تسعة أشهـر مـن محـاولات كـمّ الأفـواه المنتقـدة للأنظمـة العربيـّة


تسعة أشهـر مـن محـاولات كـمّ الأفـواه المنتقـدة للأنظمـة العربيـّة
«جردة حساب» المدونين: قمع وخطف وسجن وتقييد لحرية التعبير

أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

جمعت ورشة «اللقاء الثاني للمدونيين العرب» التي أقيمت في بيروت في كانون الأول 2009، أي في الشهر الأخير من العام الماضي، مجموعة من أبرز المدونين العرب. ناقش الحضور في الواقع العربي، محاولات قمع الحريات وسبل مجابهتها على الإنترنت. لم يتوقع أحد من المشاركين أنّهم سيعانون من تسعة أشهر حبلى بالأحداث الدراماتيكيّة والمزيد من محاولات كم الأفواه المنتقدة للأنظمة العربيّة.

ففي لبنان على سبيل المثال، لم يتوقّع أحد أن تعود وصاية المخابرات لتمسك مستخدمي الإنترنت من رقابهم، فتستدعي المدوّن خضر سلامة للتحقيق معه بخصوص عدة مقالات كتبها. و«قضية الفايسبوك» الشهيرة التي نتج عنها توقيف أربعة شبان نتيجة ما كتبوه على حائط إحدى المجوعات بحق رئيس الجمهورية اللبنانية ما تزال حاضرة في الأذهان.
ومن لبنان إلى تونس مثلاً، حيث استمرت السلطات فيها في فيديوهات موقع «يوتيوب»، فيما قرر نشطاء الإنترنت مجابهة الحادثة باستخدام تقنية «خرائط غوغل» لينشروا حول خريطة قصر الرئيس زين العابدين بن علي صوراً وأحداثا عن انتهاكات لحقوق الإنسان.


في البحرين: السجن

ما يحصل في الآونة الأخيرة من ناحية تزايد انتهاكات حقوق الناشطين والمدونين هو الطامة الأكبر. فقد أصبح واحد من أهدأ المشاركين في «ورشة بيروت» متصدراً بعد أقل من عام واجهة الصحافة العالمية بوصفه رمزاً لـ«قضية الحرية» في بلده، وهو المدون البحريني علي عبد الإمام.

يدير عبد الإمام منتدى إلكترونيا له طابع شعبي، كتبت عنه «نيويورك تايمز» ذات يوم تحت عنوان: «ويب يتحدى النخبة الحاكمة»! هذا المنتدى هو الموقع الشهير في الجزيرة الخليجية الصغيرة «بحرين أون لاين». تلقى عبد الإمام اتصالا في 4 أيلول الجاري من جهاز الأمن الوطني يطلب حضوره «تمام الساعة التاسعة في مبنى القلعة»، حسب ما صرّح على صفحته الشخصية على موقع «الفايسبوك»، قبل أن يتم اعتقاله في اليوم التالي.

جهاز الأمن الوطني أصدر بياناً جاء فيه: «قبض على عبد الامام وهو يحاول الفرار من البحرين إلى قطر بتهمة بث أخبار كاذبة». وعندما بدأت بعد يومين حملات ضغط من قبل منظمات حقوقية عالمية وتضامن من مدونين ونشطاء، أعلن الجهاز نفسه عبر بيان صدر باللغة الانكليزية فقط أن قضية عبد الإمام ليست بقضية رأي، بل إنّ اعتقاله جرى بعد ثبوت ارتباطه وتمويله من قبل خلية إرهابية!

يقول صديقه حسين يوسف: «كان واضحاً التناقض بين البيانين»، وبعد أسبوع من الاعتقال صدر بيان ثالث يعلن فيه أنّ عبد الإمام أدلى باعترافاته. ويضيف حسين: «لم يكن هناك أحد يحضر التحقيق، ولم يدل علي بأقواله بحضور محام عنه كما ينص القانون البحريني».

ما زال علي قيد الاعتقال حتى اليوم، وقد جرى في 20 أيلول فصله من عمله في طيران الخليج، قبل صدور قرار المحكمة بإدانته أو تبرئته. ولكنّ المدونين الزملاء من كافة أنحاء العالم، قرروا القيام بحملة مناصرة واسعة ضمّت معظم المواقع التفاعلية، وأنشأوا مدونة خاصة للمطالبة بالإفراج عن عبد الإمام، هي: http://freeabdulemam.wordpress.com.

في سوريا: الإخفاء

هذه القدرة على تسليط الضوء حول قضية مدون معتقل تعسفياً هي ميزة لا تتمتع بها قضية المدونة السوريّة الشابة طل الملوحي. تم استدعاء الملوحي في نهاية العام الماضي إلى جهاز فرع أمن الدولة في مدينة حمص، ومن ثم تمّ نقل الملوحي إلى إدارة المخابرات في دمشق، وهناك خضعت للتحقيق المستمر. ويتساءل العديد من المتابعين للقضية: «كيف يمكن اعتقال مواطنين سوريين بدون مسوّغٍ قانوني وبدون سبب طوال هذه الفترة؟».

والملوحي، على الرغم من صغر سنها (19 سنة فقط)، لها مقالات حول فلسطين وأزمة دارفور، وتأخذ كتاباتها الطابع الإنسانيّ (نشرت على إحدى مدوناتها رسائل إلى «الإنسان في هذا العالم» بلغ عددها 35 رسالة). وقد صدر في 12 أيلول الجاري بيان في أربع لغات، مجهول المصدر، يدعو السلطات السوريّة إلى الإفراج فوراً عن الملوحي. وجاء فيه: «إن التغييب القسري لمواطنة شابة مريضة في التاسعة عشرة من عمرها، ومنعها من أداء امتحاناتها، ومنع عائلتها من الوقوف على مكان اعتقالها أو زيارتها هو جريمة توجب مساءلة مرتكبيها أمام القضاء، ومن المخزي أن يكون ما تكتبه الفتاة الصغيرة علي مدوناتها الثلاث من خواطر وأشعار بالغة الحس الإنساني في التعاطف مع المقهورين في المنطقة والعالم كله هي السبب في التنكيل بها خلف القضبان».

وكان عدة نشطاء حقوقيين قد قاموا بمسيرة تضامن واستنكار أمام السفارة السوريّة في القاهرة للمطالبة بإطلاق سراح الملوحي في 20 أيلول الجاري، ورفض السفير السوري مقابلتهم، وقال لهم: «لسنا في حاجة لدفاعكم عنا وعن قضايانا.. وتضامنكم مع طل مرفوض».

في مصر: الخطف

بالانتقال إلى مصر، يبدو أنّ السلطات ضاقت ذرعاً بالنشطاء على الإنترنت، لا سيّما المسؤولين عن إدارة حملات انتخابيّة لمناوئي النظام المصري أمثال الدكتور محمد البرادعي. فقد أقدمت مباحث أمن الدولة في 12 أيلول الجاري على اعتقال الناشط الحقوقي أحمد عيد، أحد أبرز النشطاء في حركة دعم البرادعي على الإنترنت. وكانت قد قامت باعتقال الناشط الحقوقي عمرو صلاح، مسؤول ملف المصريين في الخارج (في حملة البرادعي) قبلها بيومين أثناء عودته لمنزله. ولم تتأخر السلطات المصريّة كثيراً، فاختطفت بعدها بيومين شادي الغزالي (نجل شقيق الدكتور أسامة الغزالى حرب، رئيس حزب الجبهة الديموقراطية) والقيادي البارز في الجبهة.

علقت الطالبة «ضاحية» على سلسلة الاعتقالات: «بغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع الانتماء السياسي إلا أني ضد الاعتقالات العشوائية وإرهاب الدولة وعمليات قمع الحريات المنظمة». في حين تعلن مهى الأسود، مديرة مشروع في مركز القاهرة لحقوق الإنسان: «يبدو أنّ خطف النشطاء السياسيين الشباب والمدافعين عن حقوق الإنسان قد أصبح نمطاً في (الحياة) في مصر حالياً».

في الأردن: الحجب

في بداية شهر أيلول، أقدمت شركة «غوغل» باعتبارها الشركة المضيفة لمدونة الدكتور محمد جميعان http://www.drmjumian.co.cc بحجبها، باعتبار أنها مدونة غير مرغوب فيها. ومن اللات للنظر، أنّ هذا الإجراء جاء بالتزامن مع إجراء مماثل من قبل موقع «فايسبوك»، الذي وضع على رابط الموقع باللغتين العربية والانكليزية «عذراً, الرابط الذي تحاول زيارته تم الإبلاغ عنه كموقع عدائي من قِبل مستخدمي الفايسبوك».

ويقول جميعان: «جاءت هذه الإجراءات مباشرة بعد آخر مقالين تحليليين: الأول بعنوان «دكتاتورية قوى البزنس والتوريث تسعى لتحجيم المواقع الالكترونية في الأردن»، والثاني بعنوان «مفاوضات كارثية مدمرة.. فهل من يستمع؟».

في لبنان: القرصنة

وبالعودة إلى لبنان، فإنّ شهر أيلول كان حافلاً بالقرصنة على الإنترنت، فالعديد من المدونات تعرّضت للخرق. يقول المدوّن عماد بزي الذي تعرضت مدونته (trella.org) للقرصنة: «كنت أعلّق بأنّ العديد من الوجوه السياسيّة اللبنانية عليها أخذ راحة لأنها تظهر أكثر من الفنانين هذه الفترة، تضايق مني مناصرون لـ«حزب الله»، ظناً منهم بأنني أعلق على ظهور السيد حسن نصر الله المتكرر، فقاموا بقرصنة المدوّنة».

وقامت مجموعة أخرى من القراصنة (Rose of Love) باقتحام 24 مدونة عربية على موقع «ورد برس»، 5 منها لبنانيّة، وقد استطاعت مؤسسة «سيبرآكت Cyberact» التي تعنى بحرية التعبير على الإنترنت استعادة 11 منها. ويقول عماد، المدير التنفيذي لسيبرآكت: “نعمل على ثلاثة محاور هي 1- دعم النشطاء بالأدوات والتدريب الإلكتروني، 2- دعم النشطاء قانونياً، 3- تنفيذ ورش عمل تدريبيّة”. ولأنّ سيبرآكت تؤمن بحق الوصول إلى المعلومات، قررت إعادة هذه المدونات بالتعاون مع الداعم العربي لموقع ووردبريس

وكانت مدونتان لبنانيتان أخريان على الأقل قد تعرضتا للخرق، وهي ربيع بيروت beirutspring.com الناطقة بالإنكليزية على يد شخص تركي لم تعجبه بعض التعليقات عن الإسلام، ومدونة سليم اللوزي salimallawzi.wordpress.com الذي علّق: «يكمن الرد في بناء موقع له نظام حماية أكبر، ولن يثنيني أحد عن التعبير عن رأيي»

2 thoughts on “تسعة أشهـر مـن محـاولات كـمّ الأفـواه المنتقـدة للأنظمـة العربيـّة

  1. نعيش واقعاً من تجريم الفكر و الكلمة ﻻ يطاق حقيقةً

    أقول دائماً أنه لو عملت كل دوائر و مؤسسات الدول العربية بنفس “كفاءة” مخابراتها (فيما يخص الشأن الداخلي فقط بطبيعة الحال) لكانت الدول العربية في قوائم الدول المتقدمة عالمياً.

    الحرية لجميع المعتقلين, و الحرية للكلمة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s