الإسكندريـة: مدينـة يرتـاح التناقـض تحـت ظلهـا


أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

 

وجدت، كمعظم الذين رافقوني في الرحلة، صعوبة في التقاط شفتي السفلى المنسدلة على ذقني، تاركةً ثغري حائراً في وسط الزحمة. اقترب منّي موظف بعد لحظات ليسألني بإنكليزيّة متكلّفة: «هل قمت بالتقاط الصور؟ أرني كاميرتك». ساعدني مزيجٌ من اللغة الأجنبيّة المتقنة، ودراية بتكنولوجيا الـ«Canon»، والقفز في الألبوم زمنياً من الأقدم للأحدث، على جعل حارس الأمن في مطار الإسكندريّة يملّ مني ويتركني لشأني. في غرفة لا تزيد عن الأمتار العشرة المربعة، انتصب في محيطها ميزانان، كل منهما بحجم كنبة في منزلي، ومن عمر جدتي، كان لقائي الأوّل مع مدينة التاريخ.

 

القدر

دلفنا إلى المنعطف بسرعة لتنفرج لنا أسارير مدينةٍ ترتاح على المتوسط منذ ما قبل بدء الأعوام الميلاديّة. هذه مدينة تعبق بالزمن. كل شيءٍ فيها يدلّ ويُستدلّ منه على تاريخ. كل حجرٍ ينطق باسم بانيه، إمّا ينتهي بـ«يليس» لصاحبٍ يونانيّ، أو يبدأ بـ«جان»، «باتريك» و«فيليب» وأترابهم الفرنسيين، أو حتّى اسمٍ فرعونيّ أو حفيدٍ مصريّ يغطي صدره بسلالة تحملُ إمّا صليباً أو هلالاً. يحنّط العقل المشهد ويرتفع بالخيال إلى الأعلى. من هنا ترى نطفة عمرها أكثر من 2300 سنة، تبدأ بقائدٍ مغمورٍ يأمر من على ظهر حصان ببناء مدينة تحمل اسمه. نما الجنين ليمتلأ الجسد بالتفاصيل: «كولوزيوم» في المنتصف، ومعبد على الطرف، وأنصاب لآلهة الرومان والفراعنة تملأ المكان. لا يضاهيها في العظمة سوى عقولٍ نيّرة تناقش في الفلسفة والعلم، توجت سلالتها بالعالمة والفيلسوفة «هيباتيا».


هناك، بين أضلاع الشوارع، وعلى أطراف ميناء، اختار القدر أن ترتاح منارتان. الأولى، على اليسار، أنارت درب السفن لتهتدي إلى سبيلها، فدخلت عجائب الدنيا السبع، «لأنّ النار التي كانت تحرق في طابقها العلوي احتاجت إلى 400 غرفة في الطابق السفلي لجمع الحطب»، كما قال مرشدنا السياحي. أمّا المنارة اليمنى، فقد خصصت لإنارة العقول، فجمعت بين رفوفها وثناياها ملايين الكتب لتكون من أبرز مكتبات العالم القديم، أي مكتبة الإسكندريّة.  والقدر أراد لها أن تكون المدينة التي كذب بها «نابوليون» ببيانٍ يعلن فيه إسلامه لمراعاة مشاعر سكانها، فيتسنّى له الدخول آمناً، قبل أن تسحق قواته فيها بعد ثلاث سنوات على يد الإنكليز.  والقدر اختار المدينة لتكون معبر الفاتحين، المسيحيّة والإسلام من شرقها، والفاطميين من غربها، وثورة أحمد العرابيّ من قلبها.

 

الحجر

في الإسكندريّة، يرتاح التناقض تحت سلطة الضوء، فالشكل الهندسي والمباني لأوروبا، أمّا اللهجة والكلمة لبني عرب، بينما تشي العادات في تسرّبها من بين شعوب حوض النيل وبلاد الشام، ومن رواسب المستعمرين. مدينة تبعد عن كل القارات مسافة أقل من يوم، هي في قلب أفريقيا، ولكنك في وسطها في قلب أوروبا.

نزلنا في فندق سيسيل الكورنيش البحري، المكتبة الجديدة خلفنا، وقلعة قايتباي (مكان المنارة) أمامنا. في المحيط، وعلى مرأى من النظر، ميدان سعد زغلول. تسبقنا إلى «الأوتيل» أسماء أخرى، أمثال نجيب محفوظ، وأجاثا كريستي، وألفيس بريسلي، وأم كلثوم.. لكنّ يبدو أن حظي عاثر، فما كان من نزيلٍ لغرفتي في ما مضى (العام 1926) سوى الملك فيصل!
بنى معظم الواجهة البحرية الأوروبيون. يقول لي صديق: «الحكم كان للإنكليز (في العام 1801 ومن ثمّ 1882)، ولكن العمارة كانت للفرنسيين والإيطاليين والألمان وغيرهم». أمّا الأناقة التي أحيط بها الديكور الداخلي من زخرفة، وسقوف منقوشة، ومصاعد قديمة بأبواب حديدية محفورة، فتعد من ضروريات البناء. ويصر الجميع هنا على أنّ سكّانا متحدرين من أصل يوناني منذ أيام الانتداب ما زالوا في المدينة.

يحتار الإنسان كيف يقضي أيامه الثلاثة، أين له أن يتسنّى مشاهدة تاريخ أكثر من عشرين عقداً؟ المكتبة الحديثة آية من الجمال، في المنتصف كرة ضخمة تخترقها خطوط ضوئيّة، وعلى الأطراف مبانٍ تضم غرفاً للمؤتمرات، وملايين الكتب، وحواسيب معدّة لتلبية احتياجات الرواد، ومتحف صغير. لم يعلن أحد أنّ قلعة قايتباي المبنيّة هي نموذج حديث من القلعة القديمة. كنّا نقول أنا وصديقي قاسم التونسي إنّ الأرض نظيفة للغاية والصخور مصقولة بشكلٍ لا يقبل الشك بأنّها جديدة، قبل أن نتفاجأ بأطلال ما بدا لنا سوراً قديماً افترشته أعشاب بحريّة، ففهمنا أنّه السور الحقيقي. لم يغيّر الأمر من مرحنا في اعتلاء السور لنمشي عليه ونلتقط صوراً تبدو في خلفيتها مدينة من ثمانية ملايين محميّة. وبين القلعة والمكتبة، سلاسل صخرية لتحمي المدينة من الأمواج، وميناء يشبه سجادة زرقاء يرسم عليها مع بداية كل يوم منحوتة، زخرفتُها عبارة عن مراكب صيادين من عمر أصحابها أو أكبر.  المسرح الروماني؛ الكنائس والجوامع؛ قصر المنتزه.. حدّث ولا حرج.

 

البشر

لم يسمع كثرٌ في الإسكندريّة بأغنية فيروز: «إيه في أمل..». الشباب هنا بمعظمهم لا يؤمنون بأنّ الأمور ستتحسن. «في السياسة لا خيار، إمّا استبداد أو إخوان..»، يعلّق صديق تحفظ على نشر اسمه. وفيما ترتفع ملصقات تحمل صور جمال مبارك، يعلق محمد: «يقول الملصق: ثورة حب. أين الثورة؟». أمّا في العمل، فعلى الرغم من أنّ للمدينة قدرتها الاقتصاديّة الواسعة لا سيّما في التصدير والاستيراد، وقطاعات البناء والسياحة، إلا أنّ آلاف «السكندرانيين» يتوجهون بطابورٍ طويل مساء كل سبت إلى القاهرة، على أن يعودوا في مساء الخميس، بحثاً عن العمل.

ولكنّ المدينة تستقطب كثيرين أيضا، فأحمد جاء من المهديّة ليعمل في بيع التحف للسياح بجانب قلعة قايتباي. يجني بعض الجنيهات من عمله، وأحياناً «يتوفّق» في اصطياد «غنيمة أجنبيّة دسمة». لكنه يضطر ليتقاسم بعض أرباحه مع الشرطة: «يزعمون أنّهم يؤمنون لنا الحماية، هم بالواقع يغضون النظر عن وجودنا المخالف، باعتبار أننا لا ندفع الرسوم، لكنهم في المقابل، يأخذون 10 جنيهات يومياً..»، يقول طالب العلوم السياسيّة.

ويسود في هذه الفترة بين شباب المدينة استياء من محافظ المدينة. فالأخير قرر أن يقوم بالعديد من الخطوات «التطويرية»، ومنها مثلاً تغيير شكل الأرصفة. قرر «السكندرانيون» خلق بعض الدعابات حوله: «تعثر في أحد الأرصفة وهو صغير، فقرر أن يزيلها كلها عندما أصبح صاحب منصب». ومن قرارات المحافظ المثيرة للجدل: «الإسكندريّة مدينة خالية من التدخين»، أي لا «شيشة» في الأماكن العموميّة والمقاهي. والقرار أنتج رخصاً خاصة يدفع أصحابها مبالغ طائلة للسماح للزبائن بتدخين النرجيلة، فترتفع أسعارها. لكن لكل مقهى طريقته في الالتفاف على القانون، المقاهي الشعبيّة لا تأبه به، هناك النرجيلة وفنجانا قهوة بعشرة جنيهات (أقل من دولارين). في حين أنّ بعض المقاهي المؤلفة من 3 طبقات تستخدم العليا بعيدة عن عيون الشرطة. وكل شيءٍ له سعره، «يمكن بالبقشيش أن تدفع ثمن كل شيء» تعلق صديقة.  والمدينة لها وجهان، وجه فقير يختبئ خلف الواجهة الأماميّة، وثيابٍ رثّة، وعوز، وشحاذين، وأجورٍ لا تتعدى 200 جنيه في الشهر. ووجه يتمثّل في نادي السبورتينغ في قلب المدينة، للنخبة التي تود الاستجمام، فالاشتراك السنوي فيه يصل إلى ألفي جنيه.
هكذا، تبدو الإسكندرية للزائر الذي يراها للمرة الأولى كأنها مدينة يرتاح التناقض تحت ظلها.

3 thoughts on “الإسكندريـة: مدينـة يرتـاح التناقـض تحـت ظلهـا

  1. تشغيل الأطفال

    أنا بين الإستغلال والإستعباد””””””” حرموني من التعليم لخدمة البـلاد.
    انا منكم بلا مهنة بين العباد””””””” لا ترموني وسط براثــين الفسـاد.
    لي حقوق هدرت حرمان وعذاب”””””””” عمري بين سة وعشربين العباد
    أنا واقع وسط النفايات مراد”””””””” كيف ينموجسمي سليما طبعا إعتيـاد؟
    جعلوا مني عبدا وسط الأسياد “””””””” حملوني اتعابا فوق طاقتـي إزدياد
    أنا مشتاق لأمشي بين أقراني صبحا “””””””” كلي فأل لفتح باب الأمل أمجاد
    صكوفي وجهـي الحلم جوراعناد”””””””” فتحولت لنشال ماهر دون ارتـداد.
    أنا لم أذنب حتى أنال هذا العناء”””””””” وجدت نفسي بلا كرامةخسارة سواد.
    أتعاطى مهلوسات وللمخدرات انقياد”””””””” أنام على رصيف ملتحفا سماءأنجاد.
    يقذفني سوء خلق صورتهم أشرار”””””””” طباعهم لا تلمس فيهـا حنان عــناد.
    أنا في سوق الشغل كالحمارإحتمال “””””””” صنعوا مني آلة لا تدري ما المراد؟
    حتى الخادمات لا يسلمن من ضيـم “”””””””حرمن من تعليم وهن كالطفل كما اعداد

    أحمد الجيدي
    06.يناير2011

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s