لينــا شمــاميــان: كــلّ مــا كــان يتكــلّم


شماميان على مسرح « الأونيسكو» - جهينة خالدية

 

أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

 

تشير الأرقام في سيارة التاكسي إلى الساعة الثامنة مساءً وخمس دقائق. واليافطة في الشارع تعلن: «قصر الأونيسكو». البطاقات على الباب تبلّغ حاملها بمقعده: الرقم 31. وصورة سيدة يلفها شالٌ أبيض. وجوه الناس في مدخل المسرح تشي بالحماس والترقب والتلهف.

يعلن الضوء الخافت اقتراب البداية، وتصفيق الجماهير لأكثر من مرة يفضح توق الجالسين على المقاعد الحمراء للسيّدة التي ستعتلي خشبة المسرح. الوقوف يؤدي المعنى في احترام النشيد الوطني اللبناني، والفستان الأبيض وخلفية الأضواء التي تشبه مسارح مارلين مونرو (قال أحد المشاركين أنّها أقرب إلى زينة شجرة عيد الميلاد) يعلنان ظهور النجمة.


تمازح المؤدية الجمهور فتغني «لبنان يا قطعة سما»، لا موسيقى حولها، تعلن للملأ: «كان من المفترض وجود الفرقة الموسيقية هنا». يدخل العازفون «المتأخرون». تشي لهجة السيّدة بشيءٍ ما. ينطق الجالس في أحد المقاعد الخلفيّة: «فلسطينيّة؟»، تصحّح له إحداهنّ بالقرب منه المعلومة: «لا سوريّة».
تنطلق الأغنية في مسارها، تهرب منها بعض الكلمات، تصل لأذني: «قلي تعالي.. يا شاغلة بالي». إلى يميني امرأة تشبك معصمها بالرجل صاحب الساعة في اليد اليمنى. الترتيب غير المكتمل للأغنيات العربيّة المؤداة في ساعة ونصف من الوقت يشمل: «اية والله، هالأسمر اللون، لبيروت، حوّل يا غنام..»، وغيرها من الأغنيات التي لم تلتقط أذني غير الموسيقيّة أسماءها، ولم تلتقط لغتي نظيراتها الأرمنيّة.

الفم ينطق، ويردد الميكرفون: «الدمع من عيني..»، وفي موضع آخر: «يا مسافر في بحر..»، والحضور في سفر. يدندن الجالسون الكلمات في صوتٍ خفيّ لا يصل سوى أفئدتهم. الناقد يعلن: «ما لها تؤدي بصوتٍ لا يشبهها، ما لها تعطي أقل من عادتها؟». والبروليتاريّ في داخلي يقول: «ما لها الموضة تجتاح الحضور؟ هل يحتاج صوتٌ شرقيّ يشبه الصلاة إلى مستحضرات التجميل وفستان السهرة القصير لكي يصل إلى الآذان؟». يوافقه علي اليساريّ (الذي توجه من الحفلة إلى عمله كنادلٍ في مقهى في شارع كاراكاس): «فهمنا أنّها ترتدي قلادة غالية الثمن؟ لماذا التلويح المستمر بها؟».

ولكن بين يقظة الضمير، وحرية النقد، يجيء الصمت اللذيذ. هنا يتكلّم الهدوء، يخاطب العقل، يسافر به نحو الماضي. هنا الإبحار من الجسد نحو الروح، هنا الموت، فالتقمص، فعودة الحياة نقيّة، شفافة. نحن الصحافيين تؤدبنا الوظيفة لندوّن انفعالاتنا، الوظيفة تؤدب غيرنا ليحنّط في صورٍ الأمسيّة، إنّه العقاب أن نُنتزع للحظاتٍ من سكرتنا. غيرنا يؤدبه التصفيق، إنّها التحيّة المؤداة، إنّها الحالة الوحيدة لأننا نخشى التمرّد لنرقص فرحاً، لنتفاعل، لنجنّ، لندوخ. نكتفي بالابتسامة والغناء لأننا نخشى أن نكون في أعين غيرنا، بشراً يرقصون، ويقفون من على مقاعدهم، ويقفزون في أمكنتهم، لأننا نخشى أن نعود لأصلنا، لبريّتنا، لغريزتنا. إنّه «البريستيج» الذي يتكلّم فينبذ من بيننا من لا يخشى قيودا فرضها البشريّ على نفسه، ليظلم نفسه تحت اسم «احترام العادات». هي التقاليد التي تمنعنا أن نصرخ الآه، أن نقبّل السيّدة إلى جانبنا في فمها، أن نركل مجموعة سمجة خلفنا، أن نبكي أو أن نتأوّه. وحدهم المعتقون من الوقت، ومن المال، ومن كل صناعات البشر المهووسين بالتملّك، يجيدون السفر، يجيدون البحث في عقلهم، في أحاسيسهم، في مستقبلهم، والأهم في حبهم. الخاتم في الإصبع يشي بحالة الفرد، إنّها لغة لتعرّف عنّا. رأس سمر المرتاحة في الأمام، تتكلّم عن طمأنينة، يدا رواند اللتان تصفقان على قدميها تخبران عن أنّها تريد أن تقفز لتطلق العنان للمستور قبل الملموس، والستر هنا للنفس. السيّدة التي تلوّح بالشال تريد أن تعلن عن توقها للوقوف على العين والتلويح للحبيب في البعيد (إسقاطة لبنانيّة). الابتسامة كفيلة بأن تقول: «شكراً، أطربتنا، نفتخر بأننا هنا». كاتب المقال له كلمته: «إنّها حفلة لينا شماميان».

2 thoughts on “لينــا شمــاميــان: كــلّ مــا كــان يتكــلّم

  1. رائعة لينا بأغانيها .. وفي ما يخص الأغنية الأرمنيّة يا صديقي .. فهي وطنيّة وتتكلم عن الوطن من الصميم .. تحياتي يا مواكب .. أراك قريباً

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s