لـيـبـيـون فـي الـخــارج: نـتـمـنـى لــو كـنـا فـي الـثــورة


 

أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

 

دفع الشباب الليبي ضريبة النظام عندما قرر أن يقفل عليهم بمعتقلٍ كبير اسمه «جماهيريّة»، وبكتابٍ لغته خشبيّة وحروفه مسماريّة سماه العقيد الأخ قائد الثورة: «الكتاب الأخضر». سجن القذافي شعبه في الوطن الكبير لأنّه أراد أن يتحدّى الغرب، ومن ثمّ ما لبث أن قرر «لحس» الإصبع المجروح ومصالحة العالم، ليضمن استمرار نسله على عرش بترول الصحراء. في الحالة الليبيّة ينطبق المثل: «الولد سرّ أبيه» ولو في الجنون. هنيبعل يعتدي على الخدم في سويسرا، تعتقله السلطات، فيقطع الوالد عنها البترول. يتلهى العقيد بنصب خيمته أينما حل، في حين يحاول الشباب الليبي جاهداً أن يخرج من المربع الأخضر ليكمل تحصيله العلمي. وعندما يقرر هؤلاء المطالبة بالحرية يطلق عليهم صواريخ الطائرات.
عبد الله العرفي، 25 عاماً، واحد من الليبيين الذين سافروا إلى الخارج لمتابعة التحصيل العلمي. تخصص في الكيمياء في بنغازي قبل أن يقرر الرحيل للولايات المتحدة لينهي شهادة الماجستير. سرقته الثورة التي تشهدها بلاده عن مقاعد الدراسة لتزرعه خلف شاشات الحاسوب والتلفاز، علّه يلتقط خبراً يشفي غليله أو يبدد مخاوفه. اتصل عبد الله المرة الأخيرة بأهله صباح يوم الإثنين، يسرد جمله المقتضبة: «أكدوا لي انّه لا يوجد غذاء ولا أدوية. كل من يخرج إلى الشارع يقتل. المجرمون بمعظمهم من جنسيات أخرى». ويكمل عبد الله الشرح: الجيش إلى جانب الشعب ولكن لا عتاد لديه. في حين «تقوم الميليشيات باغتصاب النساء لتجبر المتظاهرين على العودة إلى منازلهم».

قضى صديقان لعبد الله حتفها في بنغازي حتى الآن، يضيف متحسراً: «حازم عبد الحق بوبيضه. هو أحد الضحايا، تزوج منذ 10 أيام فقط».
«أنا أحترق لأعود إلى منزلي، أدرس الماجستير في الولايات المتحدة منذ آب الماضي»، يقول حسان الريس. حسان لديه رواية أخرى حصل عليها في الاتصال الأخير مع أهله (عند الثانية والنصف فجر الثلاثاء). قالوا له: «بنغازي محررة، يحكمها الشعب الليبي بعد مواجهات عنيفة مع القوات الأفريقية التي أحضرها القذافي، ولكن أكثر من 200 شخص استشهدوا». يكمل حسان الشرح عن الجيش الذي انضمّ إلى المتظاهرين والخوف من الإبادة بالطائرات. يحاول الشاب العشريني التقاط الأخبار من بلاده، «كنت أتحدث مع صديق لي في طرابلس، وأكّد لي أنّه ما زال يسمع طلقات النار» من دون أن ينسى ذكر القنص في الشوارع. ويضيف حسان: «حاول البعض التوجه من مدينة مصراتة (ثالثة المدن الليبية من حيث الحجم) الى العاصمة ولكنّ القذافي بعث إليهم بالطائرات لتردعهم». سيتوجه حسان إلى واشنطن للمشاركة في التظاهرات المناهضة للنظام الليبي أمام البيت الأبيض للضغط على القذافي الذي يعتبره «شيطاناً انتهى عهده فيحاول إزهاق العدد الأكبر من الأرواح قبل أن يقبض عليه». يختم: «نحن شعب يؤمن بالحرية، ولكننا نحتاج لمن ينشر صوتنا حول العالم».
تبلغ ليلى م. من العمر 24 عاماً، درست في مدينتها بنغازي الصيدلة، ولم تكمل تعليمها بعد. تخشى الإفصاح عن مكان وجودها، وتقول بأنّها لم تقدر على التواصل مع أهلها إلا باتصالاتٍ متقطعة: «لا انترنت للوصول إليهم، كل ما أملك هو الفايسبوك لأعرف ما يجري». تتضايق ليلى من كونها غير قادرة على التحرك، تعلن: «أتمنى لو باستطاعتي فعل شيء، أتوق لأتحرّك».

تجلس ليلى خلف الشاشة وتشعر بأنّ «شيئاً ما يموت بداخلي أكثر فأكثر.. ربما أعرف هذا الشخص، ربما كان أحدا ما نشأت معه». لا تستطيع ليلى فهم كيف أنّ نظاما ما يقتل شعبه، تشعر بمرارة لا تطاق. «كنا نقول بأننا نشعر مع الفلسطينيين، لم يكن ذلك صحيحاً تماماً، الآن نفهمهم فعلاً.. الآن فقط. نشعر بأننا عاجزون، نصرخ ولا يغيثنا أحد.. يشاهدنا العالم نموت أمام عينيه»، تقول ليلى.
أخبرها أصدقاؤها بأنّهم ينامون وسكاكين المطبخ بين أيديهم خوفاً من «المرتزقة». تختم: «أعرف أنّ الأمر جنوني، ولكن أتمنى لو كنت معهم، لو كنت مع الذين أحبهم.. أتمنى لو أكون معهم غداً».

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s