يوميات عامل توصيل


أسعد ذبيـان

نشرت في مجلة حبر لبناني

“قول الله..” ينطق بها عامل الدليفري أمام محلات بربر في الحمراء، وهو في طريقه لركوب دراجته الناريّة وتوصيل “طلبية” لأحد الزبائن، بعد محاولات المسؤول عن قسم الطلبيات أن يشرح له عنوان الزبون.. “بناية طبارة، جانب السفارة..”. “قول الله” وينطلق لخدمة زبائن ينتظرون على أحر من الجمر طعاماً لا وقت عندهم لإعداده، فكيف بانتظار توصيله لوقتٍ طويل؟

دائماً متأخرون؟

قاربت الساعة الواحدة ليلاً ولم يصل عامل “الدليفري” إلى محل “موجو” في الحمراء، يعد فراس الدقائق، ينفذ صبره، فيرفع السماعة ويطلب أرقام المطعم. يحاول جاهداً ضبط أعصابه “طلبنا طعاماً منذ ثلاثة أرباع الساعة ولم يصل بعد، ما المشكلة؟”، يتمتم الطرف الآخر بعض الكلام، يقفل فراس الخط. عشر دقائق تمر، ربع ساعة ولا طعام بعد. يحنق فراس ويتصل مجدداً، هذه المرّة يعلو صوته بنبرة متضايقة. يجري حديثاً مقتضباً، يسمع ومن ثمّ يغلق الخط مرّة أخرى، تطلب عيون رفاقه تفسيراً، يتوقع منهم ذلك، فيعلن: “قال لي الرجل على الطرف الآخر أنّ عامل الدليفري لديهم (حمار)، لديه طلبيتين، واحدة هنا والثانية في وسط البلد. كان يجدر به أن يمر من هنا أولاً لأنه على طريقه، لكنه توجه للمقصد الثاني”.

هذه قصة شبيهة لما يجري في الواقع مع كثر، التفكير النمطي حول عمال التوصيل هو أنّهم مجرد أداة لخدمتنا، ننسى أنّهم بشر ولديهم معاناتهم، فما هي القصة من وجهة نظرهم؟

يحارب راضي الزحمة، وحر الصيف أو أمطار الشتاء وخطر الإنزلاق، ليصل إلى زبائن أغلبيتهم يعتبرون مهنته مدفوعة الأجر، فلا يقدمون أي إكراميّة. يعمل راضي (26 عاماً) منذ ثلاث سنوات في مهنة التوصيل. لا يتعدى أجر يومه الذي يمتد  10 ساعات الـ400 دولار، في حين يعتمد على “البقشيش” ليعيل العائلة. الدوام الطويل من الثانية عشر يحرمه قضاء اليوم مثل الموظفين العاديين. يجزم أنه لا يحتاج إلى أكثر من عشرين دقيقة ليصل عند الزبون، برأيه أنّ مشكلة التأخير “ليست بسبب عامل التوصيل، إنّما بالأغلب لأنّ الفاتورة لم تدق على الحاسوب، أو بسبب خطأ في إرسال الطلبيّة، وغيرها”. يعترف راضي أنّه قد يتم إرسال أكثر من طلب توصيل في الوقت عينه، ولكنّه “يعتمد على الأرقام المتسلسلة للطلبات، بحيث يخدم أولاً من يتصل أولاً”. كانت المرة الوحيدة التي يتقاضى فيها رقماً “مرقوماً” هي حين حصل على 35500 ليرة لبنانية، عندما نقده أحد الخليجيين ورقة الخمسين ألف وطلب منه الإحتفاظ بالباقي، ولكنها مرة وحيدة، فمعظم اللبنانيين “لا يدفعون بقشيشاً” حسب راضي.

قصة البقشيش

يتناقش كريم مع إبن عمته أمام أعين عامل التوصيل من مطعم “غلاييني” الساعة الثانية فجراً، يصر كريم على عدم دفع إكراميّة خلافاً لرأي قريبه. “يقبض في نهاية الشهر معاشاً ليقوم بهذا العمل”، يقول. يتلقّف قريبه الجملة بردٍ مقتضب، ووجهٍ مقطّب “ولكن لولاه لكنتَ خلدت للنوم بمعدة خاوية”. يرحل العامل، فيما يصر كريم على النقاش “أتدري كم يجني في الشهر؟ أكثر مني ومنك. خمسون طلبية في اليوم، فلنفترض أنّ إكراميته ألف ليرة لبنانيّة من كل زبون، هذا يعني حوالي الألف دولار شهرياً، فاخرس”. يتهكّم قريبه، فيصرح “إلا إن كان كل الزبائن مثلك”، وينتهي النقاش في شروع الإثنين في التهام سندويتشتيهما.

يدردش أحمد وصديقه علاء حول المشكلة الجديدة التي يعانون منها كعمال توصيل، فالعديد من الفنادق  بدأت تطبيق قرار منع عمال التوصيل من الصعود إلى الغرف، “يريدون أن يأخذوا البقشيش لأنفسهم هذا هو السبب فقط” يعلّق أحمد. ويضيف في معرض حديث عن  عامل الإتصالات في المطعم “أتمنى لو استطعت العمل في مهنة أخرى، للأسف لا أقدر”. أمّا صديقه علاء طيبة (27 سنة) فهو يعمل في مجال التوصيل منذ ثلاث سنوات، قرر الإنتقال من مصلحة الميكانيك لأنّ عامل الدليفري عند “بربر” لديه ضمان. علاء متزوج ولديه ولد، لذلك قرر أن يكون دوامه من السادسة فجراً حتى الرابعة بعد الظهر، ليتسنّى له أن يتفرّغ للعائلة. يقوم علاء بخمسين طلبيّة وما فوق في اليوم، “يتراوح البقشيش من 25 إلى خمسين ألف في الصيف، ولا تتعدى الأربعين في الشتاء” في عمل الساعات العشر. يقول بأنّ الزبون اللبناني خلافاً لما يظنه البعض (مثل راضي) هو من أفضل الزبائن، من ناحية المعاملة أو الإكراميّة، فالعديد من الزبائن الخليجيين “لا يفرّقون بين 250 ليرة لبناني و250 ريال، دائماً ما يطلبون معرفة السعر بالدولار”. هذا على الرغم من أنّ الإكراميّة الأكبر التي حصل عليها كانت كمعايدة من إمرأة خليجية في عيد الفطر: “نقدتني 100 ألف ليرة كهدية العيد”.

مظالمهم وظروف عملهم

تعيد ناتالي بو عزيز سرد حادثة جرت معها منذ مدة، كانت الساعة تشير إلى حوالي الثامنة مساءً، طلبت وصديقاتها في المسكن الجامعي عشاءً من “بليس هاوس”- فرع الكسليك القريب. تأخر الطلب أكثر من ساعة، استغربت الحاضرات، ثمّ ما لبث أن وصل الشاب. لاقت إحدى الفتيات عامل التوصيل إلى أسفل المبنى، لتكتشف أنّ وجهه مليئ بالخدوش، وينزف بعض الدم. تعرض لحادث سير، ولكنه أصر على القيام بواجبه وتوصيل الطعام. للأسف تعرّض الطعام للتلف، “البطاطا المقلية وصل لها بعض الماء عن الأرض، أمّا عصير الكوكتيل فكان يتسرّب من الأكواب، إضطررنا لرمي الطعام”، تقول ناتالي.

قصة مشابهة جرت مع وليد برجاوي، تأخر عامل التوصيل لأكثر من ساعة، فاتصلوا بالمطعم ليعرفوا السبب، لم يجبهم أحد. فيما بعد، اتصل أصحاب المطعم بهم، تبيّن أنّ “عامل التوصيل تعرّض للسرقة. كان يحمل طعاماً لزبائن قبلنا في مبنى مجاور، وعندما نزل الأدراج، رأى أحدهم يسرق دراجته وما فيها، حاول الدفاع عنها، فتعرّض للضرب”.

يحاول فؤاد الملا (نائب المدير العام في شركة بربر للمأكولات) شرح تفاصيل الحياة اليومية لعمال التوصيل في المطعم، “نحن شركة تجارية تحاول أن تداري الأحداث اليومية التي تحصل مع عمالنا، مبدأنا أنّ الزبون دائماً على حق، ولكن هذا لا يمنع أن يكون عمالنا على حق أيضاً”. يشرح الملا عن الحوداث التي تعترض العمال من حوادث سير أو تعرض للضرب والسرقة، ويقول “خيار المؤسسة هو في إبقاء الحادث على حجمه وعدم تضخيم الموضوع”. إعتراضات بعض الزبائن على التأخير، تحل من قبل عمال الهاتف، وإذا ما اقتضى الأمر “نقدم لهم الوجبة من دون ثمن في حال كان التقصير فاضحاً من جانبنا” يزيد الملا. ويقوم المطعم بتأمين اللباس والخوذة للعمال، والدراجة النارية التي تخضع لمعاينات دوريّة وتسجيل ميكانيك وغيرها، كما أنّ الموظفين (الذين يبلغ عددهم 22) منتسبين إلى نظام الضمان الإجتماعي، يعملون وفق النظام الداخلي لعشر ساعات ويبلغ مرتبهم 500 ألف ليرة بالإضافة للنقليات. ويحصل العمال على وجبتين مجانيتين خلال العمل، وكل تقديمات الوظيفة من عطل سنوية وزيادات وغيرها.

من عامل توصيل لمؤنس ليالي الوحدة

في كواليس مطعم بربر، حديث دائم عن الفتيات اللواتي يتصلن في كل الأوقات وخاصةً المساء، يفتحن الأبواب وهن شبه عاريات، يدعون العمّال للدخول. تمنعهم سياسة المطعم من الدخول أو التعاطي مع الزبائن خارج الإطار المهني، “نقف خلف الباب ولا ننظر، هذا ما أفعله انا على الأقل، ولكن لا شك في أنّ بعض الزملاء قد يقدمون على فعل شيء. يتم على الأرجح الإتفاق على موعد بعد دوام العمل” يقول علاء. ويشرح مضيفاً أنّ هناك أيضاً العديد من الحالات التي يحاول فيها مثليو الجنس التحرش بالموظفين، هذا خط أحمر عند علاء، والتصرف يكون حازماً: “نرفض التعرض لنا، ففي النهاية نخاف الله”.

One thought on “يوميات عامل توصيل

  1. nice story asaad..just yesterday i saw a delivery guy fall from his motorcycle because he got too close to a car..and i also had the same incident of being called by the restaurant because the delivery guy got into an accident. I think that driving motorcycles in beirut is quite difficult even when the driver is being responsible..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s