نفق البربير بلغة اللحم والدم


أسعد ذبيان

نشرت في جريدة حبر لبناني

لم يعد هناك جسر البربير. حسناً، لاحظنا الأمر. زحمة السير خانقة، أمرٌ اعتاد المواطن عليه. طرق مقطوعة نتيجة الأشغال، شتائم السائقين وتذمر أصحاب المحال التي غمرها الغبار بدت مألوفة. ما الجديد في مشهد حفر “نفق البربير؟” حرارة الطقس زادت عن حدها بعض الشيء ولكنها لا تكفي لأن تكون خبراً بحد ذاتها، هلّ هلال رمضان والدنيا صومٌ بعده إفطار، فما الغريب في الموضوع؟ القصة تفتقد بعض عناصرها، ذكرنا الزمان والمكان، لكننا دائماً نغفل أهم التفاصيل: الشخصيات. من هو ذاك الذي يرتدي السترة البرتقالية وينفذ الأعمال الشاقة بأجرٍ زهيد؟ من هو ذاك الذي تطاله شتائمنا لأننا نتأخر عن المواعيد؟

يبلغ الطول الإجمالي للنفق المطلوب تنفيذه في البربير 236 متراً، وعرضه 15 متراً، هذا ما تفيد به أرقام “شركة الإتحاد للهندسة والتجارة”. أمّا ما لا تذكره الأرقام فهو أنّ “تحسين” سقط على الأرض عند الحادية عشر من نهار الأربعاء في 18 آب. كان جسده حاراً يتقبل لهب الشمس برحابة الصدر، قبل أن يقرر أن يفرغ ماءً مثلجاً على جسده. لم يتقبل عقله التغيير الشديد في البيئة المحيطة بالجسد، فخرّ الرجل أرضاً.

بلغة الخرائط، تشمل الأشغال منطقة تمتد غرباً من مدخل حيّ الطمليس وصولاً إلى جادة بشارة الخوري شرقاً، ومن مهام النفق الجديد تأمين مداخل نحو حيّ البسطة من جهة، ونحو الطريق الجديدة ومستشفى المقاصد من جهة أخرى.

بلغة اللحم والدم، أكثر من خمسين عاملاً يقضون وقتهم من السابعة حتى الثانية بعد الظهر، وهم يحفرون التراب، ويرفعونه مجبولاً بالماء، كمن ينقب عن نفطٍ أبيض ولكن هذه المرة، لا إستخدام ذو منفعة له. هم من يمدون الحديد ويربطونه، ومن ثمّ يمررونه من تحت كي يستوي عليها إسفلتاً من المرجح أنّهم لن يستخدمونه ليعبروا بالسيارة لأنهم ببساطة لا سيارات لديهم.

أما لغة الأرقام فمن المفترض أنها الأبسط، لكنها في هذا المشروع من أكثرها تعقيداً، فقد خصص مجلس الإنماء والإعمار فترة ستة عشر شهراً، للإنتهاء من المشروع بالكامل. (إنشاء جدران يمين ويسار النفق ـ 6 أشهر ـ صب بلاطات ـ 3 أشهر ـ حفر النفق ـ 3 أشهر ـ تأهيل البنى الفوقية واستكمال الخدمات ـ 4 أشهر).

بدأ العمل  في شهر كانون الثاني من العام 2009، بمعادلة بسيطة، وكان يفترض أن ينتهي في نيسان/أيار المنصرم. لكن العمل توقف مرتين: الأولى استمرت أربعة أشهر، وكان السبب، بحسب أحد المشرفين على المشروع، وجود معدات معطلة في التصليح. وفي المرة الثانية، توقف العمل لمدة ثلاثة أشهر، بسبب انتظار الانتهاء من قطع خطوط التوتر العالي. زلة لسان أحد العاملين أوضحت أنّ العقود المبرمة مع بعض العمال تمتد حتى شهر آب من العام 2011. وبالتالي تطور الرقم دراماتيكياً ليصبح مضاعفاً (32 شهراً).

مهندس المشروع يستخدم لغة الطلبات: مئة “شلف” 12 ملم طول 8 متر. أمّا العمال فلغتهم مختلفة، فمحيسن م. الحسين (سوري الجنسية) يعمل حداداً في المشروع، بدأ العمل منذ 15 يوماً، لكنّ تاريخ عمله في ورش لبنان بدأ منذ سنتين. أرقامه محصورة بين السابعة فجراً والثانية ظهراً، ومن بعدها لا أهميّة للوقت. محيسن (27 عاماً) صائم، ويجيب أنّه “لا يوجد تعب حقيقي” ذلك أنّ “الإدارة والمعلم يقدرون ظروف الصائم”. قضى الرجل رمضانه الأخير يعمل بالقرب من فندق فينيسيا. متى يقضي العيد مع عائلته؟ الجواب “بدنا نعيش”. يتدخّل علي طالب، المشرف على العمّال ويقول “ثلاثة أرباع العمال كانوا صائمين، لكن الأيّام الأخيرة شهدت حراً لا يطاق. يمكن إحتمال الجوع، ولكن لا مفرّ من العطش”. سائق إحدى الرافعات يدلي بتعليقه هو الآخر “يا أخي.. حرارة شمس، ولهب محرك ، ولهب “فيتاس”، الخلاصة أمر لا يطاق”.

جاء شحادة ناصر محمد من إدلب ليعمل على “الكومبريسور”، ويجاهد ضد نفسه من أجل الصيام. الفتى الذي لم يبلغ من العمر 23 عاماً يتحامل على الحر الشديد، والعمل المضني طوال النهار دون أن يضع قطرة ماءٍ في فمه طوال الأيام الأولى لرمضان، وينوي أن يقضي الشهر الفضيل على هذه الحال.

بضع شبان كانوا يقضون فترة راحة قصيرة، منهم من لا يصوم أصلاً، ومنهم من قرر ألا يلتزم هذا العام لأنّ “آب لهّاب”، أمّا أحدهم فيتندر: “لم أصم لخمسة أعوام حتى الآن، كنت أخدم في الجيش وانتقلت إلى هذا العمل مباشرة. نحتاج أن نجمع أرزاقنا، وفي الوقت عينه أن نبقى أحياء”.

رمضان، شهر الرحمة، ولكن النظرة الفوقيّة التي تميّز اللبناني تمنعه من التعاطف مع الآخرين لبنانيين كانوا أم من جنسيّات مختلفة. النظرة إستعلائيّة بامتياز، تحمّل “هؤلاء السوريين” أو غيرهم مشاكل زحمة السير، ومشاكل تقنين الكهرباء، وكل ما يطاله اللسان. يقصفونهم بوابل من الشعارات. يضحك المعلم أحمد (سوري الجنسية)، وهو يروي قصة شاب لبناني قام بشهر سلاح عليه وسأله عن أوراقه الثبوتيّة. في وقتها، كانت الأحداث السياسيّة طاغية، والعلاقات بين لبنان وسوريا متوترة. يتقاضى المعلم 21 دولاراً في اليوم في حين أنّ العمال المياومين لا يتعدى أجرهم عشرين ألف ليرة، إلا قلة من أصحاب الحظوة أو الخبرة، قد تصل قيمة شوائهم اليومي إلى خمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية مفقطة.

هم بالمجمل ممنوعون من الحديث (ولولا موافقة المهندس لما استطعنا مقابلتهم)، لا يصرحون عن أجورهم أو عن العمل الذي يقومون به من دون موافقة رب العمل، ربما يكمن السبب في أنّ المقاولين لا يرتاحون لفكرة أنّ إستغلال العمال حقيقة، أو أنّ المواعيد النهائيّة لا تعني المتعهدين. جواب العامل عندما تقترب منه بغياب المعلّم: “تركنا عايشين والله يستر عليك”.

One thought on “نفق البربير بلغة اللحم والدم

  1. I’ve bee in Dubai for 4 years, in 2006, the city announced to build the Dubai Metro, and on the same day that they signed the agreement, they decided to open it on 9/9/2009 at 9:09:09PM. And indeed, the project was finished and open to public on September 9th 2009. This is a simple example of a country with and without a government compared to the above. By the way, I live near that Barbir ex-bridge

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s