إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب



 

أسعد ذبيـان

تشرت في موقع شباب السفير


تنده السيدة العجوز لقريبتها التي تركب على الدراجة بالقرب من المتحف: “باتريسيا، تعالي، إنضمي لنا”، في حين أنّ الفتاة تحاول أن تستفسر من جندي قريب عمّا يجري. يفترش بضع عشرات من الناس درجات المتحف الوطني(هم من مختلف الأعمار ولو كثر بينهم كبار السن)، يحملون بأيديهم شموعاً وأوراقاً بيضاء.  تعلن صونيا نكد: “انظروا إلى ما كتبنا على اللوحة، هذا كل ما لدينا لنقوله”. يجاوبها أحد المراسلين: “زلكن لا يوجد على الورقة أي شيء”، ترد عليه صونيا: “بالضبط، لم يعد عندنا ما نقوله لهؤلاء المسؤولين”.  يحاول رياض عيسى التنسيق بين عائلته القادمة للمشاركة في الإعتصام السلمي الرمزي، وبين المقابلات الصحافيّة. يطلب من الصحافيين مقابلة ابنته، تعلن الإبنة: “أنا هنا لأنني أحب لبنان، ولا أريد له التقسيم”. نجمة المناسبة ومن دون منازع، فتاة دون الخاسمة تقفز بين المشاركين، تلعب السيف والترس بشمعتها المطفأة مع الجماهير، تحمل راية بيضاء تختيئ خلفها وتلعب الغميضة، وعدسات المصورين مصوبة نحوها. قد تمنعها الحرب من مزاولة فرحها البريء، فأحضرتها أمّها الألمانيّة المتزوجة من لبناني لتقول للسياسيين: “كفى، كفاكم لعباً بأرواح الشعب”.

 

دعت حركة السلام الدائم والعديد من الجمعيات الأهلية والمدنية لهذه الوقفة الصامتة في الشكل، والمدوية الصوت في المضمون. يقف عناصر الأمن الداخلي على الرصيف المقابل من الطريق، تصل فانيسا وتسألني: “لماذا كل هذه العناصر، يخافون من السلم؟”. ينضم رجلي دين (درزي وماروني على وجه التحديد) للمشاركة، يقول غسان أبو ذياب: “قررنا المشاركة بهذا الزي، لنقول لا للحرب باسم الدين والطوائف”. لفتني أنّ الشيخ السني الشاب الذي حضر لم يلبس زيّه ويقف مع الشباب، سمعت وشوشات بأنّ عليه طلب الإذن من مرجعيته. رجل الدين الشيعي لم يحضر أصلاً. وحدها سيّدة ترتدي قميصاً احمر، وترتدي كذلك أردافاً مشدودة تمر غير عابئة بما يجري، ورجلٌ يمدّ البلاكبيري من السيّارة ليلتقط للحشد الصغير صورة. إحدى السيّدات تود انتزاع لوحة بيضاء من المتظاهرين لتجلس عليها: “معقول وسخ ثيابي؟”. منعتني اللباقة غير المعهودة من الإجابة. لكن أصابع اليد لا تشبه بعضها، لم تمنع الإصابة في الساق دلال معوض من الحضور، تصرّح: “أنا لا أؤمن بالعنف، ومستاءة من الوضع، الجهتين لا يعملان من أجل صلاح البلاد”. تستطرد بأنّها تعرف بأنّ من تمثلهم لا يشكلون أكثريّة، ولكن تلك الأكثرية لا تعمل لصالح البلاد، فمن يوقظها من سباتها؟

يعجبك في هذه التحركات كثرة الشبّان الذين يودّون التقاط الصور مع الفتيات الناشطات. يعجبك تكتيك التعارف المعهود والمبتذل، صورة فرفعها على الفايسبوك، فوسم، فإضافة، فحديث إمّا ينتهي بموعد أو بمسح عن قائمة الأصدقاء. إنّها الثورة التكنولوجيّة يا عزيزي. بالعودة إلى المجريات، أسعد الشفتري (أحد المشاركين في الحرب الأهلية اللبنانية كان حاضراً)، يود توجيه رسالة أنّه ضد جولة جديدة تغرر بالشباب كما فعلت الجولة الأولى معه. وحدها وسائل الإعلام اللبنانيّة غابت عن الحدث، مصوريها حاضرين ومراسليها غائبين، لعلّ السبب هو أنّه إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب.

3 thoughts on “إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب

  1. و يبقى السؤال : لم لم تسارع وسأل الإعلام لتغطية هكذا حدث.. والجواب واضح جداً .. لأن اللبناني بحب ” الأكشن ” بس !

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s