ليس كل ما يلمع ذهباً – الجزء الثاني


رسم وليد أبو جود - حبر لبناني

  

 أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة حبر لبناني

 

يدخل أحمد (اسم مستعار) وصديقاه إلى كاباريه في جونيه عند الرابعة فجراً، هنا “سيستيم” خاص، فـ”الزبون” يجلس على كنبة ويحصل على فنجان قهوة مجاني، لا شراب كحولي ليقدّم، تجلس فتاتان قبالته (يتزايد عددهن ليصل إلى نصف دستة قبل أن يرحل الزبائن الثلاثة). يختار أحمد الفتاة التي يود الدخول معها إلى الغرفة الداخليّة، يؤكد انتقاءه وينقد “إيلي” ستين ألف ليرة لقاء ربع ساعة. في الداخل، يدردش مع الفتاة (عبير) التي تخلع سروالها بحركة أوتوماتيكيّة بعد أن يعطيها عامل سوري كيساً وواقٍ ذكريّاً (يقبض ثمنه خمسة آلاف ليرة). يسألها في الداخل عن مسقط رأسها، تجيب وهي تضحك “من العين يا حياتي”، ولكن تشي بها لكنتها بأنّها من سوريا. أمّا (كاتيا) فلا ترتاح بقدر غيرها، إذ سرعان ما تخرج لتعاود الدخول (4 مرّات في ظرف ساعة)، تشكو لزبونها الأخير (علاء صديق أحمد) أنّها تعبة، لم تسمح له أن يضع يديه أو يقبّل العديد من أجزاء جسدها، حجتها: “تعبانة كتير، خلّص بسرعة”.

أشكال الدعارة الجديدة 

هو مشهد يتكرر كل يوم، وخاصةّ في نهاية الأسبوع. إنّها المهنة الأقدم في التاريخ، ولكنّها تأخذ مظاهر جديدة في لبنان، فربيع (سائق تاكسي) يروي قصة فتاة سوريّة أقلّها من طريق صيدا القديم، أرادت الوصول إلى الرملة البيضاء. سألته إن كان يقل ركّاباً خليجيين، يجيبها “بعض الأحيان”، فترد عليه “إذا بتدبرلي زبون بـ 100$، بعطيك 50.000 ليرة (ثلث السعر)”. يقول ربيع أنّه تضايق وطلب منها النزول، يضيف “تريدني أن أكون قوادها تلك…”. والكلمة التي تلي “تلك” هي الكلمات التي يعتمدها اللبنانيون لوصف بائعات الهوى. أضف إلى ذلك، النساء اللواتي يعملن في مهنة التدليك (معظمهنّ من شرق آسيا) واللواتي تعطيهن أجراً إضافياً للإكسترا. أمّا بالنسبة لدعارة الرجال، فهناك التدليك المنزلي “الدليفري”، تقول هدى (اسم مستعار): “جاء لمنزلي في الحمراء لقاء عشرين دولار في نصف ساعة”، لم تمارس هدى معه الجنس ولكنها تستدرك “لو أردت ذلك، لما كان مانع، فقد كان ميالاً”.

 هنّ بمعظمهنّ نساء، منهن من ارتضين اللجوء لممارسة الدعارة حباً بالطرق السهلة لجمع الأموال، ومنهن من أجبرتهنّ الحياة (الظروف الماديّة والعائليّة..)، أو من تمّ دفعهنّ إلى ذلك بسبب الإعتداء الجنسي عليهن من قبل. ولكن ألا يحق لهؤلاء الأشخاص بظروف حياةٍ طبيعيّة لا يكونون فيها عرضة للمضايقات، والضرب، وحجز جوازات السفر، والإعتداء، والإستغلال؟ هي مهنة لكسب العيش بغض النظر عن حكم المجتمع عليها، ولكن هل يصح أن تصبح كابوساً لأكثر من عشرين ألف شخص (الرقم التقريبي لعمال السياحة الجنسيّة)؟ الجواب على هذا الأمر، يرتبط بالمجتمع الذي عليه أن يتقبل الواقع بأنّه مجتمع يعاني من أزمتين: كبت جنسي وعقدة ذكورية قائمة على استغلال المرأة (مادياً وجنسياً) لشهوات البعض في السلطة والفحولة.

  

غياب الوعي القانوني 

يشير تقرير وزارة العدل اللبنانيّة وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات في العام 2005 إلى أنّ معظم العقوبات التي أقرت بخصوص تهمة التجارة بالبشر لغاية الاستغلال الجنسي كانت السجن لأقل من ستة أشهر، والغرامة الأقصى لم تتعد الـ 550 ألف ليرة. تقول دارين الحاج، المديرة التنفيذية لمشروع “الإتجار بالبشر لغاية الإستغلال الجنسي” في جمعية Alef – Act for Human Rights، أنّ “المشكلة تكمن في غياب الوعي القانوني”، فقد كشف لها أحد ضباط الأمن الداخلي، عن مشكلة في فهم معنى “الإتجار” على مستوى كادرات الأمن، والقضاء والمحاماة كذلك. “عندما يتم ضبط حالة إتجار، يتم التعامل معها كاستغلال جنسي مثلاً، وبالتالي يقتصر الموضوع على الملاحقة القانونيّة، وعلى توثيق الحالة للاستفادة منها لمراجعات مستقبليّة”. وكشفت دارين أنّه يوجد حالياً مسودة قانون حول الإتجار بالبشر، قامت الجمعيات المختصة بإعطاء ملاحظاتها عليه.

 تعتبر دارين أنّ أهم أسباب ظاهرة الإتجار خصوصاً لدى القاصرين هي “الحاجة للمال، والتي من أبرز أشكالها الزواج المبكر، حيث يقوم الزوج بتشغيل الفتاة وبيعها لشبكات دعارة”، أمّا السبب الثاني فمرتبط بالظروف العائليّة. وتكشف عن حالة تلميذتين في منطقة برج حمود، “كانتا تهربان من المدرسة (نكاية) بأهلهما، تنتظر كل واحدة صاحبها الذي يوهمها أنها جميلة ويقدم لها الحلي ومن ثمّ تجد نفسها تعمل في الدعارة”. والسبب الثالث مرتبط بالمعاناة والفقر في المخيمات حيث يكون الأطفال ضعفاء.

 

هذا وكان تقرير الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة قد كشف في العام 2008 عن “60 حالة من حالات المتاجرة بالبشر ترُصد رسمياً في لبنان”.(وهي تشمل الحالات التي تعالج في المحاكم وتلك التي تصل الى مكاتب الشكاوى).

 

توضح أوليفيا ساسين، مديرة مشروع في منظمة هارتلاند أليانس – العراق، ما سبق وأدلت به في الجزء الأوّل من تحقيق: “ليس كل ما يلمع ذهب

 

“إنّ الإتجار بالبشر هي مشكلة عالميّة، على الرغم من الأنماط والممارسات المختلفة في كل دولة. أمّا في لبنان، فإنّ هناك العديد من الأمور التي يمكن تعقبها والتي قد تسبب أو تسمح بالإتجار بالبشر ومنها على سبيل المثال لا الحصر: “غياب التشريعات القانونية المناهضة للإتجار بالبشر، وجود فيزا “الفنانات”، ضعف قوانين العمل والاستغلال (ومن ضمنهم الأطفال)، الحماية الضعيفة للمهاجرين واللاجئين، الفقر والبطالة، والفوارق الجندرية غير العادلة، بالإضافة إلى غياب الوعي عن ماهيّة الإتجار بالبشر وكيفية تحديد (هذه الجريمة)”.

 

·         بحسب مكتب مكافحة المخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة فإن الربح السنوي من الاتجار بالاشخاص يقدر بـ 8 مليار دولار

·          يعتبر حوالي 27 مليون شخص في العالم ضحايا الاتجار، من ضمنهم 50% تحت سن الـ18 سنة

·         وفقاً لليونيسف ومؤسسات الأمم المتحدة، يتم الاتجار بمليون طفل  لهدف الاستغلال الجنسي عالمياً

·          حسب منظمة العمل الدولية، فإن 12,3 مليون شخص يعملون في أعمال قسرية وأعمال من أجل رد الدين وعبودية جنسية

·          حسب وزارة الخارجية الاميركية فان 800000 شخص يتم الاتجار بهم سنوياً عبر الحدود

 

 

المصدر: المؤتمر الوطني  حول أولويات الطفولة  (وزارة الشؤون الاجتماعية – المجلس الأعلى للطفولة)

 

 

 



2 thoughts on “ليس كل ما يلمع ذهباً – الجزء الثاني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s