للأسف لم نكمل سويّة، والسبب: «ما في نصيب»


أسعد ذبيـان

نشرت في شباب السفير

تمرّ فترة قبل أن نلتقي ببعض الأصحاب القدامى. نعرف أنّهم «خاطبون» أو «مخطوبون»، فنسألهم عن وقت «الفرحة الكبرى»؟ فيأتي الجواب: «آه لم تعرف؟ للأسف لم نكمل سويّا». تدب بنا الحشريّة، نسأل: «ما هو السبب؟». والجواب المعهود والمنتظر في هذه الحالة «ما في نصيب».

فما هي قصّة هذا النصيب الذي بإمكانه أن يجمع بين شخصين أو أن يفرق بين قدريهما؟ ما هو هذا النصيب الذي قد يحصل أو قد لا يصيب؟


هي حكايات لشبانٍ وشابات عايشوا تجربة «الخطوبة»، لكن لم يكتب الاستمرار لعلاقاتهم مع شركائهم.. بسبب «النصيب»!

يبلغ هادي ثلاثة وعشرين عاما، تعرّف على إلينا لمدّة ثلاث سنوات، ووقعا في غرام بعضهما البعض، قبل أن يقوما بخطوة «لبس العلامة». «كانت لدينا أحلامنا، وخططنا، وحياة كاملة أمامنا» يقول هادي وهو يسرد ما جرى في تلك الفترة. ويضيف: «استمر هذا الوضع لحين «العلامة»، بعدها تغيّر كل شيء. لم يوافق أهلي بداية لأنهم أرادوا لي أن أتعرف على العالم أكثر لأنني صغير في السن. لكنني أصررت وتحديتهم».

يتحدث هادي عن اللقاء الأول حيث ذهب برفقة أهله لطلب يد إلينا. يومها لم يتوقع تصرفات أهلها «بطريقة غير لائقة، والكلام بأمور لا يجدر قولها، لكنني عضضت على الجرح لأنني أعرف أنها ليست مثل أهلها».

بقي هادي يتحامل على نفسه، ويتخطى «العقبات»، حتى جاءت مناسبة زواج قريبه. دعي وأهله بالإضافة إلى خطيب أخته و«خطيبته» للمشاركة في السهرة والعرس. أصرّت إلينا على عدم الذهاب من دون تفسير موقفها. وعندما كان في الزفاف، اتصلت به قائلة إنّها تريد أن تعطيه شيئاً ما. «عندما وصلت لدارها، كانت تثور في وجهي لأنهم (أقاربي) لم يدعوها (مع أنهم فعلوا) وكيف ارتضيت الذهاب من دونها». كانت تثور وكان يشرح لها أنّه لا يمكنه الفرار من واجب الوقوف إلى جانب قريبه في يوم زفافه. فما الذي بدر من إلينا؟ اتهمت هادي بأن ليس لديه شخصيّة وأسمعته كلاماً على شاكلة: «يبدو أن أهلك لعبوا بعقلك، أنت لا تجيد التصرف، يديرونك كما يشاؤون». حاول هادي امتصاص غضبها ومعالجة الأمر، وعندما قرر أن يفتح الموضوع بعد بضعة أيام، أصرت على موقفها وقامت بالتقليل من احترامه أكثر «لم أستطع أن أتمالك نفسي، فرحلت. نادتني من أعلى السلم، وأعادت إلي «العلامة»، وفي اليوم التالي، جاءت إلى المنزل وأرجعت كل الهدايا التي سبق أن قدمتها لها».

انتبهت إلينا بعد يومين لقرارها، وحاولت أن تعيد وصل العلاقة، لكنّ هادي كان يفكر، ويعيد حساباته، متسائلا عن طريقة تعاملها معه بعد الزواج، إلى أن وصل إلى الخلاصة «قررت أن أنهي الموضوع لمرة أخيرة، وللأبد». لكل هذه الأمور، يصعب على هادي شرح الموضوع لكل من يسأله عمّا جرى بينه وبين خطيبته السابقة، فيكتفي بمقولة «ما في نصيب».

***

عانت ناتالي من نفس المشكلة. تعرّفت على محمد منذ خمسة أعوام وبقيت في علاقات متقطعة معه حتى العام 2008 عندما تقدّم بطلب يدها رسمياً وتمت الخطوبة. جمعت ما بين العائلتين صداقة قديمة ساعدت على توطيد العلاقة في البداية. استمرّت فترة الخطوبة لأكثر من سنتين ولم تتكلل بالزواج في فترة وجيزة لأنّ العريس «لم يجهّز نفسه وكان مسافراً معظم الوقت لتأمين مستقبله، وكنتُ في الفترة ذاتها أنهي دراستي الجامعيّة»، تقول ناتالي.

لم تستمر العلاقة لأنّ الشريكين المستقبليين لم يتفاهما كثيراً. تكمل ناتالي: «كلّما أراد أن يأخذ قرارا، كان عليه العودة إلى والدته. ضايقني هذا الموضوع، وأنا من النوع الذي يرفض أن توضع عليه شروط أين يذهب وغيرها».
كان محمد يريد من ناتالي أن تقدم له ما يشبه التقرير اليومي عن جدول أعمالها، ومن ستلاقي، ومتى تعود إلى المنزل، بالإضافة إلى مواضيع أخرى. شعرت بأنّ هناك من يطوق حريتها، وتفاقم الأمر أكثر عندما بدأت الغيرة ومحاولة التحكم بنوعية الأصدقاء. وسرعان ما ولّدت الغيرة قلة ثقة ومشاكل عديدة. تقول ناتالي كلماتها الأخيرة بحسرة. «حاولت التخفيف من المشاكل ولكنها استمرت في التطور حتى «طافت الكأس».

وقف أهل ناتالي إلى جانب ابنتهم. دعموها في كل قرار اعتبرته مناسباً، ولم يضغطوا عليها كنتيجة للصداقة التي تجمعهم بأهل محمد. ليست ناتالي نادمة عن قرار فسخ الخطوبة «في بداية الأمر تضايقت كثيراً. ولكن عندما أراجع ذاكرتي، وأفكر في كل المشاكل التي كانت عالقة، أشعر أنني فعلت الصواب».

لكنّ المشكلة تكمن في أنّ ناتالي وافقت بعد فترة من فسخ الخطوبة، على معاودة الخروج مع محمد من دون علم أيّ من أهلهما. تجربة باءت بالفشل بعد مدّة قصيرة، سافر الحبيب السابق، و«لم تكن لديه الجرأة ليواجه أهله، ويعلن نيته الزواج مني».

***

«تعرّفت عليه في مكان العمل. وما لبثت العلاقة أن تطورت حتى صرنا مقربين جداً. كان يخبرني عن علاقاته العاطفيّة المعقّدة مع النساء، ويستشيرني في العديد منها»، هكذا تبدأ ريتا الحديث عن الفترة الأولى من تعارفها على راني.
تحوّلت ريتا في ما بعد من «الرفيقة» إلى «الحبيبة»، وعندما كان راني يزورها في المنزل، واكتشف أنّ أباها ينوي السفر، استعجل بإحضار أهله ليكون الارتباط رسمياً. قررت ريتا أن تحارب الجميع لأجل راني وأن ترضى بحالته الماديّة غير الممتازة، وبالعديد من الأمور السلبيّة، لا سيّما الجو العائلي الذي كان يعيش فيه، لإيمانها بقوة حبهما. ولكن ما فعله معها، غيّر كل شيء وجعلها عرضة للسخرية البعض.

جاء يوم اختلفا فيه على أمرٍ بسيط فما كان منه إلا أن شنّ حملة كلام تعنيفي بحقها. كلام من نوع: «أهلك عاملوك بلطف كبير. لكني سأقوم بتربيتك». صفقت باب السيارة وقفلت عائدة إلى منزلها.

مرّت ثلاثة أيام ولم يتصل. بادرت للاطمئنان عليه فأخبرها أنّه أعلم أهله بأنّه ألغى الخطوبة بينهما. صعقت ريتا بالخبر. كانت تتحايل على أهلها في الأيام الأولى لتحل الموضوع قبل أن يتصاعد، لكنّه كان قد حسم خياره، فما كان منها إلا أن أبلغت أهلها بما حصل. حاولت والدتها إصلاح الموضوع والاتصال براني لكنّه أبكاها بأجوبته. «لعندكن عالبيت ما بجي»، كان يردد عندما تسأله ريتا أن يأتي ليحلا المشكلة.

وتضيف: «في اليوم الذي كنّا متوجهين فيه لدعوة الناس إلى حفل خطوبتنا، اختلفنا في السيارة، هممت للاتصال بوالدي لأخبره بإلغاء الدعوات، فراح راني يبكي في السيارة كطفل. سامحته وقلتُ له بأنني سأعطيه فرصة أخرى، الفرصة نفسها التي رفض أن يعطيني إياها».

أخذت الأيام تكشف لريتا أمورا أكثر. فقد أخبرها زميل في العمل أنّه وجد راني مع إحدى صديقاته في مربع ليلي. وصارت تتذكر كيف لم يكن يحترم المواعيد، والزيارات إلى أقاربها، وكيف كانت تستدين المال من أختها لتساعده.
أكثر ما يضايق ريتا هو ما قام به راني وأهله عندما قرروا إلغاء الخطوبة. اتصل والده بوالدها ليخبره: «دخلنا بالمعروف وسنخرج بالمعروف» وأقفل الخط. يزعجها أنّ راني لم يتمتع بالرجولة الكافية لمواجهتها، تقول: «خطبوني في عقر الدار، وقرر تركي على الهاتف». لهذه الأسباب، تتحاشى سرد القصّة على مسامع من يعرف عن خطوبتها. هي لا تنوي نكء جراح الماضي فتكتفي بـ«ما في نصيب».

هو النصيب إذاً، نلقي اللوم عليه لأنّ جسمه «لبّيس». لا نستطيع لوم أنفسنا، ولا لوم غيرنا. لا نستطيع إدانة خياراتنا، ولا اللحظات التي قادت لذلك القرار. لا نستطيع محو ماضٍ بلحظات مجده وحزنه، كل ما في وسعنا هو أن نلوم «النصيب» كأنه شخص يقبع في زاوية الغرفة، ويرمقنا بنظرة أو «صيبة عين» فلا يوفقنا في مسعانا.

4 thoughts on “للأسف لم نكمل سويّة، والسبب: «ما في نصيب»

  1. موضوع جدا رائع .. هي العاداة والتقاليد ام الثقافة ام الدين ام الجهل .. كلها في تصوري اسباب اورثتنا جملة اسمها النصيب فاصبح النصيب مسمار في الحائط نعلق عليه كثير من الاحداث والفشل .. وحقيقة الموضوع انه لا يوجد فشل اسمه النصيب .. تلك القصص التي ترافق قصة النصيب هي كلها واقع مرير .. واقع الجهل واقع هروبنا من مواجهتنا للمشاكل واقع ضياعنا عن المنطق واقع عدم اقتناعنا حتى بانفسنا واقع عدم الادراك بالمسؤوليات واقع جهل كثير من الاهالي بواقع ابنائهم الكل يرى ان اولاده الافضل في العالم واقع اخفاء السلبيات وعدم الوقوف عليها ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s