أوباما، ويكيليكس، وتجارة المخدرات


أسعد ذبيـان

ملاحظة: المقالة المنشورة أدناه عبارة عن وجهة نظر سياسيّة ومراقبة لأحداث اقتصاديّة وسياسيّة جرت في العالم عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، وهي غير مبنية على أي أسس منطقية أو علمية، ومتأثرة جداً بكتابات المفكر اللبناني جورج حداد

 

إنّ كل حديث عن أهداف أخلاقيّة لممارسة السياسة هو كذبة، وبالتالي فإنّ الأسباب التي تقف خلف معظم القرارات السياسيّة التي جرت وستجري هي لأسباب لا تتعلق بتاتاً بالوطنيّة، والقيم وإرساء الديمقراطية وغيرها من الأمور التي روجت لها الولايات المتحدة الأميركية في سنواتها الأخيرة. في حين أنّ الأسباب الحقيقيّة تكمن في السعي وراء أسواق تصريف جديدة للسلع واستيلاء على الموارد، وبالتالي زيادة الأرباح والأموال. وبما إنّ السياسة محكومة من قبل من يملك المال، فهي قد خضعت حتّى الأمس القريب لتجاذبات لوبيين/قطبين هما: السلاح من جهة والعقارات والبورصة من جهة أخرى. لا يمانع اللوبي الثاني حالة السلم (الداخلي) التي تسمح له بزيادة المبيعات بعد تعزيز القدرات الشرائيّة للمواطن الأميركي، في حين أنّ الحرب تخدم اللوبي الأوّل لأنّها الطريقة الوحيدة التي تسمح لحكامه بالتجارة من خلال بيع السلاح لتنفيذ الحروب (كما تخدم اللوبي الثاني في حال حصوله على امتيازات إعادة إعمار ما تهدمه الحرب). وبما إنّ الحرب من المفترض أنّها حالة غير دائمة، كان على هذا اللوبي (السلاح) إيجاد فكرة خلاقة، فما كان الأفضل من هجمات 11 أيلول وتنظيم القاعدة؟ هذه الهجمات سمحت بإصدار قوانين كان يحلم بها من يمسكون عصب الإقتصاد، من تحميل الخزينة الأميركية عجزاً بمليارات الدولارات وكل ذلك في سبيل ماذا؟! شراء الأسلحة والذخيرة، وتكلفة الحرب على الإرهاب ومن ضمنها أفغانستان والعراق. زد على ذلك أنّه كلّما ضرب تنظيم القاعدة في مكانٍ ما، سارعت الدول للإنضمام لما يسمى التحالف الدولي ضد الإرهاب، ولسخرية القدر، ابتاعت السلاح من الأميركيين. قس على ذلك ما جرى من صفقات أسلحة بين الأردن مع الولايات المتحدة بعد تفجيرات عمّان. وبما إنّ “البعبع” القاعدي لم يعد ينفع كثيراً مع بعض الدول لا سيّما “المحشيّة” منها، والخليجية على وجه الخصوص، كان لا بدّ من استخدام الطعم الفارسي الإيراني الشيعي، لتخويف العربي الخليجي السني. أنظروا لآخر صفقات الولايات المتحدة العسكرية مع السعودية والإمارت العربية (124 مليار دولار من المتوقع صرفها في السنوات الأربع القادمة من قبل دول الخليج على الإنفاق العسكري، والإمارات العربية لوحدها احتكرت 6% من التجارة العالمية للسلاح العام الماضي – شراءً طبعاً).

العراق وأفغانستان

حصل إذاً أن تمّت الحرب، فكان المستفيد منها قطاعات أخرى من الإقتصاد لا سيّما قطاعات البناء، والأمن (شركات الأمن الخاصة من المرتزقة)، والبترول. هذه القطاعات ساعدت الطغمة المالية، وساهمت في منافسة الطغمة السلاحيّة، فكان التنافس محتدماً جداً (الأمر الجلي في انتخابات 2004 والمنافسة المحتدمة بين آل غور، وبوش التي فاز بها الأخير في شق الأنفس). بعد تمتع بوش بالولاية على العرش لسنوات أربع جديدة، ترك اليد الطويلة لأعوانه في نهب الأسواق التي سيطر عليها بقوة العسكر، فأكمل نائبه تشيني بسط سلطته وعقد امتيازات النفط لصالح شركات يرؤسها. كان يجري التركيز على العراق في حين تركت أفغانستان ليستفيد منها الضباط والعسكريين (المقطع التالي).

 

وكما حصل مع كريستوفر كولومبوس، أي أثناء محاولته اكتشاف طريق الهند الأقصر والوصول الأسرع للتوابل، جرى مع الأميركان أنّهم كانوا في طريقهم إلى البترول في العراق، ولكنّهم اصطدموا بما إسمه “الأفيون” في أفغانستان. ساهمت هذه الزراعة (التي تشير العديد من الدراسات إلى تزايدها بكثرة بعد انتشار الأميركيين ودحر قوات الطالبان) في تنامي قوة ومصادر مال العديد من الجنرالات الأميركيين (يكلف كيلو الأفيون 1000 دولار ويباع الخام منه بما يقارب ألف مرة ضعف هذا المبلغ، هذا إن لم يخضع لإضافات)، الذين كانوا يعملون بطريقة غير شرعية طبعاً ويفكرون بكيفية إدارة هذه التجارة من دون التعرض للمساءلة، فما كان هناك من فكرة أفضل من: الإستيلاء على الحكم. وهنا بدأ التخطيط لإنتخابات العام 2008 الرئاسيّة.

 

أوباما لخدمة تجارة المخدرات

معروف عن الولايات المتحدة الأميركية أنّها دائماً ما تقدّم نموذجاً براقاً للديمقرطيّة أو للخير العام، في حين تكون تتستر في خرقها هذه الحريات ونهب ثروات الدول الأخرى. لذلك فإنّ تقديم الرئيس الأميركي الكاثوليكي الأوّل، كان على حساب زيادة الصراع مع الاتحاد السوفياتي، كذلك بدعتي عصبة الأمم والأمم المتحدة المتزامنتين مع دخول في حروب عالميّة لتكريس سطوة الأميركيين على العالم. ومن ثمّ جاءت الحرب على الإرهاب لتسمح بغزو بلدان أخرى، وبإصدار قوانين تحد من قدرة الأميركيين أنفسهم في الحريّة. لذلك كان المطلوب البحث عن الحالة/الشخصية التي بإمكانها أن تغطي بصورتها الديمقراطيّة البراقة على كل تجارة الأفيون القائمة، فوقع الإختيار على الخطيب الأسود، صاحب الأصول الإسلاميّة الإفريقيّة، والذي عاش في اندونيسيا وهاواي (عشرة عصافير بحجر واحد) باراك حسين أوباما (الإسم يهودي واسم أب مسلم). ومن ثمّ القرار بأن يحاط هذا الرجل بهالة أكبر من الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وذلك منذ اليوم الأول. والدليل هو غلاف مجلة تايمز لمشاهير العالم، وجائزة نوبل للسلام (الأمر الذي صدم الكثيرين). كل هذا لشرعنة ما سيجري تنفيذه فيما بعد من صفقات مشبوهة: تجارة المخدرات وإدارتها من قبل السلطة الأميركيّة الحاكمة.

 

ومن هنا جاءت قرارات الإدارة الأميركيّة لتعكس الواقع، فتمّ خفض عديد القوات الأميركيّة في العراق ورفعها بأرقامٍ مضاعفة في أفغانستان (الزيادة الأخيرة قبل إسبوع من كتابة هذا التحليل). كما تدخلت الولايات المتحدة مباشرةً في كولومبيا وذلك لاستئصال تجار المخدرات (أي المنافسين)، كما أنّ وضع قدماً لها في دول مثل سوريا وفزويلا (اللتين كانتا للأمس القديم دولتين أعداء)، يمكن أن يفسر في وضع سفراء على تماس مع أمكنة زراعة هذا الذهب الأبيض (البقاع اللبناني، والحدود الكولومبية الفنزويلية). ولكن من أجل حسن إدراة هذا “البيزنيس” الجديد، وضمان عدم عرقلته من قبل اللوبي المنافس (السلاح)، كان هناك حاجة إلى سلاح من نوع آخر؛ الإعلام الإلكتروني.

 

الإعلام الإكتروني

لا يخفى على أحد بأنّ حملة أوباما على الإنترنت كانت من الأنجح في الحشد والتمويل حول العالم، وقد فهم من أدار الحملة أهميّة هذه القدرات التكنولوجيّة الجديدة من سرعة اتصال، وشبه مجانيتها، والقيمة الهائلة لقاعدة البيانات. لذلك لم تجد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حرجاً بالتصريح في عديد المرّات عن أهميّة هذا الجيل الجديد من الفضاء الإلكتروني. كما لا يخفى على أحد برامج التدريب الأميركيّة، والتمويل الضخم للعديد من المشاريع المتعلقة بالحرية على الإنترنت. ومن المنظمات الرائدة في هذا المجال بيت الحرية الأميركي الذي يقدّم دورات تدريبيّة للعديد من الشبان والشابات حول العالم حول كيفية إنشاء مدونات، والتعامل مع المواقع الإلكترونيّة لإيصال آرائهم “المقموعة” (تلك المخالفة لأنظمة الحكم). وقد سنحت هذه الأصوات للولايات المتحدة الفرصة لاستخدامها في وجه الحلفاء (مصر، السعوديّة، ..) والأعداء (إيران..) للدلالة على قمع الحريات (أمر تجيد الولايات المتحدة قيامه، كذلك التنظير على أهميته). كما برز الدور المنحاز لبعض أهم وسائل الإعلام الإلكتروني الحديثة (تويتر تحديداً)، عندما منع كلمة “غزة” و”فلوتيلا” من الترقيم العالمي (أي أن يصبح الموضوع الأكثر شعبية بحيث يطلع عليه جمهور أوسع). كما برز التدخل الأميركي في الطلب من احد مؤسسي الموقع ذاته (تويتر) التريث قليلاً قبل تنزيل النسخة الفارسيّة، لأنّ ذلك سيؤثر على التغطية أثناء الفترة الحرجة للمظاهرات في طهران.

 

إن دلّ كل ما سبق على أمر، فهو أنّ من يتحكم بقاعدة البيانات لأكثر من نصف سكان الأرض الموجودين على الإنترنت، فإنّ له القدرة في تغيير مسارات أحداث هامة أو صبغها بما يريد. كما أثبتت التجربة تأثير هذه القنوات الإتصاليّة الجديدة على سابقاتها غير الإلكترونيّة مثل التلفيزيون والصحف وغيرها، وبالتالي اتساع قطر دائرة التأثير. وعي اللوبي الجديد  المبكر لأهميّة هذا السلاح، سنح له الفرصة أن يكون رائداً في مجال جمع المعلومات والإستخبارات، من كافة أنحاء المعمورة، بتكلفة أقل وبمصداقيّة أكبر. وهنا يأتي دور ويكيليكس.

 

ويكيليكس

يقوم لوبي السلاح الذي سبق وأشرنا له ببيع أسلحته باللعب على أوتار سياسات الدول الأخرى، وما هو السبيل لذلك؟ الإحتكاك المباشر بزعماء هذه الدول، والتواصل والتعامل معهم، أي بمعنى آخر: اليبلوماسيّة. ويعرف العالم أنّ صفقات بيع الأسلحة تتم من خلال الدبلوماسيين، والفضائح الكبرى أمثال تلك التي تواجه الرئيس الفرنسي ساركوزي هي بسبب عمولات مثل هذه الصفقات. نخلص للقول بأنّ تجارة السلاح تحتاج لفن الديبلوماسيّة والمراسلات الدقيقة بين ممثلي هذه الدول في الخارج (السفراء) ومقارهم الرسميّة (وزارات الخارجيّة). وعندما صعد لوبي المخدرات، كان بحاجة في قلب الطاولة على لوبي السلاح ولوبي المال، تمّ تجاوز الثاني من خلال الأزمة الماليّة التي عصفت بالكثير من رؤوس الأموال (هنا يجدر مراجعة الكتلة النقديّة الضخمة المستخدمة من قبل أموال تجارة المخدرات في شراء العقارات والأسهم بغية تبييضها). كما قامت الإدارة الأميركيّة بالحد من نفقات أصحاب البنوك ومعاشاتهم الضخمة (الذين يشكلون جزءً من الطغمة المالية)، وكل ذلك لصالح الطغمة الأفيونية، وإعادة اصحاب المال لدورهم الأوّل في الخدمات البنكيّة لمن يملك المال الأبيض الحديث. أمّا القضاء على طغمة السلاح، فهي في إفهامه هو الآخر في الخضوع لسلطة اللوبي المخدراتي الجديد، وبما إنّه يعتمد على الديبلوماسيّة والسريّة لإقامة تجارته، كان الهدف من ويكيليكس فضح هذه الممارسات. (مع العلم بأنّ ويكيليكس لم تقدّم حتى الآن أي فضائح حقيقيّة، بل مجرّد توثيق لمعظم الأمور البديهيّة التي يعرفها الناس عن السياسة، ولكنّ الرسالة كانت موجهة لأطراف بعينها بأنّ كل ملفاتها القديمة بحوزة الطبقة الجديدة. كما انّ معظم ما نشر ممّا يعد في فئة السرية هي الدنيا منها، ذلك أنّها عبارة عن رسائل السفراء لكن ماذا عن رسائل الجواسيس؟ أو مثلاً الحديث عن صفقات الأسلحة وغيرها؟).

 

في قصة دان براون “ديجيتال فورتريس”، تخشى مساعدة المرشح إلى البيت الأبيض السيناتور ساكستون من قيام البيت الأبيض بفضح صورها الجنسيّة مع المرشح بغية القضاء عليه. تطمئنها مراسلة بالقول (بما معناه): “من خبرتي الطويلة في التعامل مع البيت الأبيض، لا يقوم هؤلاء بمؤتمرات صحافيّة للشروع بمؤامرات، بل يسربون الموضوع للإعلام، ومن ثمّ التظاهر بأنهم تفاجؤوا به”. أليس هذا بالضبط ما حصل مع ويكيليكس؟ هل يظن أحد بأنّ أصحاب القرار لم يكونوا على علم بأنّ التسريبات ستحصل؟! ولماذا بقيت ردود الفعل باهتة؟! من أجل الإطاحة برجل اسمه أسامة بن لادن (على اعتبار أنّه حقيقة)، تمّ إحتلال بلد بكامله، فهل يعقل أن يترك رجل اسمه جوليان أسانج مرتاحاً في حال فضح الممارسات الأميركيّة (التي تريد هي فضحها؟). ولماذا لم يقم أي مسؤول سياسي عالمي بقطع سلطته مع الأميركيين بعدما تحاملوا عليه والقول بأنّه دمية (الرئيس الروسي ميدفيديف)، أو نزق (وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان)، أو غيرهم أمثال رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء التركي)؟ ويكيليكس كانت مجرّد رسالة من الطغمة الأفيونيّة لأصحاب رؤوس الأموال المبنية على تجارة السلاح مفادها: “نعرف أعمالكم وسنفضحها إن لم تنضموا لنظامنا العالميّ الجديد”. بالمناسبة، الرد الوحيد الدفاعي على هذه الهجمة جاء من السويد التي قامت باتهام أسانج بالإغتصاب، ومن ثمّ توجيه طلب لبريطانيا لإعادته واعتقاله، وهو ما جرى. ولمن لا يعلم، السويد هي الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة في تصدير السلاح وبيعه حول العالم، مصادفة؟! ربما. وربما لا.

4 thoughts on “أوباما، ويكيليكس، وتجارة المخدرات

  1. Thank you Asaad ,good writing as usual.I usually do not waste a moment of my life in any political issue for one good reason which is the summary of your article…politics is mere hypocricy …all is a fraud my friend ..all is a mere play but the puppets are rotten dolls and of uninteresting characters nor colours….

    you showed it all…but we need more people to be exposed to the truth …

    until then …it shall be a continious nonsense spanish..mexican or even turkish drama ..

  2. تنبيه: Tweets that mention أوباما، ويكيليكس، وتجارة المخدرات « خربشات بيروتية -- Topsy.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s