ما لها بيروت تكرمنا هذه الأيام؟ – جاهدة وهبه: صوت لا نظير له


 

أسعد ذبيـان

 

ما لها بيروت تهدينا مطراً من نوعٍ خاص؟ ما لها تطعمنا ملبس، وغزل بنات؟ ما لها بيروت هذه الأيام تعفينا من قرف نشرات الأخبار لنهرب إلى مسارحها وحفلاتها الموسيقيّة؟ ما هي الحمّة التي تجتاح العاصمة فتجعلها في أجمل صورة؟ ما هو سر الوصفة التي تشفيها وتشفينا، لنقول لها: “وداوني بالتي كانت هي الداءُ”. ومرضنا ليس بزكامٍ موسميّ، بل هو مزمن، هو نوعُ من العطش، فعلاجنا إذاً بالشراب. والظمآن هنا ليس الجسد، فداوونا بالفنّ والشعر والغناء والطرب الأصيل. ما لكِ بيروت؟ لا بل شكراً بيروت. هذا ما تجترحه الكلمات المرصوصة على شاشة حاسوب بعد أمسيّة لجاهدة وهبة في قصر الأونيسكو، سبقتها قبل عشرة أيام حفلتين للست “أم زياد” (فيروز). تعتلي المنصّة بيدين منبسطتين كأنّما لتعانق الجمهور الذي قال لها: “شبيكِ لبيكِ” يا سيدة الطرب الأصيل. تقف على خشبة المسرح، لا بل تقف على رموش عيون الحاضرين، يحاولون أن يدلّوها قليلاً ليمطروها بوابلٍ من القبل على جفنها. كل هذا ولم تؤد السيّدة من الحفل إلا التحيّة. فما بالك يا من غاب عنك المشهد إن انجبت لنا السيّدة 12 تلميذاً جديداً (لا خائن بينهم) لنرتلها معها، ونصدح بها، من دون أن نبالي من رجلٍ متبرمٍ إلى يسارنا، أو عضّ شفاهٍ على يميننا. هي المجازة في علم النفس، وهي صاحبة دبلوم الدراسات العليا في التمثيل والإخراج، وهي التي يتناولها الكتيّب الموزّع تحت اسم: “جاهدة وهبه: رجّعوني عينيك” يصفحة لا تفيها حقها بالكامل.هي المتألقة عندما تقف على بعد بوصة أم اثنتين من الميكرفون، فتظنها تغني لك وحدك أنت الشهريار في الحلم، وهي المؤدية من خلف الستارة.

ما لها هذه السيّدة تحملنا وتلقينا، ترفعنا وتدنيّنا، تبعدنا وتدنينا؟ ما لها تلعب بأوتارنا كالرجل الذي خلفها يناغي كمانه؟ ما لها ترفع يدها كأنّما تقول لنا: “أكثر، أكثر، أكثر.”، ونحن الذين نرفع أيدينا لنقول لها: “توقفي نرجوكِ وصلنا إلى الشفير، لا تسقطينا أكثر”. نخرس، فتتكلّم دموعنا. ما له الرجل الأربعيني خلفي يكرر ويرتّل: “الله.. الله”، عندما تنطلق السيدة تقول: “مشغول وشاغلني بيك، وعيني تيجي في عينيك”؟ ما لها تنحني لنا مرّتين كلّ ما أنجبت لنا طفلاً موسيقياً؟ هي تشكرنا؟ على ماذا ـ على حسن استماعنا؟ يا سيّدة أمامكِ لا نعرف إلا أن نصغي، فماذا نهديكِ؟ تصرّ على جعلنا مؤمنين، للمرّة الأولى منذ دهر أردد مع طائفة من البشر من كل الطوائف كلمة لا لبس فيها، كلمة لا دنس بها، كلمة كلّ منّا جرّدها من مضمونها من قبل، كلٍ منّا أبقى قشورها، فرردها سابقاً من دون شعور. للمرّة الأولى منذ دهر، نغرّد سويّة – معها:” آمنتِ بالله”. للمرّة الأولى، أعي ما أفعل دون أن أخاف، لا تجبرني على الإيمان بإله أحدهم، بل آمنت بالله، بإلهي أنا وحدي، بإلههم هم كلهم. ترفعنا بصوفيتها إلى حيث لا بمكن لحواسنا أن تفهم مجال رؤيتها أو لمسها أو إدراكها، لا تكتفي بذلك، بل تعذبنا أكثر. تأتي بالحلّاج ليعاونها ويعالجنا: “يا نسيم الريح”. تجتهد حاهدة لتثقفنا، تقفز في دقائق معدودة بين الأخطل الصغير، وأحلام مستغانمي، وطلال حيدر، وغونتر غراس (الحائز على جائزة نوبل للآداب). تبكينا عندما تبلغ مقطع “سندي وسندياني وسيّدي..” من قصيدة “أنجبني”.

 

ولأنها تهوى المفاجآت تقرأ لنا شيئاً جديداً ثمّ مثلما تقول “ترندحه”، ولأنّها كريمة بصوتها، كريمة بمالها، فحفلتها يعود ريعها لدعم برنامج وهب الأعضاء والأنسجة البشريّة. هل عرف القيّمون أنّ جاهدة لوحدها منحت أعضاءً جديدة للبشريّة أكثر من أي مؤسسة خيريّة أخرى؟ أيعرفون أنّه كلما سمعناها تعطيننا أذناً أو اثنتين، وضربات قلبٍ جديدة وتدفق أدرينالين وعيونٍ تبصر، لا تنظر فحسب؟ تقرأ لموسى زغيب: “اللي بيعطي خبز لجوعان، هيدا كريم وعالوفا ضل.. بس اللي بيعطي عيون للعميان بيكون مفضل عالدنييّ كلها”. جاهدة أنتِ مفضلة على دنيتي كلها. 

2 thoughts on “ما لها بيروت تكرمنا هذه الأيام؟ – جاهدة وهبه: صوت لا نظير له

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s