الغاية والوسيلة: التفكير خارج الإطار


 

(Plus Opportunities وبيت مسك و Les Suites De Faqra)  ، ولطالما كنا نسمع عن مجموعة جزر “أرزة لبنان” التي ستقوم قبالة الشاطئ. كتب صديقي المدوّن طوني صغبيني عن بيت مسك مقالاً فنّد به النقاط السلبيّة، لا أختلف معه عليها، وكل النقاط السلبيّة الأخرى عن المشاريع الثانية. ولكن أود أن أتيح لنفسي الحلم أنّ قرية كبيت مسك سينجب فيها أولاداً لا يتبنون أفكاراً دوغمائيّة، ولا يشاهدون شعارات سياسيّة فوق بيوتهم، ولا يزورهم زعيم سياسي ليحصل على أصواتهم، ولا مختار أو رئيس بلديّة ليثير الحساسيات بين القاطنين. أود لو أحلم أن يكون هناك قرى نموذجيّة لكل الأجيال القادمة لا تربى على فكرة أنّ الشارع المقابل لطائفة من “البع بع”، وأنّ المنزل الذي جنبنا فيه أناس “عندهم ذنب طويل”، وألا يتبنى الأولاد قيم مثل “هذه الطائفة وسخى، أم تعشى عند هذا ونم عند ذاك”. لا يهم إن كان البيت من مسك، أو حتى من حجارة مثل أيام البشريّة الأولى، الأهم هو التفكير خارج الإطار.

شيلوا الكراتين عن راسكن

 

أسعد ذبيـان

عندما نقول بأنّ المسيح قال لأتباعه: “من ضربك على خدك الأيمن، در له الأيسر”، لم يقصد أبداً أن نذهب إلى الجنة بوجوهٍ متورّمة. جلّ ما في الأمر انّه في وقت اليهوديّة، كانت اليد اليسرى مذمومة، واليد الوحيدة المستخدمة للضرب هي اليمنى. الخيار إذاً إمّا راحة اليد أو قفاها، ولتضرب أحدهم على الخد الأيمن فأنت تستخدم قفاها لسببين: الأوّل أنّك تواجه الشخص وبالتالي يمينك على يساره فلا يمكنك ضربه على يمينه مرتاحاً إلا باستخدام قفا اليد، والثاني لأنّ من علامات القوى أو التحكم بالآخر (خاصةّ إن كان ولدك، أم زوجك أم عبدك في مثل أوقاتها) هي في استعمال قفا اليد. لهذا ما يزال أهلنا يرددون حتّى اليوم: “بضربك بقفا إيدي”. لهذا فأن ما أدرنا الأيسر لأحدهم يضطر لضربنا الكف الثاني براحة يده، وبالتالي نصبح من مستواه، أي نقاوم نحن العين المخرز بأسلوبٍ سلميّ. عندما نزل القرآن، وعد الله أتباعه بأنهارٍ من لبنٍ وعسل، لم يتحدّث عن عصير الليمون، أو شراب التوت البريّ، لأنّ أبناء الجاهليّة لم يكونوا على علمٍ بها، ان الهدف أن يخاطبهم بلغتهم ويغريهم بأمورٍ بربطونها بواقعهم.

نسأل لماذا لا تكون مقاعد الدراسة مريحة، ولا تكون من الجلد أو ككنبات المنزل؟ نفترض أنّهم يودّون معاقبتنا، فنطالب بحقوقٍ لنا. يفوت عن بالنا بأنّ الهدف من هذه المقاعد غير المريحة هي أن تبقى رؤوسنا مستيقظة، ولا ينعم الجسد بالراحة بينام في حصة دراسيّة. كل ما سبق هو لشرح أنّ العديد من الذي ابتكره آباء البشريّة هو لأنّهم درسوا الإحتمالات، واختاروا الأنسب (ليس بالضرورة الأفضل)، ولكننا للأسف نسخف الأمور، ولا نقبل إلا في التفكير داخل الإطار لأنّه واقع حياتنا الحالي. لا شيء يدفعنا للتفكير اليوم، كل شيء نستغله لتراجعنا. حتّى اختراع السيّارة، والهاتف، والكهرباء، وكل ما يدور في بالنا، استطعنا أن نحوله غاية تجاريّة وماركات مسجّلة لتتنافس على تقديمها الشركات، ولنتنافس “كزبائن” على استعراض المقتنيات الأفضل التي نشتريها.

 

ومن المادة إلى ما هو أكثر روحانيّة. لم نعد نفكر بأصدقائنا أو بشركاء حياتنا على مبدأ إن كانوا الأنسب لنا، أم لأنهم يحبوننا. نختارهم وفق ما يريد المجتمع، ووفق ما يشتهي الآخرين. لا نخرج إلا مع الفتاة التي تثير الرجال الجالسين على الطاولات  في المقاهي حولنا. لا نتزوّج إلا لنرضي أهلنا ومستواههم الإجتماعيّ وانتمائهم الطائفيّ، وأحياناً مسارهم السياسيّ. حتى الأرض التي كانت فيما مضى ملكاً للبشريّة كلها على حد سواء، قررنا أن نقسمها لدولٍ وبلدانٍ وقرى، وشجرة العائلة الآدميّة إلى عائلاتٍ وأنسابٍ وفخوذٍ وأقوام. عوضاً عن أن نجوب الدنيا كابن خلدون، وابن بطوطة، قررنا خلق تأشيرات الدخول لكي ينظر في أمرنا موظف رسميّ ليقرر إن كنّا نستحق رؤية برج إيفل عن كثب، أم مدينة سيدني، أم جسور البندقيّة، وقصور فيينا. ولغة الحب حوّلناها بعد أسطورة “برج بابل” إلى لهجاتٍ وأسبابٍ لإبعاد الآخرين. أمّا الدين الذي يدعو للوحدة، قررنا صرفه في خدمة البغض والسلفيّة والتكفير والتحقير واللعن. والأنكى أنّهم يفعلون كل ذلك في سبيل ما يسمّى: “التقدم والديمقراطيّة ومشيئة الله، وحبّ الوطن، والولاء وغيرة الدين..” وغيرها من المصطلحات والعبارات الرنانة التي اختلقناها.

 

كلّ ما نقعله أو نقوله أو نكتبه هو لغايةٍ في نفسنا ومصلحةٍ لنا من خلفه (حتّى هذه المقالة)، فلماذا لا نعترف بذلك وندع الأمور تأخذ مجراها الحقيقيّ. لماذا لا نعود لأصلنا؟ للبريّة الحقيقيّة التي تحكم أقدرانا، لم لا نتخلّص من عبادة العملة، وعبادة الأصنام. المشكلة إذا أننا نفكر داخل الإطار، والسبب؟ التربية ذات اللون الواحد أو التفكير الواحد التي نشأنا عليها. فما هو المطلوب؟ المطلوب جيلٌ جديد، يقدّس نفسه أكثر، ويجل قدرته على الإبداع، نريد جيلاً لا يفكّر في الإطار، يخلق دينه الجديد، وحريته الجديدة، جيلُ يمارس الحب لا الجنس، يمارس الاكتساب لا التعلّم، يمارس الاختبار لا الاستامع للنظريات. المطلوب جيلٌ لا تحدّه حواجز، جيلٌ من خليط كل الشعوب والثقافات واللغات، يؤمن بالمساواة لا من باب “النفاق الوطني” و”الغش المشترك” على الطريقة اللبنانيّة.

 

لكن أين يمكن ذلك؟ في بيروت تعرف انتماء الشارع الديني أو السياسي من الألوان التي تسيطر على ساحاته. القرى مفرزة طائفياً. خارج لبنان، كل نظام له شعبه وجيشه والتعبئة الإعلاميّة التي يحشي بها أدمغة أتباعه. إذا ما ولد أحدٌ بين ظهرانينا، سنعلمه ما ورثناه عن أجدادنا، ونربيه على مبادئنا، لا مانع في ذلك طالما أننا نعي ما نحشيه برأس الصغار. ولكن إذا ما اختلط أولادنا بأبناء الحي أو المدرسة او المجتمع الذي سيفرزه عنصرياً، طائفياً، حزبياً، وغيرها، هناك تكمن الطامة الكبرى. عندما كنت في المطار، كانت أغلب الإعلانات التجاريّة تحكي عن مدن جديدة تبنى في لبنان مثل

(Plus Opportunities وبيت مسك و Les Suites De Faqra)

، ولطالما كنا نسمع عن مجموعة جزر “أرزة لبنان” التي ستقوم قبالة الشاطئ. كتب صديقي المدوّن طوني صغبيني عن بيت مسك مقالاً فنّد به النقاط السلبيّة، لا أختلف معه عليها، وكل النقاط السلبيّة الأخرى عن المشاريع الثانية. ولكن أود أن أتيح لنفسي الحلم أنّ قرية كبيت مسك سينجب فيها أولاداً لا يتبنون أفكاراً دوغمائيّة، ولا يشاهدون شعارات سياسيّة فوق بيوتهم، ولا يزورهم زعيم سياسي ليحصل على أصواتهم، ولا مختار أو رئيس بلديّة ليثير الحساسيات بين القاطنين. أود لو أحلم أن يكون هناك قرى نموذجيّة لكل الأجيال القادمة لا تربى على فكرة أنّ الشارع المقابل لطائفة من “البع بع”، وأنّ المنزل الذي جنبنا فيه أناس “عندهم ذنب طويل”، وألا يتبنى الأولاد قيم مثل “هذه الطائفة وسخى، أم تعشى عند هذا ونم عند ذاك”. لا يهم إن كان البيت من مسك، أو حتى من حجارة مثل أيام البشريّة الأولى، الأهم هو التفكير خارج الإطار.

 

 

10 thoughts on “الغاية والوسيلة: التفكير خارج الإطار

  1. لا اعتقد للحظة ان دعوتك قابلة للتحقيق و لكنها حلم لذيذ.
    انا معجبة جدا بالزوايا الجديدة التي تطرق فيها ابواب مواضيع من عمر الزمن….
    الى التدوينة القادمة؟

  2. تنبيه: Tweets that mention الغاية والوسيلة: التفكير خارج الإطار « خربشات بيروتية -- Topsy.com

  3. لكن أين يمكن ذلك و متى و كيف؟ و اتجاهاتنا نحو مقدّسات جديدة و ليس نحو آفاق جديدة.

  4. asaad wat u wrote in the first two lines made me read the whole article fully passionate, were i met the perfect words, so go ahead i freakly liked the article waitng more, and btw i liked the “lays kol ma yalma3 dahaban” too bas no time to comment sry,,
    pesce😀

  5. فقط للتنويه
    المنافسة في أي مجال، تحمل إطارا إيجابيا، وخاصة في خدمة الإنسان
    والدليل على ذلك تنافس العلماء فيما بينهم لإيجاد عقار لإمراض مستعصية، أو بحوث علمية وإنسانية
    وحتى العسكرية منها..
    والمنافسة أفضل من الإحتكار….
    نعم أنا لا أنكر اشمئزازي من الحدود ما بين الدول، ليس من أجل التأشيرة (VISA)، بل لأننى أرى أن أي مصيبة في العالم هي مشكلتي، أو أي حدث سعيد، هو فرح بالنسبة لي.. ولا يجب أن نعيش في بوتقة ، واعتبار أن هذا الأمر لا يعنينا، لعد حصوله على أرضي أو لطائفتي.

  6. صديقي ..أنا من المعجبين بالبعد الفكري الذي تتميز به ..إن فكرة المقالة أو التدوينة تتمتع ببعد فكري يتخطى الإطار أو المربع .. تحياتي

  7. As always, it’s beautifully written and i couldn’t agree more. My problem with my generation and all the youth generations is how we grew up with our minds constrained in a little box with concrete walls set by religion, our family, our environment, and stuff we grew up on. We don’t use the grey matter in our heads for cognition and reflection we just receive from what’s around us and the grey matter becomes a grey stone that can’t change no matter how much different beliefs make more sense.
    So yes and I say what u said again let’s all think outside the traditional frame, it’s vital!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s