم تمنعه أن يفترش بينها رمل الشاطئ، ليرفع صلاته إلى إلهٍ من رسائله لعباده: “النظافة من الإيمان”.

One thought on “عدسة تطارد القمامة

  1. تنبيه: Lebanese blogosphere weekly link roundup (2010/09/12) | +961

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s