يساريون «يحاكمون» أداء «الشيوعي»: أين الحزب من التغيير والثورة؟


من احتفال الحزب في ذكرى التأسيس الأحد الماضي.. تصوير: علي لمع

أسعد ذبيـان

نشرت في  شباب السفير

 

قبل أيام، احتفل الحزب الشيوعي بذكرى تأسيسه الـ86. شعاره لهذا العام حمامة تحت مظلة حمراء. يعلّق شاب يسهر مع رفاقه في مقهى «دانيز» في الحمراء: «هذا العام سبّب الشعار خلافاً، انقسم أبناء الحزب إلى نصفين، منهم من أبقى على الشعار، ومنهم من قلبه رأساً على عقب».
الإشكاليّة لا تكمن في شكل الصورة فحسب، بل تتعداها لرمزيتها. فالبعض يوافق على شعار «السلام تحت مظلتنا»، لكن كثيرين يصرّون على «قلب الطاولة.. والثورة».

«أولاً، تربيت في هذا الجو (الشيوعي) وذلك أثر عليّ، لكنّ الأهم أنّ الحزب الشيوعي هو الأقرب للناس، يحكي لغتهم، يفكر معهم لا عنهم، يفكر بمشاكلهم الاقتصاديّة والاجتماعية»، بهذه الكلمات يلخّص حسين وهبه (20 عاماً) تأثره بالحزب الشيوعي، قبل أن يضيف إليها: «كلا، لا أفكر بالانضمام إلى صفوفه». حسين لا يناقض نفسه، بل يعبّر عن رأي شريحة واسعة من أبناء هذا الجيل. والسبب في المسافة الشرعيّة التي تفصل العضو المحتمل عن جسد الحزب، هي برأيه «انقسام الأخير، وغياب الدافع الأساسي لوجوده». يعتبر حسين أنّ على الحزب الشيوعي أن يوقظ نفسه من السبات الطويل، ليبدأ «الاحتكاك المباشر مع الشباب وفي الوقت نسفه مع الكوادر القديمة»، ومن ثمّ: «حمل مشروع اقتصادي اجتماعي واضح يتشاطره الناس من كل الطوائف، وأن تكون التحركات شبه يوميّة ومن دون توقف، لتكبر كرة الثلج شيئاً فشيئاً».


بدورها، تقول فيديل حرفوش إنّها ولدت في منزلٍ أحمر. فجدها مصطفى مغربي أثر على أولاده للانضمام للحزب الشيوعي اللبناني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. التقى والداها بسبب منحتين لدراسة الصيدلة من قبل الاتحاد السوفياتي السابق، وسافرا إلى رومانيا وتشيكوسلوفاكيا. واليوم، ما يزال خالها، مسؤولاً في الحزب الشيوعي، في حين أنّ باقي أفراد العائلة تحولوا من ملتزمين إلى مناصرين، وهي تضع نفسها من ضمن الفئة الأخيرة. تشرح فيديل: «لا يقتصر الأمر على انتصار الرأسماليّة، وسقوط الاتحاد السوفياتي، والعولمة، بل يتعداه إلى مراجعة نقديّة للتاريخ والأعمال والمواقف السياسيّة للحزب الشيوعي اللبناني». تحجم فيديل عن الانضمام، وتطرح سؤالا بسيطاً: «ما الذي سأكسبه؟»، أو «ما الذي سيتغيّر؟».
تشارك الصبية العشرينية في معظم الأنشطة والمهرجانات واللقاءات، ولكنّها تفضل الابتعاد عن «التخبيصات» الداخليّة، كما تصفها. وتضيف: «أنا على يقين بأنّ الحزب يمرّ حالياً في فترة معمعة تحد من رؤيته وتنظيمه».
يطرح الحزب الشيوعي نفسه على انّه الخط البديل عن القطبين السياسيين اللذين يحكمان البلد حالياً، ولكن كثيرين من الشباب يجدون مشكلة في تصديق هذا الكلام غير المقرون بالعمل من وجهة نظرهم. فيديل مثلاً تعتبر أنّ الحزب علق في ما يسمّى وحول اللعبة السياسيّة اللبنانية، وفي التاريخ أيضاً: «هذا قال، وذلك قال»، فيما كان على الشيوعيين التعالي على «غباء السياسة اللبنانيّة، وفهم مستقبل أبناء البلد».

وتكرر فيديل ما تعتبره هواجس كثر أمثالها: «أين الحزب الذي يطالب بحقوق المستضعفين؟ أين الحزب الشيوعي الذي عليه إيجاد حلول الفساد؟». وتكرّ سبحة المطالب: «على الحزب تعليم النظريات الشيوعية والماركسية، عليه إعطاء الحلول للأجيال القادمة، فأين التثقيف الحزبي المتمحور حول العلمانيّة، والزواج المدني، والسياسة البيئية، ومناصرة القضايا العادلة كقضية فلسطين مثلا، وحقوق الإنسان، والحقوق المدنيّة؟!». كل هذه المطالب تتشاركها فيديل مع عشرات «يحرقهم قلبهم» على واقع الحال.
وتختم صاحبة اسم الثوري كاسترو أنّ على الحزب أن يتخطى «الشعارات المرمية التي لا تجلب التغيير»، فالمطلوب هو «بناء منظومة من الممثلين عن القرى والمدن التي تفهم حجم المعاناة، تتفاعل في ما بينها، وتنقل نبضي الشارع والحزب صعوداً ونزولا»، تماماً كالشعار الذي يتم قلبه.

سحر (23 سنة) اكتشفت أنّها تنتمي إلى عائلة شيوعيّة في عمر السادسة عشرة. فالوالد كان شديد الحرص على ألا يدخل أولاده في المعترك السياسي، ذلك لأنّه خسر «اثنين من إخوته الذين قاتلوا مع الحزب الشيوعي، الأوّل ضد حركة أمل والثاني ضد العدو الإسرائيلي». وسحر ترضى بالتعريف عن نفسها بأنّها شيوعيّة فقط في حال كان المفهوم يعني: «لا رأسمالية، والمساواة بين الناس». أمّا اعتراضها على الحزب اليوم فهو عدم التزامه بما يقوله. وتعطي مثالاً على ذلك: «لقد خاض الشيوعي الانتخابات البلدية في العديد من المناطق إلى جانب أحزاب طائفيّة؟؟».
وتتضايق الفتاة من «الجنس الجديد» للشيوعيين، خاصة من يربطون شيوعيتهم بتقديس زياد الرحباني، وعشق فيروز، والاستماع إلى شربل روحانا وخالد الهبر.. ومردّ انزعاج الفتاة هو في تحويل الحزب الشيوعي من محارب لـ«الصنميّة» إلى معتنق لها في بعض الحالات.

أمّا هادي (26 سنة) فله مآخذ أكبر. انتسب إلى التفكير الماركسي «من ظلم المجتمع وتركيبته العاطلة»، ويضيف «لم أقدر على أن أكون شاهد زور، وقررت أن أتخذ موقفاً». ينظر للحزب الشيوعي على أنّ لديه قاعدة شعبية كبرى ولكنّها موزعة في «بلد الكانتونات»، بحيث لم تسمح لهم بإيصال نائب.
ويرفض هادي الانتساب للحزب، لأنّ ذلك يعني الهوس بالمهرجانات والشعارات والمناشير، والغوص في الخلافات الداخليّة، أضف إليها الغيرة على المناصب والامتيازات، كما هي الحال اليوم، برأيه.
ومن منطلق أنّه لا توجد أنصاف حلول، يبدأ هادي بالنقد اللاذع: «الحزب الشيوعي اللبناني فاشل عملياً. المطلوب هو الثورة واستلام مقاليد الحكم». وذهب الشاب المسالم بعيدا في فكرته: «أنا مستعد للمشاركة بأية عملية مسلحة لقلب النظام الطائفي، البولشفية أطاحت قياصرة عمر حكمهم تعدى 600 سنة، ونحن نعجز عن قلب الطاولة على أمراء حرب؟». ويعتبر هادي أنّ الزعامات اللبنانيّة المحرضة على الطائفيّة هي من أسباب ضعف الشيوعيّة، وبالتالي تجب إزالتها، وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل.

بالنسبة لهادي، فقد الحزب اهتمامه بالقضايا الكبرى: «العدالة الاجتماعيّة، ومكافحة الفقر والظلم». ويختم بأنّ على الشيوعيّة أن تتطور وتواكب العصر. يقول: «مثلما لم يعد يسمح نص العديد من الأديان بمواكبة هذا الزمن.. كذلك الأفكار اليسارية». هذا التطور الذي يطالب به يجده ممكنا، طالما أن القاعدة الشيوعيّة أكثر تقبلاً من غيرها، وأكثر انفتاحاً وثقافة.

يتشارك عمر حلوة (24 سنة) هموم الشباب ونقدهم، ولكنّه يؤمن بالتغيير من الداخل، ولذلك هو منتسب للحزب. يعرّف عن نفسه على أنّه: «ناشط يساري متطرف، مؤمن بأيديولوجيته لأقصى حد، لأنّه لا يوجد أي حزب سياسي لبناني آخر يعبّر عني». ويعتبر عمر أنّ الإيدولوجيّة الشيوعيّة لن تموت، بل هي في تطوّر دائم. ويعترف بأنّ نقص التنظيم، وغياب التمويل والأفكار العملانيّة هي التي أخّرت وتؤخر نمو الحزب، لكن المطلوب هو إعادة التنظيم، وتبني الفكر الثوري، لا أن لا يكون التغيير السلمي هو الحل الأوحد.
ويضيف عمر: «نعاني اليوم من مشاكل داخليّة، ولكن هذا لا يمنع أننا ما زلنا المكان الذي من الممكن أن تتم فيه مناقشة قضايا تهم الناس». مساحة ينغصها غياب التنظيم في الحزب، والعيش على أمجاد الماضي، والأهم غياب الخطاب الثوري الحقيقي، خاصة أنّ «الناس تنظر إلينا، وتسأل: هذا زماننا؟»، يقول عمر.

One thought on “يساريون «يحاكمون» أداء «الشيوعي»: أين الحزب من التغيير والثورة؟

  1. لا ادري ما هو المشترك بين الشيوعي وحزب الله غير الكره والعداء لأسرائيل والحقد الاعمى لامريكا الشيطان
    ولا ادري كيف سيحارب الشيوعي الفساد مع الهة الفساد في لبنان شباب هولوكوست المحرومين

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s