الله، والوطن، والعائلة: الفاتحة – بيت القصيد – ختامها مسك


 

www.flickr.com/mo's

 

أسعد ذبيـان

 

الفاتحة

تنتشر فوق الشوارع اللبنانية شعارات حزب الكتائب اللبناني المحتفل بعيده الخامس والسبعين، وتحت شعاره الدائم: “الله، الوطن، والعائلة”. لا يعنيني من هذا الأمر سوى الشعار الأخير الذي أنوي الحديث عنه في القصة القصيرة التالية.

تقدم الرجال نحو الآتي الذي ترنح من باب سيارة الإجرة في موقف السومرية في سوريا، سارع أحدهم لانتزاع حقيبة من إثنتين يمتطياه كحمارٍ يحملهما من التعب. سأل عن التعرفة فأجابه الرجل: “700 ليرة سورية” (ما يعادل 14 دولار أميركي)، وأشار إليه ليتبعه. لحظة أمام ماكينة لفحص البضائع (لا يوجد أي رجل أمن ليدقق في الصور السينية)، ومن ثمّ هجوم آخر من السائقين على البوابة الداخلية، يتنازعه هذا وذاك. “أنا معي جيمس” (ليس بوند بل سيارة الجاي أم سي) ينطق أحدهم، قبل أن ينتهي به الدرب أمام سيارة رجل لبناني في ستيناته.

تذمر من الجلوس في الأمام إلى جانب شخص آخر غير السائق، “لديّ التواء قي العامود الفقري”. لا شهامة من قبل الرجال ليتقدم أحدهم من المقعد الخلفي المريح لسيارة “البويك”، وحدها فتاة في العشرينات تعلن: “أنا بقعد قدام”. يحيي حامل الشنطة (ليس صاحبها) شهامتها، في حين تتلوى هي إلى الأمام مندفعة.

 

بيت القصيد

أصبحوا خمسة مع السائق، “طبخة دسمة”، فانطلق. تجميع سريع للهويات (هوية لبنانية لمن ظفر في المقعد الخلفي على اليسار، باسبور بريطاني لمن هو على اليمين، وثلاث بطاقات سورية توزعت على الفتاة في المقدمة، وشاب إلى جانبها في عمر العشرين، ورجل آخر في وسط المقعد الخلفي). يخرج السائق بالبطاقات “الوطنية”، ومن ثمّ يعيدها. مفاجأة السفرة الأولى: “محجبة؟”، كلمة ينطق بها السائق وهو يسلّم الهوية للفتاة المتأنقة التي أرخت ثدييها من تحت المعطف وهي غير متحجبة. (نحتاج لهوية عليها صورتنا لنثبت لأحدٍ ما من نحن، ليتأكد من خلال سجلنا أننا لسنا ضد مصالح بلاده، أو للمصادقة على أننا جزء من رعايا وطنه – التغيير في أشكالنا لا يترافق بالضرورة مع صور بطاقاتنا التعريفية، نبقى تحت حكم الصور القديمة، والنمطيّة).

يعلن الرجل في وسط المقعد الخلفي عن سماجته منذ البداية: “ثم بإدارة المكيف. لماذا لا تضع بعضاً من الموسيقى؟ هيا أسرع!” وغيرها من العبارات التي جاد بها على السائق طوال فترة الرحلة. الشاب في الأمام يلتهي بأغاني بوب مارلي على “الآيبود” وشعره الطويل “الكيرلي”، فيغيب عن عالم السيارة المؤقت. البريطاني مهووس بالحذر، يلتفت يمنةً ويسار كل الوقت، قبل أن يستسلم لكتاب. اللبناني يغطّ في النوم، في حين تتلهى السيدة  بالإطمئنان على صديقاتها. (كلّ يغني على ليلاه، ولكل شخصٍ طباعه. نحكم على الكل سلفاً، نطلق آرائنا في عقلنا لنكوّن صوراً “نيغاتفية” عن من يقف قبالتنا، قبل أن نقرر أن نعمل عليها ببرنامج “الفوتوشوب” فتصبح أجمل أم أسوأ في الواقع).

تمر ساعة، ويبدأ مسلسل الحدود اللبنانية السورية. الرجل البريطاني يحتاج لأن يدفع 550 ليرة سورية (11 دولر) ضريبة خروج، وكل من الركاب السوريين يدفع أقل منه بدولار، وحده اللبناني بقي في السيارة (جنسيته تعفيه من الرسوم). يكمل “السمج” مزحاته وتدخله في الأمور التي لا تعنيه، يتبرم منه السائق وهو لا يخفي مشاعر العداء تجاهه أيضاً. آخر حركاته، دخوله إلى السيارة وانتزاعه لكرت الدخول الأبيض ورميه فوق الثلج، إنّها “العنتريّة” العربية في إثبات التفوق: الوسخ. يضطر اللبناني لفتح الباب والمشي في البرد، يلتقط الكرت ويعيده معه إلى السيارة.

السمج: “إلك هاد؟”

اللبناني: “للصراحة لأ، بس بكره كب شي، الأرض مش ملك بيي”.

يتمنى الأول ان تشق الأرض وتبلعه، يمنع نفسه عن لكم الشاب الذي إلى جانبه، ولعلّ أكثر ما كان يخشاه أنّه سيضطر للدخول إلى “وطنه” عمّا قليل. ما يزال البريطاني يعيق المجموعة في تأخره في المعاملات، يتدخّل الفتى في الأمام لمساعدته في عمليّة الترجمة، لكن كأنّه لم يكن، فصاحب “الباسبور” الأوروبي حذرُ جداً في كلامه أو حتى محاولة الفهم. يتهمه “السمج” بالغباء، في حين يعتبره السائق “ضايع وبارد”. ما تزال الصبية مهتمة بهندامها، قبل أن تسأل السائق التوقف على السوق الحرة لتشتري “غرضين”.

الأرض ملك من؟ لمن ندفع عندما نعبر الحدود؟ لماذا هي الحدود؟ الجواب الأبسط: البنوك والأنظمة. كلّ ما ازدادت العملات، ازدادت التحويلات المالية، دودة صغيرة تأكل سنتاتٍ وفي بعض الأحيان تقضم بضع جنيهات، كل هذه الأموال نحتاج لأن نستلفها من البنوك المركزيّة، نستلف دائماً منها وهي لا تبخل قي إقراضنا، نحتاج لمالٍ أكثر تصدره هي لكي نفي الديون. أمّا الحدود الفاصلة فهي لأنّه لم يستطع بعد أحدهم أن يفرض سيطرته الذكوريّة على العالم بأجمعه، فاكتفى ببسط سلطانه على حدودٍ معيّنة. الحدود ليست وليدة الإرادة الشعبيّة، إنّما القدرات التوسعيّة. الحدود ليست للاستقبال والمغادرة لشعوب أوطانٍ تختلف عن بعضها بالتركيبة الجينية أو الإجتماعيّة، إنّما هي مجرد تمدد للصالونات الرئاسيّة الخاصة بالحكام. المضحك هو أنّ البعض يفترض بأنّ الشجرة المثمرة على هذا الطرف من الحدود تعي أنّها تعطي هذا البلد لا ذاك، أو أنّ لحبة الرمل أم لقطة ما جنسيّة تحملها وتتفاخر بها.

 

ختامها مسك

يكمل الكل مشواره، توقف آخر عند الأمن العام اللبناني في المصنع (غني عن التعريف أنّ هذه التجربة لن ينساها أحد من أبطال القصة كلّما جرى الحديث عن انقطاع الكهرباء، إذ أنّهم اختبروا انقطاعها في مركز الجمارك لعشرة دقائق كاملة مسطرة تفوق العجز اللبناني). يتأخر البريطاني مدداً، تختم الجوازات، وينطلق الجميع.

هذه السيارة ليست سوى مشهد سوريالي لعائلة نموذجيّة، السائق هو الزمن الذي يقود بنا، فيما الحدود هي الإنتقال من الماضي إلى المستقبل، هو الإنتقال والتغيير، والضريبة التي ندفعها واضحة، ندفعها تعباً وجهداً وتحدياً، يقبض الثمن النظام المجتمعي الذي يودّ تقييد حركاتنا. أمّا الركاب فهم عائلة متفككة الأوصال كلّ منها يغني على ليلاه، لديه أحلامه، وطريقته في التفكير والتعبير، هو بيت يتمسك كلّ من أفراده في العمل على طريقته. الركّاب هم على أنواع، المتمرّد والسئيل، والسارح والخائف، لا يجمعهم شيئ طوال الرحلة سوى سقفٍ يحميهم من الأمطار. أمّا الله فهو كل شيء، هو الحدود إن شئنا أن نكون دوغمائيين، وهو السائق إن أردنا أن نكون مسيّرين، هو الركاب إن شئنا أن يكون حاوياً، وهو الضريبة إن شئنا أن نكون متشائمين، وهو الإنتقال في ذاته إن شئنا أن نكون براغماتيين.

 

 

 

 

 

5 thoughts on “الله، والوطن، والعائلة: الفاتحة – بيت القصيد – ختامها مسك

  1. تنبيه: Tweets that mention الله، والوطن، والعائلة: الفاتحة – بيت القصيد – ختامها مسك « خربشات بيروتية -- Topsy.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s