هل يختار الشعب المصري رئيسه للمرة الأولى؟


 

البيان رقم 1 للقوات المسلحة..

 

 

 

 

أسعد ذبيـان

نشر في موقع شباب السفير

 

ما يحصل في مصر الآن، ليس مجرّد احتجاجات على نظام قمعي فحسب، وليس مجرّد ثورة من أجل تغيير رأس النظام. ما يحصل في مصر هو انقلاب على النموذج الذي حكم البلاد وأهلها لعصور. وفي حال نجحت الثورة، ستكون المرّة الأولى في تاريخ مصر منذ 5000 آلاف عامٍ ونيّف، يقول فيها الشعب المصري كلمته، ويقرر من يحكمه.

التاريخ القديم

تمّ توحيد مملكتيّ الشمال والجنوب في مصر القديمة على يد ملكِ يدعى مينا (أو نارمر) حوالي العام 3100 قبل الميلاد. وبدأ منذ ذلك الحين خلط الملوكيّة بالدين، ليصبح الفرعون إلهاً، مستغلاً الحس الديني لدى شعب النيل.  توارث اللقب والألوهيّة الولد عن أبيه، من دون أن يكون للرعيّة قرار، واستمرّ الأمر لعقودٍ حتّى جاء احتلال الأغريقيين. أسقط الإسكندر الأكبر عام 343 قبل الميلاد آخر الأسر الفرعونيّة، وبسط حكمه على وادي النيل، وبنى مدينة الإسكندريّة (نسبةً إليه). وخلف الإسكندر على حكم مصر البلاطمة، نسبةً إلى بطليموس، أحد قواد جيشه الثلاثة الذين تقاسموا مملكته بعد موته. وفي العام 30 ق.م. قام الرومان باحتلال مصر على يد الإمبراطور أغسطس، مكرسين حكماً لأغرابٍ جدد ناهز الستمائة عام. وفي العام 618، غزا الفرس مصر وبقوا فيها لفترة وجيزة (11 عاماً) قبل أن يعود البيزنطيون لاحتلالها. ولم يدم الحكم طويلاً لهؤلاء، ذلك أنّ عمرو بن العاص قاد جيشاً إسلاميّاً احتلّ مصر لتصبح ضمن الخلافات الإسلاميّة اللاحقة. فكانت مصر طوراً تابعة للخلفاء الراشدين (ومركزهم الحجاز)، ومن ثمّ الدولة الأمويّة (ومركزها دمشق)، ومن بعدها للعباسيين (ومركزهم بغداد)، وهلمّ جرا منم استأثر بحكمها مثل الإخشيديين والطولونيين قبل أن تستقر بأيدي الفاطميين (ومركزهم في تونس، قبل انتقالهم إلى القاهرة).

لم يسمح الزمان لمصر أن تحكم من قبل شعبها، بل بقي الأجانب حكامها، يستخدمون جيوشها وشعبها وأراضيها في معاركهم التي خلدتهم في التاريخ. جاء بعد الفاطميين، الأيوبيون الذين أعادوا مصر بالاسم إلى الحاضرة العباسيّة، ومن بعدهم استأثر المماليك (مزيجٌ من الفرس والترك) بالحكم. وجاء الاحتلال العثماني (ومقره الأستانة في تركيا) في العام 1517 ليحوّل مصر إلى ولاية عثمانيّة.

التاريخ الحديث

وفي المرة التي سطع فيها المجد المصري مع السيطرة على مناطق أخرى محاذية كان ذلك على يد الوالي العثماني محمد علي باشا (1805) الذي نقلها من العصور الوسطى للحديثة. ولكنّ هذا الوالي لم يأتِ يوماً بخيار الشعب، بل إنّه لم يكن مصرياً حتّى (من مواليد مقدونيا شمال اليونان). وتلته في الحكم أسرته، التي كان لها الأثر الأكبر من خلال حفر قناة السويس، فخلفه إبراهيم باشا، وعباس حلمي الأول، ومحمد سعيد باشا (الذي قال بعد أن أغلق المدارس التي فتحها جده: “أمّة جاهلة أسلس قيادة من أمّة متعلمة”) واسماعيل باشا (الذي نال لقب الخديوي واستقلالية أكثر من العثمانيين مقابل زيادة في دفع الجزية). في العام 1879، خلعت إنجلترا الخديوي اسماعيل، وعيّنت مكانه ابنه توفيق (كان اسم الوالي المصري على السودان انجليزي واسمه تشارلز غوردون الذي قتل في الثورة المهديّة). تولّى بعده ابنه الخديوي عباس حلمي الثاني الحكم (وجلهم من محمد علي من سلالة الأسر العلويّة)، وكان غائباً عن البلاد عندما خلعه الإنكليز عن الحكم بحجة الحرب العالميّة الأولى وعيّنوا مكانه عمّه السلطان حسين كامل. مارس السلطان حكمه تحت السيطرة البريطانيّة لثلاثة أعوام، وتحت اعتبار مصر كمحميّة بريطانيّة. وفي العام 1919، قامت ثورة قي مصر ما دفع الإنكليز لرفع الحماية عنها، وانتهز السلطان فؤاد الأوّل (وهو شقيق السلطان حسين كامل ومن ثمّ صار لقبه ملكاً) الفرصة ليعلن استقلال مصر في العام 1922. خلف الملك فاروق والده على عرش مصر في العام 1936 (ولم يكن عمره سوى 16 سنة)، حاصره البريطانيين في العام 1942 أثناء الحرب العالميّة الثانية في قصر عابدين ليدفع إلى تشكيل حكومة مؤيدة للبريطانيين بعد أن وصل الألمان إلى حدود البلاد. وفي 26 يوليو 1952، قامت حركة الضباط الأحرار برئاسة اللواء محمد نجيب بإرسال إنذار للملك للتنازل عن عرشه. ومّما جاء في نص الإنذار الموجه للملك فاروق: “نظراً لما لاقته البلاد في العهد الأخير من فوضى شاملة عمت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم وعبثكم بالدستور وامتهانكم لإرادة الشعب.. لذلك فقد فوضني الجيش الممثل لقوة الشعب أن أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم الأمير أحمد فؤاد..”، وهو ما فعله، فتنازل عن العرش لولده الذي لا يبلغ من العمر سوى ستة أشهر.

إعلان الجمهوريّة

في يونيو 1953، تمّ إعلان الجمهوريّة في مصر وتولي قائد الجيش الحكم (وهو أيضاً ليس خياراً شعبياً ولم يتم بالانتخاب). استقال محمد نجيب في شباط 1954، ولكنّ المظاهرات العارمة في مصر والسودان أعادته إلى الحكم مرفوعاً على الأكتاف، وهو ما لم يعجب أركان مجلس قيادة الضباط الأحرار. وقد شرح نجيب في كتابه “كنت رئيسا لمصر” موقفه من الضباط الأحرار: “لقد خرج الجيش من الثكنات.. وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلي الآن في مصر”. لم يستمر محمد نجيب في سدة الحكم سوى فترة قليلة بعد إعلان الجمهورية (يونيو 1953 – نوفمبر 1954) حتى عزله مجلس قيادة الثورة ووضعه تحت الإقامة الجبرية بعيداً عن الحياة السياسية لمدة 30 سنة، مع منعه تمامًا من الخروج أو مقابلة أي شخص من خارج أسرته، حتى أنه ظل لسنوات عديدة يغسل ملابسه بنفسه، وشطبوا اسمه من كتب التاريخ والكتب المدرسية.

استلم جمال عبد الناصر الحكم بعد عزل الرئيس محمد نجيب (كذلك لم يكن الأمر اختياراً شعبياً) وبقي في الحكم حتّى العام 1970، خلفه بعد وفاته نائبه محمد أنور السادات. وقد بقي السادات في الحكم 11 عاماً قبل اغتياله في العام 1981 احتجاجاً على اتفاق السلام الذي عقده مع إسرائيل. وتبعه في الحكم نائبه حسني مبارك الذي تقلّد الرئاسة، والقيادة العليا للقوات المسلحة المصرية، والحزب الوطني الديمقراطي بعد اغتيال السادات (وهي أيضاً مثال على عدم اختيار الشعب وبعد خمسة آلاف عام رئيسه). وحتّى الآن في العام 2011، ما زال كل رئيس مصري (وعلى غرار معظم الدول العربيّة) على الرغم من تعدد التسميات (من فرعون، لإمبراطور، فخليفة، فخديوي، فسلطان، فملك، فرئيس جمهوريّة) “يسقط” على الشعب. فهل ينجح الشعب في اختيار رئيسه للمرة الأولى؟

المظاهرات السابقة

تظاهر الشعب المصري في الزمن الحديث في أكثر من مناسبة، فقد خرج الشعب المصري في تظاهرات عفويّة وزحفت الجماهير بالألوف لإحاطة مستشفى القصاصين حيث يرقد الملك فاروق بعد عملية جراحية إثر حادث جرى له واصطدام سيارته بمقطورة عسكرية بريطانية. وكانت الشائعات تقول بأنّ الإنكليز ينوون قتله، فخرج الشعب من أجل التضامن مع الملك.
وفي 28 آذار 1954، جرت أغرب مظاهرات في التاريخ، وكانت الهتافات تقول: “لا أحزاب، ولا برلمان”، و”تسقط الديمقراطيّة، وتسقط الحريّة”.. كان المتظاهرون مدفوعين من مجلس قيادة الثورة بوجه محمد نجيب.  وشهد العام 1977 ما عرف بـ “ثورة الخبز” احتجاجاً على غلاء الأسعار.
الثورة المصريّة الحاليّة تتميز بأنّها من نوع خاص. هي الخطوة الأولى التي يقوم بها الشعبُ المصريّ لاختيار رئيس لا تفرضه القوى العظمى. وهي المرّة الأولى التي يخرج فيها الشارع من أجل عزل رئيس، لا أن يتم العزل من قبل البعض الطامع بالسلطة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s