مظاهرة “الداخلية”.. بلغة الأرقام


“زياد بارود.. من المجتمع المدني إلى الاعتقال التعسفي”

 

أسعد ذبيـان

نشرت في موقع شباب السفير

 

لم يتغيّر المشهد كثيرا. اليافطات من الورق المقوّى (سعر العشرة.. دولارين) ومن مختلف الألوان. ثلاثة متطوعين أو أربعة إناث وذكور) يفترشون الأرض على بعد ثمانية أمتار من مركز التحرك لملأ الورق المقوّى بخربشات حروف تنتج شعاراً سياسيّاً، أو رسالة إلى مسؤولٍ ما، يسمّونها، هذا العصر، لغة.

يمكن لأي شخص حضر آخر أربعة أو خمسة تظاهرات في عاصمة الحريّات المقموعة بيروت، أن يلقي على مسامعك أسماء الحاضرين، وبالترتيب الأبجدي إن أعطيته(ها) بعض الوقت لتجميع الصور في الذاكرة. لماذا؟ لأنّ أرقام من يهتم بحقوق الإنسان، أي إنسان، في هذا الوطن في تضاؤل مستمر.


عدسات الكاميرا وأقلام الصحافيين وتدافع الأكتاف، في مساحة لا يتعدى قطرها عشرين متراً مربعاً، وبين مئات السيارات التي تجوب الشارع المحاذي لحديقة الصنائع. وحده المعني بالمظاهرة، أو بالأحرى من تمّ توجيه سهام الاتهام إليه بالتقصير، تغيّر. “من المجتمع المدني، إلى الاعتقال التعسفي.. زياد بارود”، هي اليافطة التي رفعها أحد المشاركين احتجاجاً على ما يعتبره عشرات الشباب والناشطين تقصيراً من خلال سماحه بمهزلة “بهدلة وشرشحة” المقيمينالأجانب (الشرعيين منهم وغير الشرعيين).

فبعد حادثة “الفحمة” في منطقة الأوزاعي، وقيام عناصر من الأمن العام بالتعدّي (حسب بيانها نفت الموضوع) على حفلة خاصة لمجموعة من السودانيين الذين يقيمون حفل تبرع للأطفال المصابين بالسرطان، بدأت الفجوة تتسع بين وزارة الداخلية وأجهزتها من جهة، وشريحة من الناشطين الحقوقيين من جهة ثانية. وقد جاء اعتصام الدكتور عبد المنعم إبراهيم وإضرابه عن الطعام أمام النادي الثقافي السوداني ليقصم ظهر العلاقة بين الأمن والمدافعين عن الحريّات.
الدكتور السوداني يحتج على معاملة سجناء سودانيين، يتم اعتقالهم لأنّهم دخلوا البلاد خلسة (وهو حق مشروع في القانون) ولكن لا يتم الإفراج عنهم. الحجة القانونيّة أنّهم لم يسوّوا أوضاعهم، يسأل أحد المحتجين تعقيباً على كلام الوزير حول الإجراءات القانونيّة، “كيف يمكن لهم تسوية أوضاعهم وهم في السجن؟”، النتيجة: لا جواب.

على الأرجح لم ينتبه الوزير لذلك السؤال، لأنّه لم يبخل على المحتجين بشرحٍ مستفيض عن الملابسات القانونيّة والسياسيّة كلها. تكلّم بارود بصراحة: “الدولة اللبنانيّة ملتزمة بأنّها ليست بلد لجوء، وأنا موافق على هذا الأمر”، أضاف: “قمنا بعرض المشكلة على مجلس الوزراء منذ أيّار، والموضوع قيد الدرس”، الموضوع هنا هو حقوق اللاجئين، تنام في أدراج مجلس الوزراء منذ ستة شهور. لم يخطأ الوزير إلا حين استخدم الدبلوماسيّة التي أخذ صفوفاً فيها، فبعد أن أسهب شارحاً وجهة نظره لأكثر من ربع ساعة، نطق أحدهم بالكلام لأربعين ثانيّة، غصّ بها الوزير فقال: “سمعنا لكم، فاستمعوا لنا”.

لا شكّ بأنّ خطوة بارود في النزول إلى الشارع إلى جانب المعتصمين (على الرغم من قيام اللواء المسؤول عن أمنه بمحاولة تمويه الموضوع وتحميل المتظاهرين مسؤولية نزول الوزير إلى الشارع)، وقراره بعدم التعرّض للتجمّع على الرغم من عدم حصول المنظمين على ترخيص، قد خفف من وطأة انفعال المشاركين. لكن إحدى الفتيات تعلّق: “شو عم بربحنا جميلة؟”.

عاد الوزير صاحب البذلة أدراجه إلى وزارته (كان في الماضي يبقى مع المتظاهرين بعد أن يغادر المسؤولين)، فيما أكمل المعتصمون المسير نحو الدكتور عبد المنعم. ينتظرهم الأخير بلهفة عيونٍ تسأل عمّا جرى، يقص عليه البعض مقتطفات، ويسرد هو عليهم قصته مع ملازمٍ جاء إليه بعد ذهابهم يقول: “إن جرت أي حادثة في عكار، سأحملك المسؤوليّة!”. يتفاجأ الدكتور لا لشيء، بل لأنّه لم يزر عكّار في حياته، ينطق بذلك للملازم صاحب مزامير الوعيد والثبور.

ربّما في اللحظة نفسها التي كان موظف الأمن يهدّد “اللاجئ”، كان الوزير يعد العدّة للتصريح الذي دافع فيه عن حقوق الإنسان

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s