أبحث عنكِ IV


 

من مسرحية ليل الضرة - الجامعة اللبنانية الأميركية - الصورة والإخراج: فرح بيطار

 

أسعد ذبيـان

أعود للبحث عنكِ.. أبحث عنكِ في خروجي من العمل، والطقس ماطر.. فأبحث عن أضواء سيّارة تنتظرني بين قطرات المطر.. أبحث عنكِ في رسائل غابت عنّي.. أبحث عنكِ  في إدماني استخدام مواقع إلكترونيّة دون سواها علّني أجدكِ.. أبحث عنكِ في سائقٍ استقلّ عربته، وأنظر إلى المقود فلا أراكِ خلفه.. أبحث عنكِ في أصابع تمتدّ تحت ثيابي وتحاول محاكاة شعورها تحت طيّات ملابسكِ..

أبحث عنكِ في اعترافي بالشوقِ إليكِ على بعد خطوة من مقاعد دراستكِ.. أبحث عنكِ في لوحةٍ طلبتها منكِ لأعلقها على جدار غرفتي.. أبحث عنكِ في اقتناعي بأفكاركِ، في شقةٍ أحاول تحصيلها، في عملٍ مستقرّ أركن إليه.. أبحث عنكِ في تفكيري في أماكن لم ندشنها معاً، ولم تحتفِ بنا.. أبحث عنكِ في لائحة أعدّها لكلّ ما لم نتشارك به.. أبحث عنكِ في كبرياءٍ يمنعني من ملاقاتكِ في منتصف الطريق.. أبحث عنكِ في سيناريوهاتٍ متخيّلة يعيدها عقلي كلّ ليلة قبل النوم..

أبحث عنكِ في الأمور الماديّة لأنني ماركسيّ، وأبحث عنكِ في رحيق زهرٍ لأنني محاولة بائسة لشاعر.. أبحث عنكِ في عطرٍ يلفّ جسدكِ كلّما التقينا عراة.. أبحث عنكِ تمسّدين ظهري، وأسخر من قدراتك على التدليك.. أبحث عنكِ في فراغٍ يملأ حياتي.. أبحث عنكِ في الإستيقاظ المتأخر في محاولة إطالة شبحكِ في الحلم أو الكابوس.. أبحث عنكِ في سهري المتأخّر ولعب “الكوتشينة”، وفي ورقة “بنت القلوب”.. أبحث عنكِ في مصطلحات جديدة تعلّمتها: الشوق، الصبر، الحاجة، العطش.. أبحث عنكِ في موسيقى لم أعتد سماعها، في أفلامٍ أقضي الوقت متحملقاً حولها لكي أضيع الوقت، في خروجٍ متكرر من مقهى لمقهى، ومن صديقٍ لرفيقة لكي يمرّ الوقت دون أن أعي وحدتي.. أبحث عنكِ في ملابس اعتدت أن ألبسها ـ قبل أن تخلعيها عنّي..

أبحث عنكِ في شرودي، في جنوني، في تمثيلي دور المنحرف جنسياً الذي يقضّ مضاجعكِ، في فلسفتي السياسيّة والدينيّة التي تثير جنونكِ.. أبحث عنكِ في ذكرياتٍ أخجل منها، وذكرياتٍ صبغت بعطركِ، ولحظاتٍ لم يكن لها معنى لولاكِ.. أبحث عنكِ في القديس جود، شفيع القضايا الخاسرة.. أبحث عنكِ في وجوه من المتظاهرين في تونس، والجزائر.. أبحث عنكِ في غلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف المعيشة.. أبحث عنكِ في الفقر، وفي الجوع، وفي البطالة.. أبحث عنكِ في شققٍ منثورة على واجهة البحر بعناية، وأكواخٍ مهترئة فوضويّة في الضواحي.. أبحث عنكِ في تأشيرة دخول “فيزا”، وجنسيّةِ بلادٍ مرموقة، وبطاقات الـ”فيزا” والـ”ماستر كارد”..

أبحث عنكِ في وقوف سيّدة على رصيف تهزّ قدمها اليسرى متذمرة من تأخر شخصٍ ما على موعده.. أبحث عنكِ في عناق فتاةٍ قصيرة لحبيبها، والتعلّق بأطراف الأصابع للوصول إليه.. أبحث عنكِ بين بؤبؤ عينيّ وجفنٍ يغمض فوقهما.. أبحث عنكِ في سريرٍ باردٍ يخلو من حرارتكِ.. أبحث عنكِ في شعرٍ تفوح رائحته بعد غسله ويشتاق لملمس يديكِ.. أبحث عنكِ في عتمةٍ تفرضها الدولة تقنيناً شبه يوميّ.. أبحث عنكِ في جلوسٍ مع الذات في مطعمٍ قلّما يزوره رواد.. أبحث عنكِ في بردٍ يحتل أصابع اليد التي لا تتحرّك.. أبحث عنكِ في رسائل أطرحها جانباً، وعملاً أؤجله، وشوق أصبر عليه، وندمٍ وشوقٍ ولهفة.. أبحث عنكِ في ورودٍ أريدها هديّة لكِ.. أبحث عنكِ في المناسبات الإجتماعيّة، في عيد عشاقٍ يأتي ورأس سنة مرّت.. أبحث عنكِ منذ ولدت!

 

أبحث عنكِ – الجزء الأول

أبحث عنكِ – الجزء الثاني

أبحث عنكِ – الجزء الثالث

 

12 thoughts on “أبحث عنكِ IV

  1. تنبيه: Tweets that mention أبحث عنكِ IV « خربشات بيروتية -- Topsy.com

  2. I am extremley moved!!! A poem which pace keeps on escalating and the emotions that it genrates are eager to keep track of the words…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s