نعش النظام الطائفي: المسمار الأوّل


 

Photo Credit: Omar Hamid

 

أسعد ذبيـان

نشرت في مجلة حبر لبناني

كيف يمكن أن تغطي تحركاً شبابياً إعلاميّاً في حين يرفض منظموه التصريح للإعلام؟ كل ما يمكنك التقاطه من أفواههم هو التأكيد على أنّهم “شباب لا يقود أي ثورة إنّما مجرّد محفز للشعب لكي يتحرك”. يؤكدون أنّ التحرك هو جزء من تحركات عديدة ستليه، والسقف الأعلى للمطالب هو النداء الذي أطلقه شباب يعرفون عن أنفسهم بـ”مواطنون ومواطنات”. “ضد النظام الطائفي ورموزه، وأمراء الحرب والطوائف”.. وضد نظام المحاصصة والتوريث السياس.. وضد الإستغلال الإجتماعي – الإقتصادي.. وضد الفقر والتهميش والإنماء غير المتوازن والحرمان المناطقي..” هي ما يطالب به هؤلاء.

يجتمعون في بدارو، يتناقشون، يصيحون، يختلفون، ومن ثمّ يقررون. تنتهي الجلسات حوالي العاشرة مساء، ويبدأ توزيع المناشير، البعض يسميها “بوسترات”. “معاشك ما عم بكفيك؟ ما بدك تهاجر بس مضطر؟ الزعماء عم بيستغلوك؟ قرفت من الواسطة؟” هي الشعارات الأولى التي وزعها شبان وشابات لبنانيات في الشوارع. لم يرق الأمر للبعض فقاموا بالإعتداء على شابين (رامي م. وخالد د.) في منطقة طريق صيدا القديمة. أخذوا الشابين على حين غرّة وتحت تهديد السلاح، اصطحبوهما إلى غرفة مليئة بالجنازير وسألوهما عمّا يفعلان؟ “ماذا تفعل أنت هنا خارج منطقتك؟” سئل خالد من قبل أحد المنتمين لفوجٍ طائفيّ عمّا يفعل في منطقة الضاحية الجنوبية فقط لأنه من بيروت. هذا الواقع الذي يريد البعض فرضه: كل واحدٍ في منطقته، وممنوعٌ عليه الخروج منها. رفضوا أن يوزّع أحد نداءً يدعو لإسقاط النظام الطائفي. لا تناسب شعارات النداء أعلاه البعض، هم فرحون بقامات زعمائهم، وبإرث حروبٍ أهليّة يتناقلوها بالجينات إلى ولد الولد.

 

في الحمراء مساء الجمعة، كان المشهد مغايراً بعض الشيء، البعض لم يعر اهتماماً لصبيّة توزّع عليه منشوراً فشكرها وأكمل مسيره، أو لم يلتفت. لكنّ فتاةً تدرس الإعلام في الجامعة العربيّة، قررت أن تأخذ موضوع التوزيع على عاتقها، فناقشت المارة، وابتسمت لهم، وركضت نحو بعضهم ودعتهم للخطوة الأولى: مظاهرة الأحد. وفي الشارع عامل تنظيفٍ أخذ البيان وقرأه، وعندما التقى بالشباب بعد ساعتين، ارتسمت على وجهه ابتسامة تشي بأنه يقول: “يا ريت بتزبط معكن”.

إنها الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ولصق الشعارات على الجدران مستمر. قبلها بلحظات، تحملق الشباب حول نرجيلة وبعض المشروبات يناقشون في الأحزاب السياسيّة وفي قرف التبعيّة وفي الطائفيّة. كلّ منهم من طائفة، ومن خلفيّة معيّنة، وله تجربته الخاصة ومرارته من الأحزاب السياسية الحالية.

 

التحضيرات

قبل المظاهرة، جاء يوم السبت، وهنا لا سبات ولا عطلة. منذ الصباح اجتمع كلّ من استطاع الإستيقاظ في تيار المجتمع المدني في بدارو. انقسموا إلى مجموعتين، الأولى نظمت الشعارات، خطتها على يافطات وجلّدت “الكراتين” تحسباً للأمطار. في الغرفة المجاورة، كان الزخم متسارعاً أيضاً، خطوط هاتفيّة يتم شحنها من أجل تغطية مسيرة اليوم التالي مباشرةً. لم يفارق الجدل المحضرين يوماً. “لبنان يشبه تونس ومصر”، أم “لا يمكن تعميم حالة الثورات على لبنان” هي عناوين لما كان النقاش في بدايته يدور حوله. “هل نظهر على الإعلام؟” سؤال آخر نال نصيبه من التجاذب بين المنظمين، فبين من قال “فرصة لا بدّ منها لدعوة الناس للإنضمام إلينا”، وبين من صرّح: “كيف نثق بإعلامٍ تابع لنظامٍ طائفيّ نحاول إسقاطه؟”. ويستمر النقاش: “من يضمن بأنّ وسائل الإعلام لن تحاصرنا بأسئلة تكون موضع خلاف فيما بيننا – لا أحد بيننا يجب أن يمثل التحرك.. الثورة تمثل نفسها، والشعب هو من يحدد كيف تسير الأمور”. ماذا نفعل عند انتهاء المسيرة؟ البعض يقترح صمتاً ثمّ صرخة واحدة: “ارحلوا”. آخرون ينوون الوقوف لدقائق كتماثيل جامدة ثمّ في لحظة واحدة يتحركون ويرفع شعار يعلن شيئاً مثل: “أنتم الذين في الحكم هكذا تجمدون البلاد”. هذا التحرك اسمه FreezeMobs ويستخدم للتعبير عن الرأي بطريقة فنية. نقاشات وتحضيرات وسهر لإنشاء وجود إلكتروني من موقع على الإنترنت وعلى التويتر واليوتيوب وغيرها.. بضع ساعاتٍ من النوم ومن ثمّ اليوم الموعود.

مسيرة الأحد

كانت الوجوه كلها مبتسمة، وحدها السماء قررت العبوس، فلم ترحم الناس من خيرها منذ بداية المسيرة في منتصف النهار. صبية وشوشت في أذني: “لعلّها تسمّى ثورة الشماسي في لبنان بعد هذا المشهد”. انتظروا دقائق ليكتمل ركب الواصلين وجهاز الصوت ثمّ انطلقوا من أمام كنيسة مار مخايل باتجاه الشياح. بلغوا الألفين، كلّ منهم يحمي الآخر تحت شمسيّة من مطرٍ أبى إلا أن يزيد، والبعض اختار أن يتعمّد بالماء “لأشد عزم الباقين” كما قالت مايا. خرجت الناس إلى شرفاتها فصاحوا بها “ياللي واقف عالبلكون، قوم نزال شعبك هون”. أكملوا المسيرة والعزيمة تشد أزرهم وصيحات: “ثورة.. ثورة – الشعب يريد إسقاط النظام”.. فتى في عمر المراهقة حاول الإنضمام للمتظاهرين من وسط دكانٍ على الشارع، فحاولت أمّه ثنيه عن قراره، فانصاع لها. يمشي الناس ، يرفعون يافطة مرفوعة في الأمام، وسيارة شرطة ترافقهم من الخلف. عند مستديرة الطيونة، ضاقت الطريق على المتظاهرين بسبب الحفريات، فمشوا على الإسفلت مثنى وفرادى، فكان مشهد المتظاهرين الممتد من أول جادة سامي الصلح إلى آخر الطيونة بديعاً. كانوا من مختلف الأعمار والمناطق، كانوا  شباناً وشابات ورجالاً ونساء.. كثيرٌ من الشباب اغتنم الفرصة ليعرّف أصدقاءه على أهله المشاركين معهم. ورغم أن عددهم لم يتجاوز الألفين إلاّ أنهم كانوا كما قال علي: “كأنّما الوطن يمشي”.

 

ماذا بعد؟

هو السؤال الذي ينهش عقول المشاركين في المسيرة، ووسائل الإعلام الباحثة عن سبقٍ صحافيّ، والحقيقة أنّ الجواب يملكه طرف واحد: الشعب. في حين أنّ من قرروا أن تكون أعمالهم عبارة عن “محفّز كيميائيّ” فقرروا الإجتماع بعد بضعة أيام: “نقيّم ما حصل ونتفق على الخطوات التالية”. في أرض الميدان، وتحت جسر العدلية، كان النقاش بين مجموعاتٍ عديدة حول الموضوع عينه. “المطلوب رفع السقف ومطالبة الزعماء بالرحيل” تعلن نغم، في حين يناقش عماد: “يجب أن يكون المطلب تعديل الدستور، هذا وحده كفيل في تغيير زعماء الطوائف، وعدة خطوات من شانها أن تسقط النظام الطائفي”. يسأل الجميع: “متى الخطوة التالية؟”. لغطُ حول موعد الإحتماع، يتم حسمه بتكليف أحدهم الدعوة إليه بعد المشاورات عبر الفايسبوك.. لا اتفاق على مطالب محددة بعد، وخلط بين الأهداف البعيدة المدى والقصيرة الأمد، وبين مطالب اقتصاديّة وسياسيّة. ولكن الإجماع على أمرٍ واحد: القرف من النظام الطائفي وضرورة تغييره، فهل ينجح الشعب؟!

 

One thought on “نعش النظام الطائفي: المسمار الأوّل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s