تونس: توحشتك برشة


 

أسعد ذبيـان

 

لطالما تساءلت لماذا لا يوجد على العلم التونسي اللون الأخضر، وهي البلاد التي طالما اقترن اسمها بصفة الخضراء (ويلفظ حرف الضاد ذالاً). لهذا كان إصراري أيام زرتها على أن يطلق عليّ اسم الأخضر الصفاقسي (اللقب نكايةً بأصحابي من تونس العاصمة والمناطق السواحليّة، وتضامناً مع اسماعيل ومحمد أبناء صفاقس). وصلت المطار ليلاً، ولم أكن أتوقّع أن يهبّ لاستقبالي سوى فردٍ أو اثنين، لأنّ المسافة قد تكون أثرت على العلاقة مع الأحبة، ولكن “التوانسة” خيّبوا ظنّ العدم، فتواجدوا في الواقع بكثرة. يومها فهمت معنى أن تكون محبوباً بعيون التونسيين، وهو أمرٌ يصعب على أي موظف رسمي فهمه، ذاك أنّه لم يتمتّع بهذا الحب يوماً. يومها لم يقدر بعض الرفاق من الحضور إلى المطار، كانوا منهمكين في الدراسة لبعض الإمتحانات، اليوم توقفت الدراسة لأجلٍ غير مسمّى.

 

حشريتي دفعتني لسؤال التونسيين عن الأمور السياسية في البلاد، فهمس الرفاق في أذني: ” استخدم اسم (ستيف) كلّما أردت الحديث عن زين العابدين بن علي، نوعٌ من إعادة التسمية”. سألتهم لماذا هذا الإسم بالتحديد؟ فكانت الإجابة: “لأنّه الطفل المدلل للأميركيين، ولأنّ القرار ليس ملكه بل لزوجه وأقاربها”. منذ قرابة الشهر، فضحت رسائل ويكيليكس أسباب طرد سهى عرفات من تونس، لأنّها على خلاف مع زوجة ستيف، فاتضحت مبادئ الرجل الذي يضحي بزوجة زعيم سياسي إرضاءً لإمرأة، فلماذا لا يضحي بشعبٍ إرضاءً لكرسيّ!؟

 

في تونس تعلّمت كلمات كثيرة: “نحي” هي واحدة من الكلمات ومعناها “يخلع عن”. المرّة الأولى التي سمعتها بها كانت عندما شرحت لي صديقة ما فعله بورقيبة مع الشعب: “كان يذهب إلى الحقول والناس مذهولين بشخصه، تقترب منه إمرأة محجبة ، فينحي عنها غطاء الرأس، والبسمة لا تفارق وجه المرأة كأنّما يحررها”، والكلام السابق لفتاة مؤمنة. لكن تراك ماذا تفعل يا “ستيف”؟ تنحي الرؤوس عن الأجساد؟ تنحي الشباب من منازلهم؟ الكلمة الثانية التي علقت في الذهن كانت: “نشطح” ومعناها الرقص. ليالي سوسة، وحمامات، وتونس العاصة كانت ملأؤ بالرقص يومها (منذ أقل من عامين)، ولكن أين الشطح هذه الأيّام؟ وحدها قنابل شرطتك المسيّلة للدموع تجعل المتظاهرين “يشطحون” يا “ستيف”. كنت أضحك على المصطلحات المختلفة بين بلداننا، والتفسيرات الجنسيّة المختلفة بيننا: “شليكة” عندكم معناها “البابوج” أو “الخف” عندنا، فيما نفسرها نحن على أنّها إمرأة عاهرة. اليوم وجدت الكلمة معنى واحدة بيننا، فأيّ من التفسيرين ينطبق على نظام يطلق النار على شعبه.

القصر الرئاسي

كنّا في سيارة صديقة عندما طلبت منها زيارة منطقة سيدي بو، معظم “التوانسة” يعرفون المنطقة من خلال المشي، فكان عليّ الشرح كيفيّة الوصول بالـ”كرهبا”. عندما مرّينا بمحاذاة القصر الجمهوري، بدأت الصديقة السائقة بالرجف، وما إن وصلنا إلى منتصف الطريق (منحدر كنّا نصعده)، حتى توقفت السيارة وعادت بنا إلى الأسفل. أقبل نحونا رجلين، الأول من الشرطة والثاني بلباسٍ مدني فهمنا أنّه من حراس القصر أو بالمعنى الحقيقي من مخابرات القصر. طلب حينها منّا بطاقات الهويّة ورخصة القيادة وأوراق السيارة، كانت صديقتي ترتجف من الخوف، تدخّلت لأنقذ الموقف: “قلت للرجل طائرتي بعد ساعتين وإننا نعتذر على المرور بجانب القصر وأنّها نصيحتي ..”، أجابني: “اليوم عيدي”، لم أكن أعرف يومها أنّ الكلمتين معناها: “إعطيني بعض المال لأدعك تمر، أو بمعنى أفضل: إرشيني”. على الإنترنت، خلق نشطاء حقوق الإنسان على خرائط جوجل حول قصرك يا “ستيف” علامات أرضيّة وثقوا بها كل المخالفات لحقوق الإنسان التي ارتكبت إبّان حكمك. هذه الصورة الأولى في أذهان كل السواح أنّ هذا القصر مليء بالمؤامرات ضد أبناء الشعب، وعلى الأرض مخابرات عيدهم كل يوم.

 

سوسة

عندما زرت سوسة، كانت صور “ستيف” تملأ الفضاء، في باحات القصور، في الشوارع، على المباني، في كل مكان، والمناسبة أنذه سيزور الساحل ليشدّ الهمّة لإعادة انتخابه أو لعلّها لتعديل الدستور لصالح إعادة إنتخابه، لم أعد أذكر السبب. يومها سألت عن السبب: “هل اليوم عيد ميلاد زين العابدين أو ما شابه؟”. جاوبني سائق الأجرة: “كل يوم عيد ميلاده”. لا أدري إن كان ينوي قول ما فهمته، “كل يوم يتقاضى رشوة”. في سوسة خيالة على البحر، يمرون على ظهر أحصنة بجانب السياح شبه العراة المستلقين على الرمل، التقطّ صورة لبعضهم ووضعتها على الفايسبوك، تعلق إحدى الصديقات: “ما هؤلاء؟ شرطة آداب؟”. فيجاوبها أحدهم: “لا حراس بحر”. كان الأمر مجرّد مزحة، هو لا يعرف بأنّ كثر يقضون في محاولة قطع المسافة بحثاً عن فرصة عمل. يشطح التفكير قليلاً:  الخيالة لتحمي الشاطئ حتّى يبقى هناك شعبٌ يحكمه “ستيف”. على طول الشاطئ، يوجد أشرعة هوائية مربوطة بقوارب مائيّة ترفع الشخص إلى مئات الأمتار فوق الشاطئ والمدينة، أنصحك يا “ستيف” بتجربة واحد منهم، سترى الأمور من أعلى: أرض من أجمل ما يكون، وبيوت بيضاء لا تعلو كثيراً، وناس سواسيّة في الأسفل كل ما ينشدونه بعضاً من الحريّة ووظائف العمل. بعد التفكير، لا يجدر بك القبام بذلك، فأنت لطالما كنت تنظر من أعلى، فلتبقى انت تحت ويصوروا لك من الأعلى لتفهم أنّ حجمك نقطة سوداء من الأعلى.

 

 

حراس البحر في سوسة

حول العالم

في باريس، وفي استوكهولم، وفي بيروت قابلت تونسيين. أفضل الأوقات معهم، دائماً ما تنتهي الأمسية فأعلّق في اليوم التالي: ” ماحليها سهيرة”. فاسمح لي با سيّد ستيف أن أخبرك عن هذا الشعب: “يقبّل عند التعارف الغريب أربع قبل، فلا تسأل لماذا يشتمونك في النهار أربعين مرّة. يحب الحياة والفرح والجنون، يخلط اللغة العربية بفرنسيّة وإنجليزيّة ويبتدع سيمفونيّة  كلاميّة تطرب لها الآذان، مشكلتك أنّك لا تسمعه لتفهم مطالبه. يناقشون في الدين والسياسة والفلسفة والعلوم وكلّ ما يخطر على بالك، مثقفين وحائزين على شهاداتٍ جامعيّة ويقودون في قطاعاتٍ عدّة في الخارج، فلا أفهم لماذا لا يجدون عملاً في وطنهم. يعرف معظمهم أنّ “يد فاطمة” من التراث اليهودي، ولكنّهم يقولون عنها أنّها من الثقافة الشعبيّة التونسيّة، فلا يفرّقون بين الأديان. يأكلون ويقدمون لضيوفهم الـ” لبلابي – والطاجين – والكفتاجي – والكبدة بالمركيز”، فلا تبتعد عنهم في تناول الكافيار وتقديم القصور والشواطئ للأجنبي على غرار بيت السفير الأميركي في العاصمة”.

 

ماذا فعلت يا “ستيف”؟

على الإنترنت، خلقوا العام الماضي حملة اسمها: 404، سموها تيمناً بكل صفحات الإنترنت التي يمنعها نظامك عنهم. لطالما طلبت منّي ليليان أو جاتم (اسماء وهمية) أن أحفظ لهم الصور عن موقع فليكر أو فيديو عن اليوتيوب ليتمكّنوا من مشاهدتها، وتسأل لماذا ينتفضون؟! معظم ما نعرفه، نحن البعيدين عن تونس هو أغاني بندير مان، وحملات اعتقال المدونين. وكلمة “censorship” ومعناها الرقابة، اقترن اسمها باسم تونس بسبب حكم “ستيف”. أمّا حملة العام فكان اسمها “سيّب، سيّب صالح”.

 

التقيت سليم عمامو في بيروت العام الماضي، يتمتع الشاب بأخلاقٍ رفيعة وبوقار. قضينا أمسياتٍ مميزة، وتناقشنا في عديد الأمور، يقبع اليوم خلف القضبان على خلفيّة ما صرّح به لبعض وسائل الإعلام.  هذه الأيام، امتلأت الشوارع بشعارات مثل: “يا حكومة عار عار، والأشعار شعلت نار” و”يا مواطن إيجا معانا.. والسكوت أكبر خيانة” بعد أن كانت صور المبايعة تملأ الفضاء. أثناء انتقالي بالقطار من العاصمة إلى حمامات، رأيت اليافطة الوحيدة لحزب سياسي غير حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، أمّا اليوم فأصوات المتظاهرين هي الغالبة، وتسأل يا “ستيف” لماذا يطالبون بحقهم في التعبير عن الرأي؟ الشباب التونسي ليس كما تصفه بالهمجي والتتري في خطاباتك الأخيرة، يقومون اليوم بحملات نظافة لشوارعهم، ويرفعون الإعلام التونسيّة ثمّ ينشدون الأناشيد الوطنيّة في وسط الساحات، يهتقون: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر.. ولا بدّ لليل أن ينجلي، ولا بدّ للقيد أن ينكسر”.

 

سليم عمامنو وسائد كرزون في بيروت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ماذا يفعله رجالك يا “ستيف” في الشارع؟! يعتقلون الهمامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي، يستسلمون في جبنيانة، ولا يستمعون إلى خطاب يقول: “تونس حرّة حرّة، بن علي ما يلزمناش”. أمّا الطامة الكبرى عندما يخرقون حرمة البيوت ويحاولون اغتصاب النساء كما صرحت إحدى السيدات في فيديو نشر على الإنترنت.

ألوف الصور الشخصيّة على مواقع الفايسبوك تحوّلت إلى العلم التونسي المصبوغ بالدم، والبو عزيزي قضى بعد 18 يوماً من الصراع مع الألم، و26 عاماً من القتال مع الظلم. اصطبغت الأرض بلون الفحم نتيجة الحرائق، وتوشحت عائلات بأكملها بالأسود حداداً على شبابها الذي قضى في المظاهرات، وما تزال يا “ستيف” (قاعداً) في قصرك متحصنناً بالجيش. توحشت تونس يا “ستيف”، توحشتها حرّة!

 

الرجاء الإطلاع على ما كتبه أكثم سليمان في رثاء محمد البوعزيزي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s