ليس كلّ ما يلمع ذهباً – الجزء الأول



flickr.com/photos/hibr

أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة حبر لبناني

 

تظهر موسوعة “ويكيبيديا” بنسختها الإنكليزية لبنان على أنّه “وجهة للنساء الآسيويات والأفريقيات اللواتي يتم الاتجار بهن لأغراض الخدمة المنزلية، ونساء أوروبا الشرقية والسوريات لأغراض الاستغلال الجنسي التجاري”. لا ريب في أنّ هذا انعكاس لما يجري على أرض الواقع، فأعداد “الكاباريهات” و”السوبر نايت كلوب” في لبنان تزداد باضطراد، ولم تعد محصورة بمنطقة واحدة، بل أصبحت بين الأحياء السكنيّة في بيروت وغيرها. ولكن خلف هذه المتعة التي يتوخاها “الزبائن”، هناك وقائع ومآسٍ عديدة، فليس كلّ ما يلمع ذهباً. لا يدرك الزبون عادة بأنّه يساهم في ما يسمّى بجريمة “تهريب البشر” وهو من أكثر الأعمال المربحة التي تمارسها المافيات حالياً.

هذه الأماكن كانت تعرف في الجاهليّة بالمواخير (جمع ماخور)، أمّا اليوم فلكل محلٍ اسمه، ويافطته الدعائيّة، و”سيستامه” أي نظامه الخاص. يدخل الزبون إلى المكان المنشود (عادةً بعد منتصف الليل)، يقابله إمّا المدير أو ذراعا حارس على الباب، يسأل الزبون “شو الـSystem؟”. فيجاوب أحد المدراء في عين المريسة “كاسك بعشرة وكاس الصبية بخمسة وثلاثين، إذا ما نزلت صبية على الطاولة (حضنك)، كل نصف ساعة بدك كاس”. (الملفت أنّه يوجد عنصران من الجيش اللبناني أمام مدخل الملهى). أمّا في شارع الحمراء، فطريقة العمل مختلفة، حيث يجيبك العامل في الصالة “هون (على الكنبة) أربعين، أمّا في الداخل فخمسين”، والمقصود هو ممارسة الجنس مع بائعة هوى، أمّا العملة فهي الدولار الأميركي. وهناك المحلات التي لا تسمح لك سوى بمسامرة الفتاة، على أن تمرّ لاصطحابها في اليوم الثاني من الأوتيل عند الواحدة وتعيدها عند السابعة، التكلفة سبعون دولار تقريباً (من دون سعر الشراب في الليلة) بالإضافة إلى إكراميّة الفتاة/الفنانة.

 

التعريفات القانونية في لبنان والعالم

 

تعرّف الأمم المتحدة جريمة “الإتجار”على أنّها “تجنيد أو نقل أو إيواء أو استلام الأشخاص عن طريق التهديد أو استخدام القوة أو أشكال أخرى من القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استخدام السلطة أو استغلال موقف ضعف أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال”. وبحسب أوليفيا دولوريس ساسين، منسقة منظمة Heartland Alliance  في العراق، فإنّ التربة المشرقيّة ولا سيّما في لبنان تسمح بهذا الإستغلال. “وجود الفنادق، والملاهي الليلية، والسياحة الجنسيّة، ورؤوس الأموال تساعد على عمليّة استقدام نساء من أجل العمل في مهنة الدعارة” تقول أوليفيا التي ترفض الجزم في  أعداد الضحايا المتاجر بهم وذلك لغياب النصوص القانونيّة اللبنانيّة ذات الصلة.

 

وعلى الرغم من أنّ لبنان لا يملك أي قانون خاص بالإتجار البشر، إلاّ أن لديه مجموعة من القوانين التي تردع عمليّات إجراميّة لها صلة كبيرة بالإتجار. فالمادة 523 من قانون العقوبات تعاقب كل من تعاطى الدعارة السرية أو سهّلها بالحبس من شهر الى سنة وبالغرامة من 50 ألفاً الى خمسمائة ألف ليرة. وتعاقب المادتان 524 و525 من القانون ذاته بالحبس والغرامة من أقدم إرضاءً لأهواء الغير على إغواء أو اجتذاب أو إبعاد إمرأة أو فتاة برضاها، أو باستعمال وسائل الإكراه ومن استبقى شخصاً رغماً عنه ولو بسبب دين له عليه في بيت الفجور أو أكرهه على تعاطي الدعارة. كما نصت المادة 527 على أن كل شخص لا يتعاطى مهنة بالفعل واعتمد في كسب معيشته أو بعضها على دعارة الغير، عوقب بالحبس وبالغرامة. ولكن المشكلة تكمن في تطبيق هذا القانون، حيث أنّ العديد من الدعاوى المرفوعة أمام القضاء من قبل ضحايا الدعارة يتم صرف النظر عنها.

 

تأشيرة “الفنانات”

 

وممّا يزيد من طين المشكلة هو ما يسمّى بتأشيرات “الفنانات” حيث أنّ الأمن العام اللبناني يسمح بإصدار مثل تأشيرات الدخول هذه مع العلم انّ الجميع يعرف بأنّها تؤدي إلى زيادة استغلال النساء، حتى ولو كنّ قادمات بمحض إرادتهنّ. فتقرير وزارة العدل اللبنانيّة وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات في العام 2005 يسجل دخول 8246 حالة لنساء من رومانيا ومولدافيا وبيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا بين عامي 2000 و2005 بهدف السياحة الجنسيّة أو حسب القانون: لممارسة “الفن”. ويقوم الأمن العام بفرض شروط محددة على عمل هذه النساء منها: أنه من الإجباريّ التواجد في السوبرنايت بين العاشرة مساءً والخامسة صباحاً، وفي الأوتيل بين الخامسة صباحاً والواحدة بعد الظهر، وبالتالي تخلو الساحة “للزبون” في الوقت المتبقي. تمنع هذه النسوة من الزواج بلبناني، ولا تتعدى فترة توظيف الواحدة منهنّ ستة أشهر تعود بعدها إلى وطنها على أن تمنع من العودة إلى لبنان لمدّة عام على الأقل. كما تبرز فئة أخرى هي عبارة عن نساء خالفن شروط عملهنّ في لبنان وهربن إلى هذا القطاع من العمل وغالباً ما يكنّ من التابعيّة الإثيوبيّة أو السودانيّة كذلك اللبنانيّات والسوريات والفلسطينيّات. الجدير ذكره هو أنّه بين العامين 2004 و2005، تمّ الإبلاغ عن 44 حالة استغلال جنسي، وصل ثلاثة منها للمحكمة فقط، وأسقطت إثنتان، فيما تمّ الإكتفاء بإجراءات إدارية من تنبيه وتحذير في القضايا الأخرى، وترحيل “الفنانة”. (حسب تقرير وزارة العدل المشار إليه أعلاه).

 

“كفى”: لمساعدة ضحايا الإتجار

 

تبذل جمعية “كفى” جهوداً حثيثة لمساعدة النسوة الضحايا، من ضمن باقة الخدمات الإجتماعيّة التي تقدمها. تقول غادة جبور من الجمعية: “نؤمن مركز مساعدة، ولدينا رقماً ساخناً للمساعدة هو: 03018019، ونقدم استشارات اجتماعيّة بالإضافة إلى دفع تكاليف تقرير الطب الشرعي، فضلاً عن الإستشارات والمتابعة القانونية”. كما تتعاون الجمعيّة مع مراكز إيواء، وهذه الخدمات تقدم بحسب الحالات. تعترف غادة أنّ عدد الحالات ضئيل للغاية وترد أسبابه إلى “جهل النسوة بوجود الجمعيات التي قد تساعدهنّ، بالإضافة إلى صعوبة التواصل مع العالم الخارجي خاصةً للأجنبيات اللواتي لا يعرفن اللغة العربيّة وليس لديهنّ معارف”. أمّا في حالة اللبنانيات، فهناك الخوف الإجتماعي، وكونهن موضوعات تحت المراقبة الدائمة.

في الجزء الثاني: ماذا يجري في الكابريه؟ – أشكال الدعارة الجديدة –  غياب الوعي القانونيش

 

3 thoughts on “ليس كلّ ما يلمع ذهباً – الجزء الأول

    • تحقيق ممتاز، اكيد الموضوع صعب و الاصعب الاحاطة بكل جوانبه. ناطرين…

  1. تنبيه: ليس كل ما يلمع ذهباً – الجزء الثاني « خربشات بيروتية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s